الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول الراجح في المراد بـ"الأحرف السبعة
":
قبل أن نبين القول المختار ونبرهن عليه لنعلم:
أولًا: أن الأحاديث رغم كثرتها وتعدد طرقها لم تصرح ولا رواية واحدة بالمراد بالأحرف السبعة، ولم تكشف عن سر الأحرف، ومن المعلوم أن الشارع عليه السلام لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأمة في حاجة إلى معرفة كنه هذه الأحرف لتقرأ بها، فكيف خلت جميع ألفاظ الحديث من عبارة صريحة تفسر الأحرف؟ ولماذا أضرب جميع رواة الخبر من الصحابة عن ذلك؟
لعل ذلك لأحد الأمرين:
1-
إما لوضوح المراد من الأحرف عندهم؛ بحيث لم يسأل أحد الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل أحد التابعين من أحد الصحابة عن المراد بالأحرف.
2-
أو لعدم وضوح المعنى وصعوبة تفسير الحديث.
الاحتمال الثاني مردود بالطبع؛ لأنه من السخف بمكان أن ندعي أن الصدر الأول لم يكن يعرف معنى الحديث، وهم أعمق فَهْمًا وأكثر علمًا بما أنزل، ثم يأتي أناس بعدهم بمئات السنين فيكشفون عن المراد بالحديث.
فالراجح أنهم سكتوا عن السؤال لوضوح المعنى المراد لديهم من الحديث؛ ولكن وقعت شبهة التناقض عند البعض -في بداية الأمر- فأزالها النبي -صلى الله عليه سلم- بالإخبار بهذه الرخصة؛ ولذلك انتهت المخاصمة بين
بعض الصحابة الذين وقع الخلاف فيما بينهم في أمر القراءة.
فهذا يدل -بالوضوح- على أنهم فهموا المراد بالحديث.
إذن ما المراد من الحديث؟
بعد البحث الدقيق والدراسة المتأنية فيما سبق من أقوال الأئمة، يترجح لدينا أن نقارب بين بعض الأقوال، ولا نمسك بقول واحد فقط فنتعصب له ونقيم الحجج والبراهين على صحته -ما دام تعددت الأقوال، وأغلبها غير مراد- وبالمقاربة يمكن لنا أن نخرج بنتيجة مشتركة تكون هي الأولى بالأخذ بها، وهي المراد من الحديث بمشيئة الله تعالى.
فنقول: إن المراد بـ"الأحرف السبعة": الوجوه السبعة لقراءة القرآن الكريم المتغايرة المنزلة قرآنًا، ويمكن القراءة بأي وجه منها.
والعدد "السبعة" على حقيقته؛ بمعنى: أن أقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية هو سبعة أوجه، وذلك في الكلمة الواحدة، ضمن نوع واحد من أنواع الاختلاف
والتغاير؛ كالأوجه في كلمة {أَرْجِهْ} 1 وفي كلمة {يَتَّقْهِ} 2.
ولا يلزم أن تبلغ الأوجه هذا الحد في كل موضع من الكلمات القرآنية3.
1 الأعراف: 111، والشعراء: 36، وتقرأ بستة أوجه متواترة:"أرجهْ" بإسكان الهاء، و"أرجهِ" بكسر الهاء بدون الصلة، و"أرجهِ ي" بكسر الهاء مع صلتها، وهذه الأوجه الثلاثة بدون زيادة الهمزة بين الجيم والهاء، و"أرجئْهِ" بالهمزة الساكنة بعد الجيم وكسر الهاء مع عدم الصلة، و"أرجئْهُ" بالهمزة الساكنة وضم الهاء بدون صلتها، و"أرجئْه و" بالهمزة الساكنة وضم الهاء مع صلتها. راجع: النشر 1/ 311، 312، ويمكن أن يمثل بكلمتي "جبريل" و"هيت لك" ففي كل منهما خمس قراءات متواترة، وقراءتان شاذتان. راجع: النشر 2/ 219، 2/ 293-295.
2 النور: 52، وتقرأ بأربعة أوجه:"يتقْهِ" بسكون القاف وكسر الهاء بدون صلة، و"يتقِهْ" بكسر القاف وإسكان الهاء، و"يتقِهِ" بكسر القاف والهاء مع عدم الصلة، و"يتقِه ي" بكسر القاف والهاء مع صلتها. راجع: النشر 1/ 306، 307.
3 هذا مؤدَّى ومخلص ما توصل إليه فضلية الدكتور/ عبد العزيز عبد الفتاح القارئ في مقال له في موضوع "الأحرف السبعة" الذي نُشر في مجلة كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد الأول، عام 1402هـ.
وقوله في جملته مأخوذ من أقوال العلماء السابقين؛ ومن ثَمَّ قال فضيلته: إننا لم نأتِ بكلام من عند أنفسنا أو فهم ابتكرناه وابتدعناه ولم يسبقنا إليه سلف؛ بل سبقنا إليه المحققون منهم، رحمهم الله وجزاهم عن القرآن وأهله خيرًا؛ إلا أنه قول متفرق في كلامهم لم يجمع في موضع واحد، ولم يرتبه مصنف واحد؛ بل وجدنا عند كل منهم جزءًا، وعثرنا على طرف؛ ولكن أحدًا منهم لم يستوعب المسألة أو يشف الغليل؛ بل يتناولها من بعض الجوانب التي تجلت له بعد أعمال فكره فيه. مجلة كلية القرآن الكريم ص81.
