الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتخاصمين، وننوه هنا إلى أن قولهم:(الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)«1» ليس بحديث. والحث على الشفاعة، وندب المتخاصمين إلى قبولها.
مثال آخر:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت ساقي القوم يوم حرّمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلّا الفضيخ «2» البسر والتّمر، فإذا مناد ينادي، فقال:
اخرج فانظر فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا، إنّ الخمر قد حرّمت. قال: فجرت في سكك المدينة. فقال لي أبو طلحة: اخرج فاهرقها فهرقتها. فقالوا: أو قال بعضهم:
قتل فلان قتل فلان وهي في بطونهم!!. قال: فلا أدري هو من حديث أنس، فأنزل الله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «3» .
الشاهد في الحديث:
أن الصحابة رضي الله عنهم، وهم الذين اعتادوا شرب الخمر، وكانت عندهم بمثابة الماء، أول ما سمعوا مناديا ينادي:«إن الخمر قد حرمت انتهوا عنها» ، وهذا يدل على أن طاعة الصحابة كانت على الفور وليس على التراخي، والدليل على ذلك، ما قاله أنس رضي الله عنه في الحديث:(فخرجت فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال: فجرت في سكك المدينة)، أي: أنهم قد سكبوا ما عندهم من الخمر في طرقات المدينة، أثناء الإعلام بتحريم الخمر، فهي مبادرة فورية إلى طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فائدة عظيمة:
وهي أن الامتثال لأمر الله ورسوله واجب على الفور، وليس على التراخي وهذا الذي فهمه الصحابة وطبقوه في كل حياتهم، فما قال أحد منهم: أذهب أتثبت من رسول الله، ولم يقل آخر: أنتظر حتى أعرف الحكمة من تحريمه، ولم يقل أحد:
إنني قد اعتدت عليها وأريد وقتا لأنتهي عن شربها، وهل سمعتم أحدا يقول: هي مصدر رزقي، وعلى الرسول أن يجد لي مصدر رزق آخر حتى لا يموت أولادي جوعا؟!.
هذا كله لم يحدث في الخمر ولا في غير الخمر، وعجبت من أناس على ألسنتهم كلمة واحدة (أقتنع أولا)، وقولهم:(الإسلام دين عقل، وأنا لست بالة، فقد كرمني الله بالعقل لأفكر) .
(1) انظر «كشف الخفاء» للعجلوني، (1/ 423) .
(2)
الفضيخ: خمر يصنع من ثمر النخل.
(3)
مسلم، كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب، برقم (1980) .
أقول: إن هذا كله من مداخل الشيطان، وسوء أدب مع الله ورسوله، وذلك للأسباب التالية:
1-
الشيطان حريص على أن يبعد المسلم عن دينه بحجج واهية، وقد تصيب هذه الحجج هوى في نفس المسلم، وقد تصيب أيضا جهلا منه، وأعظم هذه الحجج أن يأتي له عن طريق العقل، وأن الله فضل الإنسان على الحيوان بالعقل، بل كرمه على سائر المخلوقات بالعقل، فكيف تفعل أي شيء قبل أن تحكّم عقلك، يقصد بذلك أن يصده عن العمل، دون أن يقول له: لا تفعل الأمر، أو يقول له: افعل الحرام، ولكن النتيجة واحدة، وهي أن المسلم ارتكب المخالفات، والسؤال كيف يرد المسلم كيد الشيطان؟. الإجابة بسيطة وهي أن يقول له: يا هذا لم يخلق العقل لهذا «1» ، وأدلة ذلك كثيرة.
الدليل الأولى: لم يكن من عادة الصحابة، وهم خير القرون، أن يراجعوا النبي في حكم الله ورسوله، ومن أعظم الأدلة على ذلك الحديث الذي معنا، فإن الصحابة لم يراجعوا الرسول فيه كما ذكرت، مع أن بعضهم كان حديث عهد بالإسلام.
الدليل الثاني: أن عقول الناس تختلف من زمان إلى زمان، ومن بلد لآخر، بل من شخص لآخر، حتى الأشقاء في المنزل الواحد، مع أن تعليمهم من مشرب واحد، إلا أنك تجد بينهم تفاوتا عظيما في مداركهم، فهل من المعقول أن تكون هذه العقول المتفاوتة، وهذه المدارك المتباينة هي الحكم على حكم الله ورسوله؟
الدليل الثالث: أن الله عز وجل لما تعبدنا ب (افعل ولا تفعل) ، ورتب الجزاء على الطاعات، والعقاب على المعاصي، لم يربط الأحكام بالاقتناع، ولم يعذرنا بعدم إدراك الحكمة، فلم يجعل للعقل مجالا للاختيار، فمن يفعل يثاب، ومن يعص يعاقب، وعلى هذا مدار التشريع كله، ومن عنده ما يناقض ذلك من القرآن أو السنة الصحيحة فليأت به.
فإذا سأل سائل: ما هو فائدة العقل إذن؟ نقول له: تأمل القرآن الكريم بتدبر، تعلم جيدا ما فائدة العقل، فسيتضح لك سريعا أن فائدته أن يدلك على أعظم ما في هذا الوجود، وهو أمر التوحيد، فقد أتى الله عز وجل بأدلة عقلية منطقية، على أنه الإله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في الأمر والخلق، وأنه ليس معه إله آخر يعبد، ولا رب سواه يرجى، وليت المجال يسمح بالاستفاضة، ولكن أعرض أدلة موجزة واضحة توضح المراد،
(1) يعني: لم يخلق العقل للمجادلة في أمر الله ورسوله أو مناقشته بعد ثبوته.
قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)[الإسراء: 42]، وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)[المؤمنون: 91]، وقال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35)[الطور: 35]، وقال تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: 16] .
وهذه بعض الأدلة من القرآن الكريم توضح مجال استخدام العقل، ومن ذلك أيضا الأمر بالتفكر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل النهار، أما إذا تحدث القرآن الكريم عن التشريع والأوامر والنواهي فالأسلوب يختلف تماما، ليس فيه جدل ولا أدلة عقلية، لماذا؟ لأن الله عز وجل يوجه الخطاب للمؤمنين، الذين آمنوا به وصدقوا رسوله، وسلموا له بعد التفكر أن الخلق والأمر، وعلموا أن له الحكمة البالغة في كل ما يأمر وينهى، وأنه منزه عن اللهو والعبث، فيكفي أن يصدر الأوامر والنواهي بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كأنه يقول لهم: إذا آمنتم حقا فهذا هو حكمي، ولا يمنع ذلك أن ينوه ببعض الحكم في بعض المواضع، فيقول عز وجل في حكمة تحريم الخمر: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)[المائدة: 91] .
ويقول- عز من قائل- في حكمة الصيام: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]، وفي حكمة الصلاة قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] ، ولكن المتأمل يعلم أنه ليست كل الأحكام بيّن الله- سبحانه وتعالى الحكمة منها كما فعل في أمور التوحيد.
أما أن تحكيم العقل سوء أدب مع الله عز وجل فيتضح مما يلي:
1-
الذي يريد أن يحكم العقل في أحكام الشريعة، كأنه يقول بلسان الحال لا المقال:
إن أحكام الدين قد لا توافق العقل، أو قد يكون فيها خلل، فيجب أن أنظر فيها أولا، فإن وافقت عقلي سلمت وإلا فلا، والله يقول في محكم التنزيل: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)[المائدة: 50] .
2-
الذي يحكم العقل في أمور الدين، جعل من عقله المخلوق القاصر، الذي يدرك القليل، ويغيب عنه الكثير من أمور نفسه فضلا عن أمور غيره، يجعله حاكما على
أحكام الله، وهذا منتهى سوء الأدب مع الخالق.
3-
المسلم الذي يحكم عقله مع تسليمه بأن الله هو الخالق، قد ناقض عقله، وذلك أن أثبت لله شيئا، وسلب منه لازم هذا الشيء، فمن لوازم تفرد الله بالربوبية أن يكون له الخلق والأمر، قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: 54] ، ومعنى الآية أن جميع الخلق لله وأمرهم أيضا لله، يحكم فيهم وبينهم كيفما يشاء، الدليل على ذلك أن الله عز وجل لما تكلم في صدر سورة (طه) عن إنزال القرآن الذي فيه الأمر والنهي، وكل ما يحتاج إليه العباد إلى قيام الساعة، قال- سبحانه وتعالى: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (4)[طه: 4]، فكأنه يقول للعباد: وجب عليكم العمل بهذا الكتاب الكريم؛ لأنه من الخالق الذي خلق كل شيء، فكيف ترضون به خالقا، تتنعمون بملكه وتتقلبون في نعمه، ولا ترضون به آمرا ناهيا؟ وتقول لهم أيضا: هل يختلف أحد في عظيم ملكه وبديع صنعه، قال تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فكما أنه- سبحانه- أبدع كل شيء خلقه، فقد أحكم كل شيء شرعه، فلماذا نتفق على عظيم خلقه ونختلف على عظيم حكمه، وبالمناسبة أقول: إن من بدائع القرآن أنه يستدل دائما على صدقه في المنقول بإثبات صدقه في المعقول، وعلى صدقه في أمور الغيبيات بصدقه في أمور المشاهدات، ألم تسمع لقوله- تعالى-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12)[آل عمران: 12] ، ونزلت هذه الآية قبل غزوة بدر، التي هزم فيها الكفار هزيمة منكرة، وكما صدق الله عز وجل في النبوءة الأولى، وهى أنه سيحدث قتال بين المسلمين والكفار، وأن النتيجة هي هزيمة الكفار، فسيصدق في النبوءة الثانية، والتي فيها إثبات يوم القيامة، وإثبات جهنم، وأنها مثوى الكافرين، وأن الذين سيقتلون في بدر سيكون مصيرهم جهنم، كما أثبتت الآية أن الله قد جعل في جهنم أشد أنواع العذاب حيث أثبتت الآية أنها بئس المستقر والمال، ومثل هذا في القرآن كثير، فتدبر.
4-
الذي يريد أن يحكّم عقله في أمور الدين، حتى يتأكد أو يتضح له أنها صالحة، أو أنها تلبي حاجاته، ولا تتعارض مع مصالحه، قد حكم على الله بثلاثة أمور عظيمة هي:
الأولى: أنه حكم وألزم العباد كلهم بأوامر واحدة، ولم يعلم أنها قد لا تصلح لقرن من القرون أو أمة من الأمم أو حتى فرد من الأفراد.
الثانية: أن الله خلق الخلق، ولم يحط بما ينفعهم أو يضرهم، والله يقول لهؤلاء