الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على مَا يَأْتِي تفسيرهما.
الثَّانِي: مَا يكون ضَرُورِيًّا بِغَيْر نفس الْخَبَر بل لكَونه مُوَافقا للضروري ونعني بموافق الضَّرُورِيّ مَا يكون مُتَعَلقَة مَعْلُوما لكل أحد من غير كسب وتكرر نَحْو: الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ.
الثَّالِث: مَا يكون نظرياً، كَخَبَر الله، وَخبر رَسُوله صلى الله عليه وسلم َ -،
وَخبر كل الْأمة؛ لِأَن الْإِجْمَاع حجَّة.
فَكل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة علم بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال.
وَاعْترض على الْإِجْمَاع: بِأَنَّهُ [إِن] أُرِيد أَنه حجَّة قَطْعِيَّة، كَمَا صرح بِهِ الْآمِدِيّ هُنَا فَهُوَ مُخَالف لقَوْله، وَقَول الْفَخر الرَّازِيّ أَنه ظَنِّي - كَمَا تقدم -؛ وَإِن أَرَادَ أَنه حجَّة
ظنية فالظن لَا يُفِيد الْقطع.
الرَّابِع: مَا يكون غير ضَرُورِيّ، وَغير نَظَرِي، وَلكنه مُوَافق للنظري، وَهُوَ الْخَبَر الَّذِي علم مُتَعَلّقه بِالنّظرِ، كَقَوْلِنَا: الْعَالم حَادث، وقسمه ابْن مُفْلِح قسمَيْنِ وتابعناه:
أَحدهمَا: خبر من ثَبت بِخَبَر أَحدهَا صدقه، يَعْنِي صدقه الله أَو رَسُوله، أَو الْإِجْمَاع وَثَبت ذَلِك.
الثَّانِي: خبر من وَافق أَحدهَا - أَي: أحد الثَّلَاثَة -، وَهُوَ خبر الله، وَخبر رَسُوله، وَخبر الْإِجْمَاع فخبره وَافق أَحدهَا.
وَالَّذِي يَقْتَضِي الْقطع بكذبه أَنْوَاع أَيْضا:
أَحدهَا: مَا علم خِلَافه بِالضَّرُورَةِ، كَقَوْل الْقَائِل: النَّار بَارِدَة.
الثَّانِي: مَا علم خِلَافه بالاستدلال، كَقَوْل الفيلسوف: الْعَالم قديم.
وَالثَّالِث: أَن يُوهم أمرا بَاطِلا من غير أَن يقبل التَّأْوِيل لمعارضته للدليل الْعقلِيّ، كَمَا لَو اختلق بعض الزَّنَادِقَة حَدِيثا كذبا على الله، أَو على رَسُوله، ويتحقق أَنه كذب.
الرَّابِع: أَن يَدعِي شخص الرسَالَة عَن الله بِغَيْر معْجزَة.
وَالَّذِي لَا يعلم صدقه وَلَا كذبه ثَلَاثَة أَنْوَاع:
أَحدهَا: مَا يظنّ صدقه، كَخَبَر الْعدْل لرجحان صدقه على كذبه، وَخبر الْعدْل يتَفَاوَت فِي الظَّن.
وَالثَّانِي: مَا يظنّ كذبه، كَخَبَر الْكذَّاب لرجحان كذبه على صدقه وَهُوَ متفاوت أَيْضا.
وَالثَّالِث: مَا يَسْتَوِي فِيهِ الْأَمْرَانِ فيشك فِيهِ لعدم الْمُرَجح، كَخَبَر مَجْهُول الْحَال.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: وَقد خَالف فِي هَذَا التَّقْسِيم بعض الظَّاهِرِيَّة - وَهُوَ التَّقْسِيم الْمُشْتَرك فِي صدقه وَكذبه - فَقَالَ: كل خبر إِلَى آخِره، وَهُوَ قَوْلنَا وَقَول قوم: كل خبر لم يعلم صدقه كذب بَاطِل.
أَي: قَوْلهم ذَلِك بَاطِل.
وَاسْتَدَلُّوا لقَولهم بِأَنَّهُ لَو كَانَ صدقا لنصب عَلَيْهِ دَلِيل، كَخَبَر مدعي الرسَالَة؛ فَإِنَّهُ إِذا كَانَ صدقا دلّ عَلَيْهِ بالمعجزة.
وَهَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسد لجَرَيَان مثله فِي نقيض مَا أخبر بِهِ إِذا أخبر بِهِ آخر فَيلْزم اجْتِمَاع النقيضين، وَيعلم بِالضَّرُورَةِ وُقُوع الْخَبَر بهما - أَي: الْإِخْبَار بِشَيْء وبنقيضه - أَي: لَيْسَ هَذَا محالاً أَن يَقع، بل مَعْلُوم الْوُقُوع.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يلْزم الْعلم بكذب كل شَاهد؛ إِذْ لَا يعلم صدقه بِدَلِيل، وَالْعلم بكذب كل مُسلم فِي دَعْوَى إِسْلَامه؛ إِذْ لَا دَلِيل على مَا فِي بَاطِنه، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع والضرورة.
وَأما الْقيَاس على خبر مدعي الرسَالَة فَلَا يَصح؛ لِأَنَّهُ لَا يكذب لعدم الْعلم بصدقه، بل للْعلم بكذبه؛ لِأَنَّهُ خلاف الْعَادة، فَإِن الْعَادة فِيمَا خالفها أَن يصدق بالمعجزة.
قَوْله: {فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهمَا: مَدْلُول الْخَبَر الحكم بِالنِّسْبَةِ لَا ثُبُوتهَا خلافًا للقرافي} .
