الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خارج الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذه المقولة، مقابل ما فعله الصحابة من التصفيق في الصلاة، وكأن التصفيق وما يحدثه من إزعاج وشوشرة لا يناسب الصلاة، فنهى عنه الرجال، أما النساء فضرر التصفيق في الصلاة أقل من الضرر الذي قد يحدث من التفات المصلين لأصواتهن، خاصة إن كان فيه فتنة.
الحديث الثاني:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبيّ لها. فقال لها: «اتّقي الله واصبري» . فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلمّا ذهب. قيل لها: إنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت. فأتت بابه فلم تجد على بابه بوّابين. فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: «إنّما الصّبر عند أوّل صدمة، أو قال عند أوّل الصّدمة» «1» .
الشاهد في الحديث:
قول الراوي عن حال المرأة، لما علمت أن الذي خاطبها هو الرسول صلى الله عليه وسلم (فأخذها مثل الموت) .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
1-
مداومته وحرصه صلى الله عليه وسلم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على كل حال، لقوله للمرأة:«اتقي الله واصبري» ولم يقل صلى الله عليه وسلم: إن المرأة الآن مصدومة، ولا يصح توجيه الخطاب إليها، ولما جاءته لتعتذر إليه، نصحها مرة أخرى، فقال لها:«إنما الصبر عند الصدمة الأولى» .
2-
حكمته ورفقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما حكمته، أنه أمر المرأة أولا، بتقوى الله، أي بالأمر العام، الذي هو سبب امتثال العبد لكل أمر وبعده عن كل نهي، لتشعر بخوف الله، سبحانه وتعالى، ووجوب طاعته والبعد عن معصيته، وليكون ذلك أدعى لامتثالها لما سيأتي من أمر، ليقع الأمر على قلب خاشع، ثم أمرها بالأمر الخاص، ألا وهو الصبر، الذي تحتاج إليه المرأة في مثل هذا الموضع، فقال صلى الله عليه وسلم:«اتقي الله واصبري» .
أما رفقه صلى الله عليه وسلم في الأمر فيتضح من:
أ- أنّ نصحه للمرأة ما زاد عن قوله: «اتقي الله واصبري» .
(1) البخاري، كتاب: الجنائز، باب: زيارة القبور، برقم:(1283) ، مسلم، كتاب: الجنائز. باب: في الصبر على المصيبة، عند الصدمة الأولى، برقم (926) .
ب- أنه ما نهر المرأة وما عاتبها أولا وآخرا، أولا: لما لم تعرفه وقالت له: (وما تبالي بمصيبتي) . وفي رواية عند البخاري: (فإنك خلو من مصيبتي) وآخرا: لما عرفته واعتذرت إليه، فقالت:(يا رسول الله لم أعرفك) ، والغريب أنه صلى الله عليه وسلم غير سياق الموضوع ولم يشعرها بحرج من عدم معرفته، وقال لها:«إنما الصبر عند أول صدمة» .
ويتفرع عليه، وجوب تحلي أهل الحسبة، بالصبر على أذى الناس، والاحتساب في ذلك، وألاينتقموا لأنفسهم، وأن تكون غايتهم التوجيه والنصح والإرشاد، قدر المستطاع، وأن يعذروا الناس خاصة عند وقوع المصائب، وألا يكلفوهم أكثر مما يطيقون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ألحّ على المرأة في امتثال ما يأمرها به، وما وقف على رأسها حتى تتوقف عن المحظور الواقعة فيه، لأن المقام لا يحتمل ذلك، ولو فعل لاحتمل أن تتلفظ بكلام لا يليق، فتقع في محظور أكبر.
ج- تواضعه صلى الله عليه وسلم ويتضح ذلك من:
أن المرأة لم تعرفه عند ما قال لها: «اتق الله واصبري» . فلو أنه كان يمشي بحاشية وأتباع، يمشون خلفه أو كانت له مشية معينة أو أنه كان له زي خاص، أو يتبع أسلوبا معينا في الكلام يختلف عن الناس لعرفته المرأة، أو حتى ظنت أنه من أكابر القوم ومن خاصتهم، ولراعت ذلك في ردها.
أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل بوابين على أبواب بيته، أما ما ورد في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان له بوابون، يستأذنهم الداخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمل على أن هذا الأمر لم يكن على الدوام، ولم يكونوا منقطعين لهذا العمل، ووقوفهم عند البيت كان وقت المصلحة، ولكن الأصل عدم وجودهم، ذكره ابن حجر العسقلاني.
3-
مهابته وإجلاله في نفوس أصحابه رضي الله عنهم ويتضح ذلك من شدة الكرب والفزع الذي انتاب المرأة، لما عرفت أن الذي حدثها هو النبي صلى الله عليه وسلم وإذا أردت أخي القارئ أن تتصور الحالة التي انتابت المرأة، فعليك أن تحضر من تأتيه مصيبة الموت، فانظر كيف يكون حاله، خوف ورعشة وعرق وأكثر من ذلك بكثير، هذا كان حال المرأة لما عرفت من الذي حدّثها.
ويتفرع عليه، أن المهابة والإجلال الذي وقر في قلوب الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن نابعا من طريقة حديثه معهم، ولا من كثرة الأتباع والحاشية، ولا من وجود البوابين، ولا من خوفهم أن يوبخهم أو يعاقبهم إن أساؤا وإنما كان هذا الإجلال والإكبار لشخصه