الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني:
ونمثل لهذا القسم بخمسة أقوال؛ ولكنها ترجع في الحقيقة إلى نوعين من أنواع الخلاف؛ ولذلك نعتبرها قولين فقط، وهما من أحسن الأقوال التي ذكرت في هذا القسم وأقربها إلى الصواب.
1-
القول الأول:
قالوا: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب المشهورة، وقد ذهب إليه جمهور أهل الفقه والحديث؛ منهم: الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، وسفيان، وابن وهب، وأحمد بن يحيى، وابن جرير الطبري، والطحاوي وغيرهم؛ ولكنهم اختلفوا في أمرين:
أولًا:
في كون تلك اللغات متفرقة في القرآن الكريم أو مجتمعة في كلمة واحدة وفي حرف واحد.
فذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنها مفرقة في القرآن الكريم.
وذهب ابن جرير والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم إلى أنها توجد في الكلمة الواحدة وفي الحرف الواحد، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني؛ نحو: هلمَّ، وأقبل، وتعالَ، وإليَّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك.
ثانيًا:
في بقاء تلك اللغات كلها في القرآن الكريم أو أنها
نسخت ولم يبقَ منها إلا لغة قريش.
فذهب إلى الأول: أبو عبيد ومَن تابعه فيه.
وذهب إلى الثاني: ابن جرير ومَن تابعه فيه.
ثم اختلف القائلون ببقاء تلك اللغات كلها في القرآن الكريم في تحديدها:
فمنهم من قال:
هي لغة: قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر.
ومنهم من قال:
هي: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش.
وذهب أبو علي الأهوازي إلى أن اللغات كلها في بطون قريش.
وذهب آخرون إلى أنها كلها في بطون مضر1.
2-
القول الثاني: ما ذهب إليه كثير من العلماء والقراء؛ ومن أبرزهم: ابن قتيبة "ت276هـ"، والرازي "ت606هـ"، وابن الجزري "ت833هـ" وغيرهم، وملخص أقوالهم:
"إن المراد بالأحرف: الأوجه القرائية التي يقع
1 راجع: "مناهل العرفان" 1/ 174-182، وقد ذهب إلى ترجيح هذا القول أغلب المؤلفين من المعاصرين.
بها التغاير والاختلاف في الكلمات القرآنية.
وقد اتفقوا على أنها سبعة؛ ولكنهم اختلفوا في تعيينها وحصرها:
أ- قال الإمام ابن قتيبة:
"وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه"1.
وخلاصة القول:
1-
الاختلاف في الإعراب أو في حركة البناء دون تغيير في المعنى أو الصورة، نحو:{هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} 2 بالرفع والنصب.
و {بِالْبُخْلِ} 3 بضم الباء أو فتحها.
2-
اختلاف الإعراب أو الحركة بتغيير في المعنى دون الصورة، نحو:{رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} 4 بصيغة الطلب أو الماضي.
3-
اختلاف الحروف بتغيير في المعنى دون الصورة، نحو:{كَيْفَ نُنْشِزُهَا} 5 بالزاء أو بالراء.
1 تأويل مشكل القرآن ص36 وما بعدها، والنشر 1/ 27.
2 هود: 78.
3 النساء: 37، والحديد:24.
4 سبأ: 19.
5 البقرة: 259.
4-
اختلاف الحروف بتغيير في الصورة دون المعنى، نحو:{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} 1، أو "زقية واحدة".
5-
اختلاف الحروف بتغيير في الصورة والمعنى معًا، نحو:{وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} 2 بالحاء أو بالعين.
6-
الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو:{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} 3 أو "سكرة الحق بالموت".
7-
الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو:{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} 4 أو "وما عملت أيديهم".
ب- وقال الإمام أبو الفضل الرازي:
"الكلام لايخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
1-
اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير.
2-
اختلاف تصريف الأفعال وما تستند إليه، من: الماضي، والمستقبل، والأمر، والمتكلم، والمخاطب، والفاعل، والمفعول به.
3-
وجوه الإعراب.
4-
الزيادة والنقصان.
5-
التقديم والتأخير.
1 يس: 53.
2 الواقعة: 29.
3 ق: 19.
4 يس: 35.
6-
القلب والإبدال في كلمة بأخرى أو حرف بآخر.
7-
اختلاف اللغات من فتح وإمالة وترقيق وتفخيم
…
"1.
ج- وقال الإمام ابن الجزري:
"إني تتبعت القراءات صحيحها وشاذها، وضعيفها ومنكرها، فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا يخرج عنها"2.
