الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلقيهما أبو جهل. فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل:
ألا أراك تطوف بمكّة آمنا، وقد أويتم الصّباة «1» وزعمتم أنّكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنّك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد ورفع صوته عليه:
أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنّك ما هو أشدّ عليك منه طريقك على المدينة، فقال له أميّة:
لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيّد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة فو الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: «إنّهم قاتلوك» قال: بمكّة؟ قال: لا أدري؛ ففزع لذلك أميّة فزعا شديدا، فلمّا رجع أميّة إلى أهله قال: يا أمّ صفوان ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أنّ محمّدا أخبرهم أنهم قاتليّ، فقلت له: بمكّة؟
قال: لا أدري فقال أميّة: والله لا أخرج من مكّة، فلمّا كان يوم بدر استنفر أبو جهل النّاس قال: أدركوا عيركم، فكره أميّة أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنّك متى ما يراك النّاس قد تخلّفت وأنت سيّد أهل الوادي تخلّفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتّى قال:
أمّا إذ غلبتني فو الله لأشترينّ أجود بعير بمكّة، ثمّ قال أميّة: يا أمّ صفوان جهّزيني، فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟! قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلّا قريبا. فلمّا خرج أميّة أخذ لا ينزل منزلا إلّا عقل بعيره فلم يزل بذلك حتّى قتله الله عز وجل ببدر «2» .
ملخص الحديث:
كان أمية بن خلف لعنه الله صديقا لسعد بن معاذ رضي الله عنه وقد نزل سعد ضيفا على أمية بمكة، ولما ذهبا يطوفان بالبيت، قريبا من الظهيرة، رآهما أبو جهل لعنه الله فأنكر على سعد بن معاذ رضي الله عنه طوافه بالبيت آمنا، وهو من القوم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم فلما تخاصما وأراد أمية أن يخفض من صوت سعد بن معاذ، أخبره سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيقتل أمية بن خلف.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
التصديق المطلق من الكافرين لكل ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم وشاهده من الحديث:
1-
فزع أمية بن خلف، لما أخبره سعد بن معاذ رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(1) يقصد بالصباة: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والصابئ: هو من يترك دينه وينتقل إلى دين آخر.
(2)
البخاري، كتاب: المغازي، باب: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر، برقم (3950) .
إنهم (أي المسلمين) قاتلوه، قال الراوي:(ففزع أمية فزعا شديدا) ، وظهر ذلك على وجهه وبقية أعضائه وكذا تصرفاته، لذا وصف الفزع أنه كان شديدا، وما ذلك إلا لتيقنه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
2-
قول أمية بن خلف، لما سمع مقولة سعد بن معاذ رضي الله عنه كما في إحدى روايات البخاري:(والله ما يكذب محمد إذا حدّث)«1» ، ونلمح في هذه المقولة بعض النقاط وهي:
أ- أنه استفتح كلامه بالقسم؛ وذلك للتوكيد مع أنه لم يطلب منه ذلك.
ب- أنه نفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم جميع أنواع الكذب في حديثه، لقوله:(إذا حدث) أي:
(بأي شيء حدث) دون تقييد.
ج- أنه صدّق الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر عظيم، يشمل عدة أمور، وهي: أنه سيخرج للقاء المسلمين وأن أجله سيمتد حتى يقابل النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو، وأنه سيموت على ما هو عليه من الكفر.
وكان من شدة تصديقه لمقولة النبي صلى الله عليه وسلم أن صدرت منه عدة أمور وهي:
أنه سأل معاذا رضي الله عنه عن المكان الذي سيقتل فيه، حيث ورد في الحديث: (قال:
بمكة؟ قال: لا أدري) ، مما يؤكد أن الأمر قد ثبت عنده، واستقر في قلبه غاية الاستقرار، وما بقي إلا أن يعلم أين يقتلونه.
أنه رجع إلى امرأته، يخبرها بما سمع، وكان من مقولته لها:(أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي) .
عدم خروجه أول الأمر، وتخلفه عن استنفار أبي جهل، وما خرج إلا بإلحاح من أبي جهل، لخوفه أن الناس سيتخلفون بتخلفه، قال له أبو جهل:(إنك متي ما يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به) . أي: أنه ما خرج إلا تحت الإلحاح الشديد.
أنه اشترى أجود بعير بمكة؛ حتى يستطيع أن يهرب عليه إذا رابه شيء، وقد عزم ألا يسير مع الجيش إلا قليلا، بالإضافة إلى حفاظه على البعير غاية المحافظة، مخافة أن يهرب منه، قال الراوي:(ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره) . أي ربطه.
وهذا التصديق التام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من أمية وحده، بل اشتركت معه زوجته، ومن شدة تصديقها أنها قالت له لما عزم على الخروج: (يا أبا صفوان وقد نسيت ما
(1) البخاري، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (3632) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.