الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْله: {فصل}
{أَحْمد، وَأكْثر أَصْحَابه، والمعظم مِنْهُم الشَّافِعِيَّة، وَغَيرهم: لَا تقبل رِوَايَة مُبْتَدع دَاعِيَة} ، وعللوا ذَلِك بخوف الْكَذِب لموافقة هَوَاهُ: وَنقض ذَلِك بالداعية فِي الْفُرُوع.
وَلم يفرق الْحَنَفِيَّة، والآمدي، وَجَمَاعَة بَين الداعية وَغَيره.
وَقَبله بعض أَصْحَابنَا وَغَيرهم، وَحكي عَن الشَّافِعِي.
وَقَالَ ابْن عقيل فِي الْكَفَاءَة من " الْفُصُول ": إِن دَعَا كفر، قَالَ: وَالصَّحِيح لَا كفر؛ لِأَن أَحْمد أجَاز الرِّوَايَة عَن الحرورية، والخوارج.
قَوْله: {وَفِي غَيره} ، أَي: غير الداعية من المبتدعة {رِوَايَات} عَن الإِمَام أَحْمد: إِحْدَاهَا الْقبُول، اخْتَارَهَا أَبُو الْخطاب من الْأَصْحَاب، وَقَالَهُ أَبُو الْحُسَيْن المعتزلي، وَغَيره.
وَأطْلقهُ الْحَنَفِيَّة؛ لعدم عِلّة الْمَنْع، وَلما فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيرهمَا من المبتدعة كالقدرية والخوارج والرافضة والمرجئة، وَرِوَايَة السّلف وَالْأَئِمَّة عَنْهُم فَهُوَ إِجْمَاع.
لَا يُقَال: قد تكلم فِي بَعضهم؛ لِأَنَّهُ أُرِيد معرفَة حَالهم أَو للترجيح عِنْد التَّعَارُض، ثمَّ يحصل الْمَقْصُود بِمن لم يتَكَلَّم فِيهِ، وَلَا يلْزم من رده رد الْجَمِيع، أَو الْأَكْثَر لِكَثْرَة تفسيق الطوائف وتكفير بَعضهم بَعْضًا؛ وَلِأَنَّهَا حَاجَة عَامَّة فَهِيَ أولى من تَصْدِيقه أَنه ملكه، وَفِي اسْتِئْذَانه، وإرساله بهدية وَهِي إِجْمَاع.
ذكره الْقُرْطُبِيّ وَخص الْآيَة بِهِ، وَلَا تُهْمَة لعُمُوم رِوَايَته لَهُ وَلغيره؛ وَلِأَنَّهُ يوثق بِهِ لتدينه، وكفره بِتَأْوِيل أخطاء فِيهِ وَهُوَ يظنّ أَنه على حق، وَلم يبتغ غير الْإِسْلَام دينا بِخِلَاف غَيره فَإِنَّهُ يقدم على مَا يَعْتَقِدهُ محرما لغرضه فَمثله يكذب وَلَا يوثق بِهِ. وَاعْترض بقول الله تَعَالَى:{يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق} [الحجرات: 6] الْآيَة.
أُجِيب: بِمَنْع فسقه عِنْد بعض أَصْحَابنَا، وَغَيرهم.
وَقَالَهُ ابْن عقيل فِي غير الداعية، وَقَالَهُ القَاضِي فِي " شرح الْخرقِيّ " فِي الْمُقَلّد: قَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَنهى أَحْمد عَن الْأَخْذ عَنْهُم إِنَّمَا هُوَ لهجرهم، وَهُوَ يخْتَلف بالأحوال والأشخاص؛ وَلِهَذَا لم يرو الْخلال عَن قوم لنهي الْمَرْوذِيّ، ثمَّ روى عَنْهُم بعد مَوته.