مَدْلُول الْخَبَر الحكم بِثُبُوت النِّسْبَة لَا نفس الثُّبُوت، فَإِذا قلت: زيد قَائِم، فمدلوله الحكم بِثُبُوت قِيَامه، لَا نفس ثُبُوت قِيَامه؛ إِذْ لَو كَانَ الثَّانِي لزم مِنْهُ أَن لَا يكون شَيْء من الْخَبَر كذبا، بل يكون كُله صدقا، قَالَه الرَّازِيّ، وَجمع كثير، وَخَالف الْقَرَافِيّ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِن الْعَرَب لم تضع الْخَبَر إِلَّا للصدق؛ لِاتِّفَاق اللغويين والنحويين على أَن معنى " قَامَ زيد " حُصُول الْقيام مِنْهُ فِي الزَّمن الْمَاضِي، واحتماله الْكَذِب لَيْسَ من الْوَضع بل من جِهَة الْمُتَكَلّم. انْتهى.
قَالَ الكوراني: اخْتلف فِي أَن مَدْلُول الْخَبَر هَل هُوَ وُقُوع النِّسْبَة فِي ذَاتهَا، أَو إِيقَاع الْمُتَكَلّم؟ فطائفة قَالَت: إِنَّه الْإِيقَاع لَا الْوُقُوع وَإِلَّا لزم أَن لَا يُوجد الْكَذِب فِي الْكَلَام.
توضيح ذَلِك قَوْلك: إِن زيدا قَائِم، لَو دلّ على ثُبُوت الْقيام فَحَيْثُ مَا وجد " زيد قَائِم " فَيثبت قِيَامه، وَلم يتَصَوَّر الْكَذِب فِي الْكَلَام، وَهُوَ مُخْتَار الإِمَام وَبَعض الْمُتَأَخِّرين.
وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام هُوَ: أَن الْخَبَر - مثل: زيد قَائِم - إِذا صدر عَن الْمُتَكَلّم بِالْقَصْدِ يدل على الْإِيقَاع، وَهُوَ الحكم الَّذِي صدر عَن الْمُتَكَلّم، وَيدل أَيْضا على الْوُقُوع فَكل مِنْهُمَا يُسمى حكما، فاحتمال الصدْق وَالْكذب، وَصدق الْخَبَر وَكذبه فِي نفس الْأَمر إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار الْإِيقَاع؛ لِأَنَّهُ المتصف بذلك لَا الْوُقُوع.
وَأما بِاعْتِبَار إِفَادَة الْمُخَاطب فَالْحكم هُوَ الْوُقُوع؛ لِأَنَّك إِذا قلت: زيد قَائِم - إِنَّمَا تفِيد الْمُخَاطب وُقُوع الْقيام، لَا أَنَّك أوقعت الْقيام على زيد، فَإِنَّهُ لَا يعد فَائِدَة.
فَإِن قلت: لَو دلّ - زيد قَائِم - على الْوُقُوع لم يُوجد الْكَذِب فِي خبر قطّ لِامْتِنَاع تخلف الْمَدْلُول عَن الدَّلِيل؟ !
قلت: دلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى وضعية لَا عقلية فَجَاز التَّخَلُّف لمَانع، كَمَا فِي الْمجَاز؛ وَلذَلِك قَالَ بعض أَئِمَّة الْعَرَبيَّة: إِن الصدْق هُوَ مَدْلُول
الْخَبَر وَالْكذب احْتِمَال عَقْلِي.
قَالَ: فَإِذا تَأَمَّلت هَذَا ظهر لَك أَن قَول المُصَنّف: (وَإِلَّا لم يكن شَيْء من الْخَبَر كذبا) لَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يتم لَو كَانَت الدّلَالَة عقلية فمورد الصدْق وَالْكذب إِنَّمَا هُوَ ذَلِك الحكم الْمَفْعُول للمتكلم، وَبِه يناط الحكم الشَّرْعِيّ واللغوي. انْتهى.
قَوْله: {قَالَ البيانيون: مورد الصدْق وَالْكذب النِّسْبَة الَّتِي تضمنها} .
هَذِه قَاعِدَة مهمة أهملها الأصوليون، وَأخذت من البيانيين كالسكاكي وَغَيره.
وتقريرها: أَن مورد الصدْق وَالْكذب فِي الْخَبَر هُوَ النِّسْبَة الَّتِي تضمنها الْخَبَر، لَا وَاحِد من طرفيها، وَهُوَ الْمسند والمسند إِلَيْهِ، فَإِذا قيل: زيد بن عَمْرو قَائِم، فَقيل: صدقت أَو كذبت، فالصدق وَالْكذب راجعان إِلَى الْقيام، لَا إِلَى الْبُنُوَّة الْوَاقِعَة فِي الْمسند إِلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَالك وَبَعض
الشَّافِعِيَّة: إِذا شهد شَاهِدَانِ أَن فلَان بن فلَان وكل فلَانا فَهِيَ شَهَادَة بِالْوكَالَةِ فَقَط، وَلَا تنْسب إِلَيْهِمَا الشَّهَادَة بِالنّسَبِ أَلْبَتَّة.
قلت: وقواعد مَذْهَبنَا تَقْتَضِي ذَلِك لَكِن الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الشَّهَادَة بِالنّسَبِ، وَإِن كَانَ أصل الشَّهَادَة إِنَّمَا هُوَ بِالْوكَالَةِ.
قَالَ الكوراني: لَكِن جعل الْفُقَهَاء هُنَا الْمَقْصُود تبعا كالمقصود أَصَالَة؛ لِأَن تِلْكَ النِّسْبَة الإضافية فِي قُوَّة الخبرية. انْتهى. ذكره الْهَرَوِيّ