الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْله: {وَيشْتَرط ذكر سَبَب الْجرْح لَا التَّعْدِيل عِنْد أَحْمد، وَالْأَكْثَر} ، مِنْهُم: أَصْحَابنَا، وَالشَّافِعِيَّة، وَغَيرهم، لاخْتِلَاف النَّاس فِي سَبَب الْجرْح، واعتقاد بَعضهم مَا لَا يصلح أَن يكون سَببا للجرح جارح، كشرب النَّبِيذ متأولاً فَإِنَّهُ يقْدَح فِي الْعَدَالَة عِنْد مَالك دون غَيره، وَكَمن رأى إنْسَانا يَبُول قَائِما فيبادر لجرحه لذَلِك وَلم ينظر فِي أَنه متأول مُخطئ أَو مَعْذُور، كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
أَنه بَال
قَائِما لعذر كَانَ بِهِ، فَلهَذَا وَشبهه يَنْبَغِي بَيَان سَبَب الْجرْح ليَكُون على ثِقَة، واحتراز من الْخَطَأ والغلو فِيهِ.
قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": وَلَقَد رَأَيْت بعض الْعَامَّة يضْرب يدا على يَد، وَيُشِير إِلَى رجل وَيَقُول: مَا هَذَا إِلَّا زنديق لَيْتَني قدرت عَلَيْهِ فأفعل بِهِ وأفعل! فَقلت: مَا رَأَيْت مِنْهُ؟ فَقَالَ: رَأَيْته وَهُوَ يجْهر بالبسملة فِي الصَّلَاة. انْتهى.
وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا حكايات غَرِيبَة عَجِيبَة، لَكِن هَذَا كُله مِمَّن لَا يعْتَمد عَلَيْهِ بِخِلَاف أولي الْعلم الراسخين الجهابذة النقاد، وَقَالُوا بِخِلَاف التَّعْدِيل فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط ذكر سَببه استصحاباً لحَال الْعَدَالَة.
{وَقيل: عَكسه} ، أَي: يشْتَرط ذكر سَبَب التَّعْدِيل لَا الْجرْح.
وَنقل عَن ابْن الباقلاني: لالتباس الْعَدَالَة لِكَثْرَة التصنع.
قلت: وَهُوَ قوي.
{واشترطه ابْن حمدَان من أَصْحَابنَا وَغَيره فيهمَا} ، أَي: يشْتَرط ذكر سَبَب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لما تقدم فِي الْجرْح، والمسارعة إِلَى التَّعْدِيل بِنَاء على الظَّاهِر، فَيَقُول - مثلا -: هَذَا فَاسق؛ لِأَنَّهُ يشرب الْخمر، وَنَحْوه، وَهَذَا عدل؛ لِأَنَّهُ يواظب على فعل الْعِبَادَات، وَترك الْمُحرمَات فِيمَا أعلم؛ وَلِهَذَا القَوْل قُوَّة.
وَعَن أَحْمد عكس هَذَا القَوْل، أَي: لَا يشْتَرط ذكر سَبَب وَاحِد مِنْهُمَا، اخْتَارَهُ جمع من الْعلمَاء، مِنْهُم: ابْن الباقلاني، وَحكي عَن الْحَنَفِيَّة فَيَكْفِي مُجَرّد قَوْله: هُوَ فَاسق، أَو عدل اعْتِمَادًا على الْجَارِح والمعدل.
قلت: وَيَنْبَغِي أَن ينظر إِلَى حَال الْجَارِح، والمعدل.
{وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، والرازي، والآمدي، وَذكره عَن ابْن الباقلاني: إِن كَانَ عَالما بذلك قبل} عملا بِالظَّاهِرِ من حَال الْعدْل الْعَالم، {وَقَالَهُ مَالك، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الْجرْح} ، يَعْنِي إِن كَانَ عَالما بذلك قبل.
قَوْله: {وَلَا أثر لمن عَادَته التساهل فِي التَّعْدِيل أَو الْمُبَالغَة} ، فيجرح بِلَا سَبَب شَرْعِي أَو يُعْطِيهِ فَوق حَقه وَهَذَا غير جَائِز.
قَالَ ابْن مُفْلِح: لما حكى الْخلاف الْمُتَقَدّم: وَهَذَا الْخلاف مُطلق، وَالْمرَاد - وَالله أعلم - مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بعض أَصْحَابنَا، وَغَيرهم: لَا أثر لمن عَادَته التساهل فِي التَّعْدِيل أَو الْمُبَالغَة. انْتهى.
