الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قدر أي أحد من أفراد الأمة لا يستوي مع قدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي له من التعظيم والإجلال ما ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم.
ويتفرع على ذلك أننا يجب أن نميز بين حديثنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحديثنا عن أشراف وسادات الناس. فيجب أن يكون هناك فرق في التعظيم والإجلال والإكبار بين النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، ولو كان من عظاماء المسلمين، لأننا إن لم نفعل ذلك وقعنا في النهي؛ قال تعالى:
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً.
نقل القرطبي كلاما نفيسا عن القاضي أبي بكر ابن العربي نصه: (حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به)«1» .
وقد نوّه ابن كثير- رحمه الله عن وجوب الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته بقوله: (قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته صلى الله عليه وسلم لأنه محترم حيّا وفي قبره صلى الله عليه وسلم دائما)«2» .
3-
من أبلغ مظاهر تعظيم الآية لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، أن جعلت عقوبة رفع الصوت عليه هي حبوط العمل، وفي هذا أبلغ التعظيم للمحظور، وهو رفع الصوت، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله:(إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري)«3» .
وأعتقد أن العقوبة المترتبة على رفع الصوت، لا يشترط لها غضب النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يغضب لم تكن هناك عقوبة، ولكني أعتقد أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم رفع الصوت عليه هو أمر مطلوب لذاته وهو من مقتضيات الإيمان، ويعاقب تاركه وإن لم يتأذّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والدليل على ذلك أن الآية لم تقيد حبوط العمل بغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قيدته فقط برفع الصوت.
[فوائد الآية الثانية:]
أما فوائد الآية الثانية: وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ
…
[الحجرات: 3] :
فتتلخص في عظيم الحث على التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بغضّ الصوت عنده، مع أبلغ الثناء
(1) انظر «الجامع لأحكام القران» (16/ 307) .
(2)
انظر «تفسير القران العظيم» (4/ 208) .
(3)
انظر «تفسير القران العظيم» (4/ 208) .
على من التزم هذا الأدب، يتبين ذلك من:
1-
حثت الآية المسلمين على مطلق غض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أبلغ من الآية التي قبلها في وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم حيث زكّت من يغض صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء تكلم معه أم مع غيره في مجلسه، كما لم تقيد خفض الصوت بحيث يكون أخفض من صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها حثت على مطلق خفض الصوت بغض النظر عن صوت النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس.
وهذا ما كان يفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان يخفض صوته جدّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآيات الكريمات حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب منه إعادة ما يقول ليفهم منه، ذكر ذلك في الحديث الذي أوردته عن سبب نزول الآية:(فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه) .
2-
بينت الآية الكريمة أن خفض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هي من علامات تقوى القلوب، بل إن هذه القلوب قد طهرها الله من كل قبيح ورذيل بفضل التزام أصحابها غض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قوله:(طهرهم من كل قبيح وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى)«1» .
3-
ختمت الآية بذكر عظيم الثواب الذي أعده الله عز وجل لمن تأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث معه بقوله تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، فقد وعدهم الله بأمرين عظيمين، هما: المغفرة من ذنوبهم، ومن لوازمه ستر الذنوب ومحوها، والأجر العظيم، أي الجزاء الذي يتصف بالعظمة في قدره وكمّه ومن لوازمه دخول جنات الفردوس التي أعدها الله لعباده الصالحين.
وتدبر أخي القارئ عظيم بركة التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجال واحد من مجالات التأدب وهو خفض الصوت، قلب تعمره التقوى قد تنزه عن الشكوك والشبهات، ذنوب قد غفرت ومحيت من الصحائف فابيضت تلك الصحائف لخلوها من الذنوب والآثام، أجور عظيمة قد كتبت في تلك الصحائف فازدادت بياضا على بياضها وجمالا على جمالها، فما بالك أخي القارئ لو استوفى المسلم جميع الآداب مع النبي صلى الله عليه وسلم ماذا سيكون جزاؤه وعاقبته في الدنيا والآخرة؟!.
(1) انظر «الجامع لأحكام القران» (16/ 308) .