الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخونجي، فنفى ابْن عبد السَّلَام التَّفَاوُت، وأثبته الخونجي.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: قلت: كَيفَ يَنْفِي التَّفَاوُت مَعَ قَوْله صلى الله عليه وسلم َ -: "
لَيْسَ الْمخبر كالمعاين؟ " وكما يفرق بَين علم الْيَقِين وَعين الْيَقِين، ثمَّ هُنَا أَمر آخر وَهُوَ أَن من فسر الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة بِزِيَادَة الْعلم، وَكَذَلِكَ الْكَلَام، كَيفَ يُمكنهُ نفي التَّفَاوُت؟ انْتهى.
قَالَ ذَلِك لما أورد شُبْهَة السمنية والبراهمة، واحتجاجهم بِوَجْهَيْنِ
وذكرهما، وسأذكرهما بعد ذَلِك.
قَوْله: {وَحكي عَن البراهمة: لَا يفِيدهُ، واكتفوا بِالْعقلِ، وَحصر السمنية الْعلم فِي الْحَواس الْخمس.
وَقيل: يُفِيد بالموجود لَا الْمَاضِي وَهُوَ عناد} .
السمنية - بِضَم السِّين الْمُهْملَة وبتشديد الْمِيم -: طَائِفَة من الْهِنْد عَبدة الْأَصْنَام، يَقُولُونَ بالتناسخ، وينقل ذَلِك عَن البراهمة وهم طَائِفَة لَا يجوزون على الله تَعَالَى بعثة الرُّسُل.
وَعَن السوفسطائية - بِضَم السِّين الْمُهْملَة الأولى وبالفاء، وَرُبمَا قيل: السوفسطانية بنُون بعد الْألف -، قوم يُنكرُونَ الْخَالِق.
قَالَ الْعلمَاء والعقلاء قَالُوا: الْمُتَوَاتر يُفِيد الْعلم لعلمهم بِبِلَاد نائية، وأمم مَاضِيَة، وأنبياء وخلفاء وملوك بِمُجَرَّد الْأَخْبَار، كعلمهم بالمحسات جزما خَالِيا عَن التَّرَدُّد.
وَحكي عَن قوم - قيل: هم البراهمة، وهم لَا يجوزون على الله بعث الرُّسُل، وَقيل: هُوَ السمنية، فرقة من عَبدة الْأَصْنَام يَقُولُونَ بالتناسخ - أَنه لَا يُفِيد الْعلم.
وَقيل: يُفِيد عَن الْمَوْجُود، لَا الْمَاضِي؛ لِأَن تباينهم يمْنَع اجْتِمَاعهم على خبر، كاجتماعهم على حب طَعَام وَاحِد، ثمَّ الْجُمْلَة مركبة من وَاحِد، وَيُمكن كذبه فَكَذَا هِيَ، وَيلْزم تنَاقض المعلومين بتعارض تواترين، وَحُصُول الْعلم بِنَقْل أهل الْكتاب مَا يضاد الْإِسْلَام؛ وَلِأَن الضَّرُورِيّ لَا يخْتَلف وَلَا يُخَالف، وَقد فرقنا ضَرُورَة بَين الْمُتَوَاتر والمحسات وخالفناكم.
ورد ذَلِك: بِأَنَّهُ تشكيك فِي الضَّرُورِيّ فَلَا يسمع. قَالَه الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول "، وَتَابعه ابْن مُفْلِح وَغَيره.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: قلت: قَالَ الأرموي: وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب، بل الْحق أَن المعلومات مُتَفَاوِتَة.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: وَهِي مَسْأَلَة خلاف، وَذكر مَا تقدم قبل ذَلِك فِي مَسْأَلَة ابْن عبد السَّلَام فِي التَّفَاوُت.
قَالَ ابْن مُفْلِح: الأول مَمْنُوع، وَلَا يلْزم من ثُبُوت شَيْء للْوَاحِد ثُبُوته للجملة؛ فَإِن الْوَاحِد جُزْء الْعشْرَة وَلَيْسَت جُزْءا مِنْهُ، والمعلوم الْوَاحِد متناه لَا مَعْلُومَات الله واجتماع المتواترين فرض محَال، وأخبار أهل الْكتاب فِيمَا ذَكرُوهُ لم تتواتر، والقاطع يُقَابله، وَلَا نسلم أَن الضَّرُورِيّ لَا يتَفَاوَت، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه لَا يُفِيد الْعلم، ثمَّ للاستئناس والمخالفة عناد، كَمَا حُكيَ عَن بعض السوفسطائية.
[و] قَالَ ابْن عقيل: أَصْحَاب سوفسطا نعلم أَنه لَا علم أصلا، وَعَن بَعضهم: لَا علم لنا بِمَعْلُوم، وَعَن بَعضهم: لَا يُنكر الْعلم، لَكِن لَا يقوى عَلَيْهِ الْبشر، وَعَن بَعضهم: من اعْتقد شَيْئا فَهُوَ كَمَا اعتقده، وَالْجَوَاب وَاحِد. انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: من أَرَادَ أَن يدْفع الْعلم اليقيني المستقر فِي الْقُلُوب بالشبه فقد سلك مَسْلَك السوفسطائية؛ فَإِن السفسطة أَنْوَاع:
أَحدهَا: النَّفْي، والجحد، والتكذيب، إِمَّا بالوجود وَإِمَّا بِالْعلمِ بِهِ.
وَالثَّانِي: الشَّك والريب، وَهَذِه طَريقَة الاادرية الَّذين يَقُولُونَ: لَا نَدْرِي، فَلَا يثبتون وَلَا ينفون، لَكِن هم فِي الْحَقِيقَة قد نفوا الْعلم، وَهُوَ نوع من النَّفْي، فَعَادَت السفسطة إِلَى جحد الْحق الْمَعْلُوم أَو جحد الْعلم بِهِ.
وَالثَّالِث: قَول من يَجْعَل الْحَقَائِق تبعا للعقائد، فلقول من اعْتقد الْعَالم قَدِيما فَهُوَ قديم، وَمن اعتقده مُحدثا فَهُوَ مُحدث.
وَإِذا أُرِيد بذلك أَنه قديم عِنْده، مُحدث عِنْده فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، فَإِن هَذَا هُوَ اعْتِقَاده، لَكِن السفسطة أَن يُرَاد أَنه كَذَلِك فِي الْخَارِج. انْتهى.
{وَأنْكرت الملحدة والرافضة الْعلم بِالْعقلِ} لتناقض قضاياه لاخْتِلَاف الْعُقَلَاء، وَهَذَا تنَاقض مِنْهُم مَعَ أَن الْعقل حجَّة الله على الْمُكَلف، وَاخْتِلَاف الْعُقَلَاء لقُصُور علم، أَو تَقْصِير فِي شَرط النّظر، ثمَّ جَمِيع ذَلِك شبه لَا أثر لَهَا مَعَ الْعلم، كالحسيات مَعَ أَن النّظر يخْتَلف فِيهَا وَالسَّمَاع.
وَقَالَت الْيَهُود من شَرط التَّوَاتُر أَن لَا يكذب بِهِ أحد، وَهُوَ بَاطِل.