وَلِهَذَا جعل القَاضِي الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَة قسما غير دَاخل فِي مُطلق الْعَدَالَة، ثمَّ المُرَاد غير المبتدع بِدَلِيل مَا سبق، وسببها وسياقها.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: عدم الْقبُول، وَهُوَ قَول مَالك، وَالْقَاضِي من
أَصْحَابنَا، وَغَيره، والباقلاني، والآمدي، والجبائية، وَجَمَاعَة كَمَا لَو تدين بِالْكَذِبِ كالخطابية من الرافضة، وَهُوَ يظنّ أَنه على حق لما سبق.
والخطابية نِسْبَة إِلَى أبي الْخطاب، وَهُوَ من مَشَايِخ الرافضة، وَكَانَ يَقُول بإلهية جَعْفَر الصَّادِق، ثمَّ ادّعى الإلهية لنَفسِهِ عَلَيْهِ لعائن الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ، وَهُوَ وَأَتْبَاعه يسْتَحلُّونَ الْكَذِب فِي نصْرَة مَذْهَبهم فيرون الشَّهَادَة بالزور لموافقهم على مخالفهم.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: مَا فِي أهل الْأَهْوَاء قوم أشهد بالزور من الرافضة.
وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة: {الْقبُول مَعَ بِدعَة مفسقة لَا مكفرة} ، وَهَذَا قَول الإِمَام الشَّافِعِي، وَأكْثر الْفُقَهَاء، وَبَعض الْحَنَفِيَّة؛ لعظم الْكفْر، فيضعف الْعذر، ويقوى عدم الوثوق، وَلم يفرقُوا بَين الْمُكَفّر وَغَيره.
وَقد قَالَ أَبُو الْخطاب عَن قَول الإِمَام أَحْمد: (يكْتب عَن الْقَدَرِيَّة) : وهم كفار عِنْده، وَكَذَا اخْتَارَهُ بعض الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: من كفره فَهُوَ كالكافر عِنْده، وَأَن الْخلاف فِي قبُوله مَعَ بِدعَة وَاضِحَة وَإِلَّا قبل لقُوَّة الشّبَه من الْجَانِبَيْنِ. {وَقَالَ الشَّيْخ} تَقِيّ الدّين: {كَلَام أَحْمد يفرق بَين أَنْوَاع الْبدع وَبَين
الْحَاجة إِلَى الرِّوَايَة عَنْهُم وَعدمهَا} .
قَالَ الإِمَام أَحْمد: احملوا عَن المرجئة الحَدِيث، وَيكْتب عَن القدري إِذا لم يكن الداعية، واستعظم الرِّوَايَة عَن رجل وَهُوَ سعد الْعَوْفِيّ، وَقَالَ: ذَلِك جهمي امتحن فَأجَاب وَأَرَادَ بِلَا إِكْرَاه.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح مُقَدّمَة مُسلم ": إِن الْعلمَاء من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والأصوليين قَالُوا: لَا تقبل رِوَايَة من كفر ببدعته اتِّفَاقًا. انْتهى.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا الْمُتَأَخِّرين - وَهُوَ القَاضِي عَلَاء الدّين البعلي -: إِن كَانَت بِدعَة أحدهم مُغَلّظَة كالتجهم ردَّتْ رِوَايَته، وَإِن كَانَت متوسطة كالقدر ردَّتْ إِن كَانَ دَاعِيَة، وَإِن كَانَت خَفِيفَة كالإرجاء فَهَل تقبل مَعهَا مُطلقًا أم ترد
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... . .
عَن الداعية؟ رِوَايَتَانِ، هَذَا تَحْقِيق مَذْهَبنَا.
قَوْله: {فَائِدَة: المبتدعة أهل الْأَهْوَاء} ؛ إِذا أطلق الْعلمَاء لَفْظَة المبتدعة فَالْمُرَاد بِهِ أهل الْأَهْوَاء من الْجَهْمِية، والقدرية، والمعتزلة، والخوارج، وَالرَّوَافِض وَمن نحا نحوهم، وَلَيْسَ الْفُقَهَاء مِنْهُم على الصَّحِيح عِنْد الْعلمَاء، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": قَالَه ابْن عقيل وَغَيره، وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الْعلمَاء وَهُوَ أولى.