وملخص قوله:
1-
اختلاف الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة،
1 راجع: النشر 1/ 27، ولم يذكر ابن الجزري الأمثلة للوجوه التي نسبها إلى الرازي، وقد مثل لها الدكتور/ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه "مناهل العرفان" 1/ 155، 156، وقد تبنى هذا القول ورجحه وبين أسباب اختياره لهذا المذهب، ثم ذكر أن هذا المذهب اختاره بعض أعلام المحققين من المتأخرين كالعلامة المرحوم الشيخ الخضري الدمياطي، والعلامة المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعي، ونضيف إليه أن العلامة الشيخ عبد الفتاح القاضي رحمه الله ذهب كذلك إلى مذهب الرازي ورجحه في كتابه "الوافي" في شرح الشاطبية ص5-7.
وإلى المراد من الأحرف: الأوجه، ذهب العلامة طاهر الجزائري الدمشقي "ت1338هـ" في كتابه "التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن" ص89، والدكتور/ محمد الزفزاف في كتابه "التعريف بالقرآن والحديث" ص51.
2 النشر 1/ 26.
نحو: "البخل"1 بأربعة أوجه و"يحسب"2 بوجهين.
2-
اختلاف الحركات بتغير في المعنى فقط، نحو:{فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} 3، و {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} 4 وأمه.
3-
اختلاف الحروف بتغير في المعنى فقط، نحو:{تَبْلُو} 5 و"تتلو"، و {نُنَجِّيكَ} 6 و"ننحيك".
4-
اختلاف الحروف بتغير الصورة فقط، نحو:
1 النساء: 37، والحديد: 24، وفيها أربع قراءات: قراءتان متواتران وهما: بفتح الباء والخاء "البَخَل"، وبضم الباء وسكون الخاء "البُخْل" وقراءتان شاذتان.
2 من مواضعه: الهُمزة: 3، والمقصود بها صيغة المضارع من فعل "حسب" حيثما وقعت، فهي تقرأ بفتح السين وبكسرها.
3 البقرة: 37، وتقرأ برفع "آدم" مع نصب "كلمات" وبنصب "آدم" مع رفع "كلمات".
4 يوسف: 45، وهي قراءة الجماعة، أما الثانية فشاذة؛ لعدم تواترها.
5 يونس: 30، وهي قراءة العشرة ما عدا حمزة والكسائي وخلف، وهم قرءوا بتاءين "تتلو" من التلاوة.
6 يونس: 92، على تلفظها بالجيم قراءتان متواترتان: بفتح النون الثانية مع تشديد الجيم، من باب "التفعيل" وبإسكان النون الثانية مع تخفيف الجيم من باب "الإفعال". أما قراءتها بالحاء المهملة "ننحيك" فهي شاذة؛ لعدم تواترها.
"بصطة"1 و {بَسْطَة} ، و {الصِّرَاطِ} 2 و"السراط".
5-
اختلاف الحروف بتغير الصورة والمعنى معًا، نحو:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} 3 و"فامضوا".
6-
التقديم والتأخير، نحو:{فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} 4، و"وجاءت سكرة الحق بالموت"5.
7-
الزيادة والنقصان، نحو:"وأوصى"6 و {وَوَصَّى} ، و {وَمَا خَلَقَ
1 الأعراف: 69، والقراءتان متواترتان، والأولى منهما موافقة لرسم المصحف تحقيقًا والثانية تقديرًا.
2 الفاتحة: 5، والقراءتان متواترتان، الأولى منهما موافقة لرسم المصحف تحقيقًا والثانية تقديرًا.
3 الجمعة: 9، القراءة الأولى متواترة، والثانية شاذة؛ لعدم تواترها، وعدم موافقتها لرسم المصحف العثماني.
4 التوبة: 111، قرأ الجمهور بتقديم الفعل المبني المعلوم على الفعل المبني للمجهول، وبعكسه قرأ حمزة والكسائي وخلف، فهما قراءتان متواترتان.
5 ق: 19، وهي شاذة، وأما المتواترة فهي بتقديم "الموت" على "بالحق".
6 البقرة: 132، والقرءاتان متواترتان، الأولى موافقة لمصاحف أهل المدينة والشام، والثانية موافقة لبقيتها.
الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} 1 و"الذكر والأنثى"2.
مناقشة هذه الأقوال:
أولًا: القول بأن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات.
وقد ذهب إليه جماهير من الجهابذة قديمًا وحديثًا، وهو قول قوي؛ ولكن تضعفه أمور:
1-
اختلاف القائلين به في كون تلك اللغات متناثرة في القرآن أو مجتمعة في حرف واحد.