قَوْله: {وَإِذا لم يقبل الْجرْح الْمُطلق لم يلْزم التَّوَقُّف حَتَّى يتَبَيَّن سَببه} كَالشَّهَادَةِ؛ لِأَن الْخَبَر يلْزم الْعَمَل بِهِ مَا لم يثبت الْقدح، وَالشَّهَادَة آكِد، ذكره القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب فِي مَسْأَلَة " مَا لَا نفس لَهُ سائله "، فَإِذا انْتَفَى الْقدح عمل بِهِ.
{وَقيل: بلَى} ، أَي: يلْزم التَّوَقُّف حَتَّى يبين سَبَب الْجرْح الَّذِي أطلقهُ؛ لِأَنَّهُ أوجب رِيبَة، وَإِلَّا انسد بَاب الْجرْح غَالِبا.
وَقَالَهُ بعض الشَّافِعِيَّة، وَغَيرهم، وَإِلَيْهِ ميل ابْن مُفْلِح. قلت: وَهُوَ الْأَحْوَط.
قَوْله: {وَمن اشْتبهَ اسْمه باسم مَجْرُوح وقف خَبره} حَتَّى يتَحَقَّق أمره، ذَلِك لاحْتِمَال أَن يكون الرَّاوِي ذَلِك الْمَجْرُوح فَلَا تقبل رِوَايَته بل يتَوَقَّف حَتَّى يعلم: هَل هُوَ الْمَجْرُوح، أَو غَيره.
وَكثير مَا يفعل المدلسون مثل هَذَا، يذكرُونَ الرَّاوِي الضَّعِيف باسم يُشَارِكهُ فِيهِ راو ثِقَة ليظن أَنه ذَلِك الثِّقَة ترويجاً لروايتهم.
قَوْله: {وَمن أطلق تَضْعِيف خبر بِأَن يَقُول: هَذَا الْخَبَر ضَعِيف، فَهُوَ كجرح مُطلق} فَيخرج عَلَيْهِ، فَمَا قيل فِي الْجرْح الْمُطلق.
يُقَال فِي تَضْعِيفه للْخَبَر إِذا أطلق، وَهَذَا مَذْهَبنَا، قَالَه الْمجد فِي
" المسودة "، وَتَبعهُ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَغَيره.
وَالصَّحِيح أَنه لَا يقبل الْجرْح الْمُطلق، بل لابد من ذكر السَّبَب الْمُطلق كَمَا تقدم قَرِيبا.
وَلَا يُؤثر قَوْله ذَلِك عِنْد الشَّافِعِيَّة فَلَا يمْنَع قبُوله، فَيقبل الحَدِيث إِذا قَالَ الْمُحدث: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف من غير أَن يعزوه إِلَى مُسْتَند يرجع إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قد يُضعفهُ بِشَيْء لَو ذكره لم يكن قدحاً.
ويؤثر ذَلِك عِنْد الْحَنَفِيَّة، فَلَا يقبله، وَيكون الْخَبَر ضَعِيفا عِنْدهم بذلك. لِأَن الْمُحدث ثِقَة، وَقد ضعفه.
فتلخص فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال: الْقبُول مُطلقًا، وَعَدَمه مُطلقًا، وإجراؤه كالجرح الْمُطلق، فَأتى فِيهِ من الْخلاف مَا أَتَى فِيهِ على مَا تقدم.
قَوْله: {أَو تَصْحِيحه} ، أَي: أطلق تَصْحِيح خبر بِأَن يَقُول: هَذَا الْخَبَر
صَحِيح، فَهُوَ {كالتعديل الْمُطلق} عندنَا؛ فَإِن إِطْلَاق تَصْحِيحه يسْتَلْزم تَعْدِيل رُوَاته.
وَعَن الإِمَام أَحْمد: إِذا سَمِعت أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: حَدِيث غَرِيب، أَو فَائِدَة فَاعْلَم أَنه خطأ - أَي: لِأَنَّهُ شَاذ - وَإِذا سمعتهم يَقُولُونَ: حَدِيث لَا شَيْء فَاعْلَم أَنه صَحِيح، أَي: لم تفد رِوَايَته لشهرته.
