الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وداوموا على تلاوته والتزموه، وكان هذا العصر هو عصر الأئمة القراء، وقد اشتهروا بتعليم كتاب الله تعالى، فأقرءوا بعض تلامذتهم بما التزموه، والبعض الآخرين بما يتلاءم وطبائعهم حسب اللغة واللهجة التي درجوا عليها، ولم يُقرئوهم باجتهادهم؛ بل بما تعلموه من أساتذتهم بالأسانيد المتصلة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبين من ذلك أن كلمة:"الاختيار" لا تعني إجراء قياس واجتهاد في القراءات القرآنية؛ بل المقصود منها اختيار بعض ما رووه من الأحرف دون البعض عند التعليم والإقراء.
أسباب الاختيار:
لماذا اختاروا ولم يقرءوا بكل ما تعلموه؟
لذلك سببان:
1-
الترجيح بين الروايات، واختيار أشهرها وأكثرها رواة؛ لأنهم كانوا يتتبعون ما عليه الأكثر، ويتجنبون ما انفرد به بعض الرواة، وشذ به واحد، فهذا الإمام نافع طلب السماع والتلقي من أكثر الشيوخ، حتى سمع من سبعين من التابعين؛ لكنه لم يقرئ بكل ما سمعه من شيوخه؛ بل قال: "فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءة
في هذه الحروف"1، وهكذا تجد غيره مثله.
2-
التخفيف على تلاميذهم، واختيار ما يناسب بعضهم دون بعض، حسبما يتفرس الشيخ فيهم، أو حسبما هو المشهور من القراءات في بلد التلميذ ومصره، فيؤثر بعض التلاميذ بحروف، والبعض الآخرين بحروف أخرى، وربما قرأ عليه تلميذه بما هو معروف لديه في بلده فيسمعه الشيخ ويقره إذا وافق بعض مروياته2.
هذه هي حكاية "الاختيار"، وهكذا كانت بدايته.
ثم توجه القراء واللغويون بعد ذلك إلى بيان علل هذه الاختيارات، وبدءوا يقيمون حججًا لغوية ونحوية عليها يؤيدون بها ما ذهبوا إليه من الاختيار، وذلك الذي أطلقوا عليه فيما بعد اسم:"علم الاحتجاج" أو "توجيه القراءات"، وهذا العلم في الحقيقة يعتبر ثمرة من ثمرات علوم اللغة العربية التي اشتغل العلماء بها خدمة للقرآن الكريم.
وكان "الاحتجاج" بالقراءات -لدى القدامى- لإثبات قواعد النحو وعلم اللغة؛ ولكن لدى قلة من اللغويين وبقدر محدود.
1 السبعة لابن مجاهد ص62.
2 راجع: مقال الدكتور/ عبد العزيز القارئ في "الأحرف السبعة" في مجلة كلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة، العدد الأول ص136-140.
أما "الاحتجاج" للقراءات بقواعد النحو وشواهد اللغة فكثير، وإن كان ذلك عكسًا للوضع الصحيح -في الحقيقة- فالمفروض أن يحتج للنحو ومذاهبه وقواعده وشواهده بالقراءات -سواء المتواترة أو الآحاد، ما دام ثبتت بالأسانيد الصحيحة- لما توافر لها من الضبط والوثوق والدقة والتحري، وذلك شيء لم يتوافر بعضه لأوثق شواهد النحو1.
يقول الإمام الفخر الرازي:
"إذا جوَّزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أَوْلَى، وكثيرًا ما ترى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقها دليلًا على صحتها فلأن يجعلوا القرآن دليلًا على صحتها كان أَوْلَى"2.
وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربية؛ بل
1 راجع: مقدمة كتاب "حجة القراءات" لابن زنجلة، بقلم محققه/ سعيد الأفغاني ص34 وما بعدها، وكتابه "في أصول النحو" ص30-45، وراجع: منجد المقرئين لابن الجزري ص64 وما بعدها.
2 راجع: "الإمالة" للدكتور/ عبد الفتاح شلبي ص309.
تصحيح قواعد العربية بالقراءة1.
وفي ذلك يقول الدكتور/ السيد الطويل:
"القراءة مصدر لتقنين النحو وضبط قواعده، ولا يصح أن تحكم عليها بما قرره النحاة من قواعد على أساس بيت مجهول القائل أو عبارة قالها عربي في البادية"2.
1 مقدمة كتاب "الدفاع عن القرآن" للدكتور/ أحمد مكي الأنصاري، نقلًا عن "الانتصاف" على هامش الكشاف 1/ 472.
2 "في علوم القراءات" ص308.