الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْله: {فصل}
هَذِه قسْمَة أُخْرَى للْخَبَر وَهُوَ أَنه يَنْقَسِم إِلَى تَوَاتر وآحاد، وَسَيَأْتِي أَن من الْآحَاد مستفيض مَشْهُور، وَهَذَا التَّقْسِيم للسند هُوَ الأكثري، وَرُبمَا أطلق على الْمَتْن ذَلِك فَيُقَال: حَدِيث متواتر وآحاد على معنى تَوَاتر أَو آحَاد سَنَده.
قَوْله: {فالتواتر تتَابع} شَيْئَيْنِ فَأكْثر {بمهلة} . وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا} [الْمُؤْمِنُونَ: 44] أَصْلهَا وترا، بدلت التَّاء من الْوَاو. قَالَه ابْن قَاضِي الْجَبَل، وَقَالَ: هُوَ لُغَة تتَابع وَاحِد بعد وَاحِد من الْوتر، ثمَّ قَالَ: قلت: قَالَ الجواليقي: من غلط الْعَامَّة قَوْلهم: تَوَاتَرَتْ
كتبك إِلَيّ - أَي: اتَّصَلت من غير انْقِطَاع -، وَإِنَّمَا التَّوَاتُر الشَّيْء بعد الشَّيْء بَينهمَا انْقِطَاع، وَهُوَ تفَاعل من الْوتر وَهُوَ الْعود. انْتهى.
قَالَ فِي " الْمِصْبَاح الْمُنِير ": التَّوَاتُر التَّتَابُع، يُقَال: تَوَاتَرَتْ الْخَيل إِذا جَاءَت يتبع بَعْضهَا بَعْضًا، وَمِنْه {جَاءُوا تترى} أَي: مُتَتَابعين وترا بعد وتر، الْوتر الْفَرد. انْتهى.
قَوْله: {وَاصْطِلَاحا: خبر جمَاعَة مُفِيد للْعلم بِنَفسِهِ} .
فَالْخَبَر: كالجنس يَشْمَل الْمُتَوَاتر وَغَيره، وبإضافته إِلَى الْجَمَاعَة يخرج عَنهُ خبر الْوَاحِد. وَقَوله: مُفِيد للْعلم، يخرج خبر جمَاعَة لَا يُفِيد الْعلم، بل الظَّن، وَإِنَّمَا قيل بِنَفسِهِ ليخرج الْخَبَر الَّذِي صدق المخبرين فِيهِ لسَبَب الْقَرَائِن الزَّائِدَة على مَا لَا يَنْفَكّ عَن الْمُتَوَاتر عَادَة وَغَيرهَا، وَمَا لَا يَنْفَكّ عَن الْمُتَوَاتر الشَّرَائِط الْمُعْتَبرَة فِي التَّوَاتُر كَمَا سَيذكرُ.
والقرائن الزَّائِدَة المفيدة للْعلم قد تكون عَادِية كالقرائن الَّتِي تكون على من يخبر عَن موت وَلَده من شقّ الْجُيُوب والتفجع، وَقد تكون عقلية كَخَبَر جمَاعَة تَقْتَضِي البديهة أَو الِاسْتِدْلَال صدقهم، وَقد تكون حسية كالقرائن الَّتِي تكون على من يخبر عَن عطشه.
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: زَاد بَعضهم بِنَفسِهِ ليخرج مَا امْتنع فيهم ذَلِك بالقرائن أَو مُوَافقَة دَلِيل عَقْلِي أَو غير ذَلِك، وَلَا يحْتَاج لذَلِك؛ لِأَن الْمُفِيد للْقطع هُوَ مَعَ الْقَرَائِن. انْتهى.
وَكَذَا قَالَه الْبرمَاوِيّ والتاج السُّبْكِيّ وَغَيرهم.
وَكَون خبر التَّوَاتُر يُفِيد الْعلم هُوَ قَول أَئِمَّة الْمُسلمين وَغَيرهم،
وَخَالف فِي ذَلِك من لَا يعبأ بِهِ على مَا يَأْتِي.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: التَّوَاتُر خبر جمع يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب عَن محسوس أَو عَن خبر جمع مثلهم إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى محسوس، أَي: مَعْلُوم بِأَصْل الْحَواس الْخمس، كمشاهدة أَو سَماع فَخرج بالقيد الأول خبر الْوَاحِد، وَلَو كَانَ مستفيضاً.
وَخرج بالانتهاء إِلَى محسوس مَا كَانَ عَن مَعْقُول، أَي: مَعْلُوم بِدَلِيل عَقْلِي، كإخبار أهل السّنة دهرياً بحدوث الْعَالم فَإِنَّهُ لَا يُوجب لَهُ علما لتجويزه غلطهم فِي الِاعْتِقَاد، بل هُوَ مُعْتَقد ذَلِك.
وَأَيْضًا فَعلم المخبرين بِهِ نَظَرِي، والتواتر يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ فَيصير الْفَرْع أقوى من الأَصْل.
وَأَيْضًا: مثل ذَلِك [إِذا] لم يتَّفق المخبرون على وَاحِد بِالنَّصِّ الَّذِي شَرط فِي التَّوَاتُر، بل كل وَاحِد إِنَّمَا يخبر عَن اعْتِقَاد نَفسه وَإِن توافقوا نوعا، وَلأَجل ذَلِك لم يكن الْإِجْمَاع من قبيل الْخَبَر الْمُتَوَاتر.
والحجية فِيهِ إِنَّمَا هِيَ من حَيْثُ بِنَاء الشَّرْع على توَافق اعْتِقَاد الْأُمَم، أَو أَن الْعَادة تحيل تواطؤهم على اعْتِقَاد بَاطِل.
لَكِن قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور، والباقلاني، وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، والسمعاني، والرازي، والمازري: إِن التَّقْيِيد بالحس لَا معنى لَهُ، وَإِنَّمَا الْمدَار على الْعلم الضَّرُورِيّ ليدْخل مَا اسْتندَ فِيهِ علم المخبرين إِلَى قَرَائِن الْأَحْوَال، كإخبارهم عَن الخجل الَّذِي علموه بِالضَّرُورَةِ من قَرَائِن الْحَال، فالحس وَإِن وجد لَكِن لم يكتف بِهِ؛ لِأَن الْحمرَة إِنَّمَا تدْرك بالحس
ذَاتهَا، وَحُمرَة الخجل كحمرة الْغَضَب، وَإِنَّمَا يفرق بَينهمَا بِأَمْر يدق عَن ضبط الْعبارَة.
وَأجِيب عَن ذَلِك: بِأَن الْقَرَائِن تعود للحس؛ لِأَنَّهَا إِمَّا حَالية وَإِمَّا مقالية.
فَائِدَة: يكون التَّوَاتُر فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع.
فَأَما الْكتاب فقد تقدم أَن الْقرَاءَات السَّبع متواترة، وَكَذَلِكَ الْعشْر على الْأَصَح، وَتقدم أَحْكَام التَّوَاتُر فِي ذَلِك.
وَأما الْإِجْمَاع فالمتواتر فِيهِ كثير.
وَأما السّنة فالمتواتر فِيهَا قَلِيل جدا، حَتَّى إِن بَعضهم نَفَاهُ إِذا كَانَ لفظياً، وَهُوَ أَن يتواتر لَفظه بِعَيْنِه، لَا مَا إِذا كَانَ معنوياً، كَأَن يتواتر معنى فِي ضمن أَلْفَاظ مُخْتَلفَة، وَلَو كَانَ الْمَعْنى الْمُشْتَرك فِيهِ بطرِيق اللُّزُوم، وَيُسمى