2-
اختلافهم في تعيين وتحديد تلك اللغات، والأحرف محدودة.
3-
القراءات تشتمل على أكثر من سبع لغات، واللغويون أنفسهم يذكرون الشيء الكثير منها في القرآن، والإمام أبو عبيدة نفسه ألَّف كتابًا جمع فيه عددًا كبيرًا من مفردات القرآن نسبها إلى مختلف لغات العرب.
4-
اختلاف عمر مع هشام بن حكيم كان في أمر القراءة، ورغم كونهما من أهل لغة واحدة.
5-
ما ذهب إليه ابن جرير وغيره يرده اشتمال القراءات على أنواع متعددة من التغاير والاختلاف،
1 الليل: 3، وهي قراءة متواترة، أما الثانية فهي شاذة لعدم تواترها ومخالفتها للمصحف العثماني.
2 راجع: النشر 1/ 26.
والترادف -الذي ذكروه- نوع واحد منها.
كما أن قولهم يتنافَى مع حكمة نزول الأحرف السبعة من التيسير في القراءة، فاختلاف العرب يقع في اللهجات أكثر مما يقع في استعمال "هلم" مكان "أقبل" أو "تعالَ".
أما دعواهم أن عثمان رضي الله عنه أجمع المسلمين على حرف واحد، وطرح بقية الأحرف الستة، فهو قول في غاية الضعف؛ لأنه دعوى بنسخ بعض القرآن بإجماع الصحابة؛ لأن كل حرف قرآن، فكيف يحق لعثمان -أو لغيره من الصحابة- أن يلغي شيئًا من القرآن بغير نص صريح من الشارع؟!
وكيف يجوز للصحابة إلغاء رخصة القراءة بالأحرف السبعة والحكمة منها لا تزال قائمة؛ بل هي أشد بعد دخول الناس من مختلف الألسن والأجناس في الإسلام؟!
كما أن وجود الأوجه المتعددة من القراءات في مصاحف عثمان برسم واحد أو برسمين مختلفين يدل دلالة واضحة على بطلان قول ابن جرير.
والحق أن عثمان لم يهمل شيئًا من الأحرف المنزلة الثابتة في العرضة الأخيرة ولم يطرحه، وهي باقية ضمن مصاحف عثمان، والرخصة بها قائمة إلى يوم القيامة1.
ثانيًا: قول ابن قتيبة والرازي وابن الجزري:
بأن المراد بالأحرف أنواع التغاير والاختلاف وهي سبعة، وهو من أحسن الأقوال وأقربها إلى الصواب؛ ولكن يُرد عليهم بأمور:
1-
أنهم اختلفوا في حصر تلك الأنواع وتعيينها.
2-
أن الحكمة من تعدد الأحرف هو رفع الحرج والمشقة عن الأمة التي لم تكن تحسن الكتابة ولا القراءة، والأنواع التي ذكرها أصحاب هذا القول معظمها يتعلق بالخط والكتابة، ولا يدركها إلا المحققون من خواص العلماء، فكيف يكون اليسر فيها للأمة الأمية؟! بل هي زادت الطامة عليها وأكبرت المشقة.
3-
أن ابن قتيبة وابن الجزري لم يذكرا اختلاف اللهجات ضمن تلك الأنواع السبعة، مع أن معظم أوجه الاختلاف في أحرف القرآن هو من هذا النوع.
1 راجع: مناهل العرفان 1/ 175-179، ومجلة كلية القرآن ص68-72، و"الأحرف السبعة" ص172-176.
والرازي وحده هو الذي انفرد بذكر هذا النوع من الاختلاف.
4-
لقد تكلفوا كثيرًا في محاولتهم لحصر أنواع التغاير والاختلاف في سبعة؛ بحيث يمكننا أن نقول: إن الأحرف في نفسها شيء، وأنواع الاختلاف التي ذكروها شيء آخر مغاير لها.
5-
من الممكن أن نرجع تلك الأنواع إلى ثلاثة كما فعل ابن الجزري1:
أ- ما اختلف لفظه واتفق معناه، نحو: هلم، وأقبل، وتعالَ.
ب- ما اختلف لفظه ومعناه؛ لكنه اختلاف تنوع لا تضاد: مالك وملك، وقل وقال، وباعَدَ وباعِدْ.
ج- الاختلاف في اللهجات مع اتفاق اللفظ والمعنى؛ كالإمالة والفتح، والمد والقصر، والإدغام الفك، والتحقيق والتسهيل2.
1 النشر 1/ 49، 50، وتبعه في ذلك القسطلاني في لطائفه 1/ 37، 38.
2 راجع: مجلة كلية القرآن الكريم ص63-76 بتصرف واختصار.