وَخَالف القَاضِي أَبُو يعلى وَابْن الْبَنَّا، وَجمع فأدخلوهم فِي أهل الْأَهْوَاء.
قَوْله: {فَمن شرب نبيذاً مُخْتَلفا فِيهِ حد عندنَا، وَلم يفسق، كالشافعي} .
قَالَ ابْن مُفْلِح وَغَيره: {وَفِيه نظر} ؛ لِأَن الْحَد أضيق.
ورد: الشَّهَادَة أوسع؛ وَلِأَنَّهُ يلْزم من الْحَد التَّحْرِيم فيفسق بِهِ، أَو إِن تكَرر.
وَعَن أَحْمد: يفسق، اخْتَارَهُ ابْن أبي مُوسَى فِي " الْإِرْشَاد "، وَأَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ فِي " الْمُبْهِج " وفَاقا للْإِمَام مَالك؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْمجمع عَلَيْهِ وللسنة المستفيضة فِي ذَلِك.
وَعَن أَحْمد رِوَايَة ثَالِثَة: لَا حد عَلَيْهِ، وَلَا يفسق بذلك. اخْتَارَهُ أَبُو ثَوْر، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين، وَهُوَ قوي للْخلاف فِيهِ كَغَيْرِهِ؛ وَلِئَلَّا يفسق بِوَاجِب يَفْعَله مُعْتَقدًا وُجُوبه فِي مَوضِع، وَلَا أثر لاعتقاد الْإِبَاحَة.
وَمثل الْمَسْأَلَة مُتْعَة النِّكَاح، إِن قيل: لَا إِجْمَاع فِيهَا؛ وَلِهَذَا سوى بَينهمَا القَاضِي فِي " الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة "، وَمثله رَبًّا الْفضل، وَالْمَاء من المَاء.
وَذكر بعض أَصْحَابنَا - قِيَاس رِوَايَة فسق الشَّارِب النَّبِيذ - من لعب بشطرنج، وَتسمع غناء بِلَا آلَة.
{تَنْبِيه: مَحَله فِي مُجْتَهد أَو مقلد، وَإِلَّا فَيحرم الْقدوم على مَا لَا يعلم جَوَازه إِجْمَاعًا} ؛ لِأَن إقدامه على مَا لَا يعلم: هَل يجوز فعله، أَو لَا يجوز؟ جرْأَة على الله، وعَلى رَسُوله، وعَلى الْعلمَاء لكَونه لم يسْأَل.
{وَاخْتلف كَلَام القَاضِي فِي فسقه، وفسقه الباقلاني} ، وَقَالَ: ضم جهلا إِلَى فسق.
ورده بعض الشَّافِعِيَّة بِالْفرقِ: بِعَدَمِ الجرأة.
{وَفسق ابْن عقيل عامياً شرب نبيذاً} ، وَلَا يُعَارض ذَلِك قَوْله: فِيمَن زوج أمته، أَو أم وَلَده ثمَّ وَطئهَا جهلا، هَل يَأْثَم لتَركه السُّؤَال أم لَا لعدم شكه فِي التَّحْرِيم؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ. يَعْنِي لعذره بالاستصحاب، وَكَذَا جمعه فِي " الْكَافِي " - فِي بطلَان الصَّلَاة بِكَلَام الْجَاهِل - بَينه وَبَين النَّاسِي بِعَدَمِ التأثيم، واستقصاء ذَلِك وَبَيَان حكم الْبدع فِي كتب الْفِقْه.
قَالَ الْحلْوانِي من أَصْحَابنَا: وَلَا يحكم بفسق مُخَالف فِي أصُول الْفِقْه.
وَبِه قَالَ جمَاعَة الْفُقَهَاء، والمتكلمين، خلافًا لبَعض الْمُتَكَلِّمين. قَالَ ابْن مُفْلِح: كَذَا أطلقهُ.