حَكَاهُ القَاضِي، وَجَمَاعَة عَن حِكَايَة أبي إِسْحَاق عَن أبي بكر النقاش، وَهُوَ كَذَّاب، والشاذ أَقسَام عِنْدهم.
قَوْله: {وَلَا شَيْء للجرح بالاستقراء} ، يَعْنِي بِأَن يَقُول: تتبعنا كَذَا
فوجدناه كَذَا مرَارًا كَثِيرَة لم ينخرم، فَلَو قيل: من وَجَدْنَاهُ يعْمل كَذَا فَهُوَ مَجْرُوح واستقرأنا ذَلِك فِي أشخاص كَثِيرَة فوجدناه كذك، فَهَذَا لَيْسَ بِجرح، وَلَيْسَ من طرق الْجرْح حَتَّى نحكم بِهِ.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة أَخَذتهَا من كَلَام ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، وَيَأْتِي معنى الاستقراء وَأَحْكَامه فِي الْأَدِلَّة الْمُخْتَلف فِيهَا بعد الِاسْتِدْلَال، كَقَوْلِهِم: الْوتر يفعل رَاكِبًا فَلَيْسَ بِوَاجِب لاستقراء الْوَاجِبَات.
قَوْله: {وَله الْجرْح بالاستفاضة} ، إِذا شاع عَن مُحدث أَن فِيهِ صفة توجب رد الحَدِيث وجرحه بهَا جَازَ الْجرْح بهَا، كَمَا تجوز الشَّهَادَة بالاستفاضة فِي مسَائِل مَخْصُوصَة مَعْلُومَة ذكرهَا الْفُقَهَاء فِي كتبهمْ فَكَذَلِك هَذَا.
وَمنعه بعض أَصْحَابنَا، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ الْجرْح بالاستفاضة، وَلَا يقبل كَمَا أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يُزكي بالاستفاضة لَو شاعت عَدَالَته، فَكَذَلِك لَيْسَ لَهُ الْجرْح بِمُجَرَّد الاستفاضة بِمَا يُوجب جرحه.
وَهَذَا ضَعِيف، وَالْأول أولى وَأظْهر.
وَخَالف بعض أَصْحَابنَا فِي التَّزْكِيَة بالاستفاضة فَقَالَ: تجوز التَّزْكِيَة بالاستفاضة.
{وَاحْتج} لذَلِك كثير من الْعلمَاء {بِمن شاعت إِمَامَته وعدالته من الْأَئِمَّة} ، فَإِنَّهُ يُزكي بالإستفاضة بِلَا نزاع.
{قلت: وَهَذَا الْمَذْهَب، وَهُوَ معنى قَول الإِمَام أَحْمد، وَجَمَاعَة} من الْعلمَاء.
قَالَ ابْن مُفْلِح: وَيتَوَجَّهُ أَن هَذَا احْتِمَال قَول ثَالِث، وَأَنه الْمَذْهَب وَهُوَ
معنى قَول أَحْمد وَجَمَاعَة، يسْأَل وَاحِد مِنْهُم عَن مثلهم فَيُقَال: ثِقَة لَا يسْأَل عَن مثله. انْتهى.
كَمَا سُئِلَ - مثلا - عَن الإِمَام مَالك، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالثَّوْري، وَنَحْوهم.
{وَقَالَ ابْن الصّلاح: هَذَا صَحِيح مَذْهَب الشَّافِعِي} ، وَعَلِيهِ الِاعْتِمَاد فِي أصُول الْفِقْه، وَمِمَّنْ ذكره من أهل الحَدِيث: الْخَطِيب.
وَمثل ذَلِك بِمَالك وَشعْبَة، والسفيانين، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَاللَّيْث، وَابْن الْمُبَارك، ووكيع، وَأحمد، وَابْن معِين، وَابْن الْمَدِينِيّ، وَمن جرى مجراهم فِي نباهة الذّكر، واستقامة الْأَمر، وَلَا يسْأَل عَن عَدَالَة هَؤُلَاءِ وأمثالهم، إِنَّمَا يسْأَل عَمَّن خَفِي أمره عَن الطالبين. انْتهى.
وَقد سُئِلَ ابْن معِين عَن أبي عبيد فَقَالَ: مثلي يسْأَل عَن أبي عبيد {أَبُو عبيد يسْأَل عَن النَّاس؟}
وَسُئِلَ أَحْمد عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَقَالَ: مثل إِسْحَاق يسْأَل عَنهُ؟ !