وقد علمت سابقًا أن الدكتور/ محمد عبد العظيم الزرقاني ومَن أشار هو إليهم في كتابه "مناهل العرفان" 1/ 158، ذهبوا جميعًا إلى مثل هذا القول؛ إلا أنهم اكتفوا بقول الإمام أبي الفضل الرازي وحده؛ لأنه استقصى جميع الأوجه القرائية الخلافية، وأخبرناك سابقًا أن الشيخ/ عبد الفتاح القاضي ذهب كذلك إلى ما ذهب إليه الرازي.
توضيح ذلك:
إن كلمة "الوجوه": ترجيح لأحد معاني "الحرف"؛ لأنه باستقراء ألفاظ الحديث لا يستقيم إلا هذا المعنى، وإليه ذهب أعلام القراء؛ أمثال: أبي حاتم السجستاني، وابن قتيبة، وأبي بكر الباقلاني، وأبي الفضل الرازي، وابن الجزري، وغيرهم.
وكلمة "المتغايرة": إشارة إلى وجود الاختلاف بين هذه الأوجه، وفيه ردٌّ على من يحصر الاختلاف في نوع واحد فقط كالترادف، نحو: هلم، وأقبل، وتعالَ
…
وكلمة: "المنزلة": رد على مَن زعم أن الرخصة كانت تتضمن إباحة التصرف في ألفاظ القرآن دون التقيد بما أنزل.
وكلمة "القراءة": يدل عليها ألفاظ الروايات، مثل: "أقرأني جبريل
…
"، و"إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك"، وفي رواية:
"أن تقرئ أمتك"، وفي رواية:"فاقرءوا منها ما تيسر".
فمثل هذه الألفاظ تدل على أن الأحرف شيء يتعلق بالقراءة، وحكمة التيسير على الأمة لا تتحقق إلا في أوجه القراءة؛ إذ أصل المشقة إنما هو في القراءة نفسها.
وقولنا: "العدد السبعة مراد
…
": يدل عليه جميع الروايات؛ بحيث أصبح الجزء "على سبعة أحرف" من المتواتر اللفظي، والتدرج في إنزال الأحرف المشار إليه إجمالًا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
والمبين تفصيلًا في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف...."، وهذا التدرج يدل بالوضوح على أن العدد مراد ومقصود به؛ وإلا فلا يكون للتدرج أي معنى.
وقولنا: "أقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه هو سبعة
…
": هو قول أكثر العلماء؛ وذلك لأن القرآن على نوعين من حيث القراءة والرواية:
1-
مواضع الاتفاق: وهو معظم القرآن الكريم.
2-
مواضع الاختلاف: حيث ورد فيها وجهان أو
أكثر
…
إلى سبعة وجوه.
ولنعلم أن كل ما رُوي أو أثبت في الكتب -ولو برواية صحيحة- لا يعد قراءة قرآنية؛ لإجماع العلماء على شرط التواتر، وموافقة مرسوم المصاحف العثمانية.
فإذا أجريت القراءات كلها على هذين الضابطين تجد أنها تتهاوى ولا يثبت منها إلا أقل من عُشرها.
فمثلًا قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} 1 ذكر فيه أبو حيان خمس عشرة قراءة2؛ لكن المتواتر منها قراءتان فقط: "مَلِك" بحذف الألف، و"مالك" بإثبات الألف.
وقوله تعالى: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} 3 ذكر فيه أبو حيان اثنتين وعشرين قراءة4، بينما المتواتر منها وجهان فقط:"وعبَدَ" على وزن فَعَل بفتح الثلاثة مع نصب "الطاغوت" على المفعولية، و"عَبُد" على وزن فَعُل، بفتح الأول والثالث وضم الثاني مع خفض "الطاغوت".
وفي كلمة: {أُفٍّ} 5 ذكر أبو حيان أربعين لغة6،
1 الفاتحة: 3.
2 البحر المحيط 1/ 20.
3 المائدة: 60.
4 البحر المحيط 3/ 519.
5 الإسراء: 23، الأنبياء: 67، الأحقاف:17.
6 البحر المحيط 6/ 23.
ولا تجد في المتواترة إلا ثلاثة أوجه فقط: "أُفَّ" بفتح الفاء مع تشديدها، و"أفِّ" بكسر الفاء مع تشديدها، و"أفٍّ" بكسر الفاء منونة مع تشديدها.
وعلى هذا المنوال ستجد الأوجه المقرءوة المتواترة لا تتجاوز سبعة أوجه أبدًا؛ ولكن لا يلزم أن توجد كلمة في القرآن الكريم مقرءوة على سبعة أوجه؛ لأن الأوجه السبعة المنزلة نسخ من أفرادها الكثير في العرضة الأخيرة، فلعل ما بقي من أفراد تلك الأحرف المنزلة يبلغ ستة أوجه كحد أقصى لمواضع الخلاف1؛ لأنه لم يثبت أكثر من ستة أوجه متواترة في موضع في القرآن الكريم2.
1 انظر هامش ص117.
2 راجع للتفصيل: مجلة كلية القرآن الكريم ص81-93.