الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما الدليل من السنة على اختيار أقرب الناس للمشاركة في الخير، فعن أم حبيبة أنها قالت: (قلت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان. قال: «وتحبّين؟» قلت: نعم.
لست لك بمخلية، وأحبّ من شاركني في خير أختي) «1» . ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل لأنها كانت بنت أخ من الرضاعة بالإضافة إلى تحريم الجمع بين الأختين وأنصح كل مسلم فأقول له: لا تبخل على أخيك المسلم بأي خير، واعلم أن خير الله الذي أراده لأخيك سيصل إليه لا محالة، فاحرص أن يكون هذا الخير على يديك، فيحبك الله عز وجل، ويحبك الناس، وتكون من أهل المعروف في الدنيا.
الفائدة الثانية:
إذا قال قائل: الغلام كان صغيرا فكيف نأخذ من فعله حكما؟
قلت: عدم تعقيب النبي صلى الله عليه وسلم على قول الغلام أو الإنكار عليه، دلنا أن فعل الغلام هو الصواب، إذ لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الفائدة الثالثة:
الذي يجلس عن اليمين هو الأولى، ولا يعطي لغيره إلا بإذنه، وهو مخير بالإذن من عدمه.
الفائدة الرابعة:
تواضع النبي صلى الله عليه وسلم مع الغلام، وحفظ حقه، ويظهر ذلك في الاستئذان، ولو علم الغلام أن هذا الاستئذان ليس على بابه، أي أنه بمثابة الأمر، لبادر إلى الطاعة والامتثال.
ثالثا: تبركهم بشعره صلى الله عليه وسلم:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لمّا رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة، ونحر نسكه، وحلق ناول الحالق شقّه الأيمن، فحلقه، ثمّ دعا أبا طلحة الأنصاريّ، فأعطاه إيّاه ثمّ ناوله الشّقّ الأيسر، فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين النّاس) «2» .
الشاهد في الحديث:
قوله صلى الله عليه وسلم: «اقسمه بين الناس» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
الشمائل النبوية:
1-
بركة شعره صلى الله عليه وسلم، ودليله أنه أعطى شعر شقه الأيمن لأبي طلحة، زوج أم سليم
(1) البخاري، كتاب: النكاح، باب: وأن تجمعوا بين الأختين
…
، برقم (5107) . مسلم، كتاب: الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة، برقم (1449) .
(2)
مسلم، كتاب: الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي
…
، برقم (1305) .
والدة أنس، رضي الله عنهم، وأمر صلى الله عليه وسلم أبا طلحة بتقسيم شعر شقه الأيسر على الناس، وعند مسلم:(فوزعه بين الناس الشعرة والشعرتين) ، ولفظ (اقسمه) يشعر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من أبي طلحة رضي الله عنه العدل بين الناس في توزيع الشعر، ولولا علمه صلى الله عليه وسلم بعظيم بركة شعره، ما أمر بتقسيمه بين الناس. بل إنه أمر بمراعاة العدل في التقسيم.
يتفرع على ذلك إثبات بركة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يخصه؛ إذ تم توزيع شعره بين الصحابة، رضي الله عنهم بالشعرة والشعرتين، ولولا حدوث البركة بالشعرة الواحدة، ما كان هناك حكمة من وراء توزيعها على الصحابة، ولك أخي القارئ أن تتصور الجهد الذي بذله أبو طلحة ليقسم شعر الشق الأيسر للنبي صلى الله عليه وسلم بين الناس ومعلوم أن شعره صلى الله عليه وسلم كان كثيفا وطويلا.
2-
عظيم اعتناء المولى- سبحانه وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم إذ جعل في كل شيء اتصل به عظيم البركة، من الشعر واللباس والأظافر والعرق ومكان الصلاة وفضلة الماء والوضوء، وبصاقه بل ونخامته التي كان الصحابة رضي الله عنهم يتبادرونها فيمسحون بها وجوههم، واقرأ أخي المسلم، ما ورد في البخاري في حديث صلح الحديبية الطويل، ما ذكره عروة بن مسعود لأصحابه من كفار قريش:(والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده) .
ولا تتعجب أخي القارئ من سلوك الصحابة رضي الله عنه ولا تقول في نفسك: كيف يفعلون ذلك بالنخامة، وتظن أنك لو كنت مكانهم لاستقذرت ذلك؛ لأن الذي عاين وعايش أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ليس كالذي سمع، وإذا كان عرقه صلى الله عليه وسلم كان مثل حبات اللؤلؤ في جماله، وأطيب من المسك في ريحه، فلماذا نقيس نخامته صلى الله عليه وسلم بنخامة بقية الناس، حتى محجنه صلى الله عليه وسلم قد ثبتت له البركة لملامسة يد النبي صلى الله عليه وسلم فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي، وأعيا فأتى عليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«جابر؟» فقلت: نعم.
قال: «ما شأنك؟» قلت: أبطأ عليّ جملي، وأعيا فتخلّفت، فنزل يحجنه بمحجنه، ثمّ قال:
«اركب» . فركبت، فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .
(1) البخاري، كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمر
…
، برقم:(2097) ، مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحية المسجد بركعتين، برقم (715) .