الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6]، وكلُّ مؤمنٍ يرى هذا، ولكنّ رؤية أهل العلم لونٌ، ورؤية غيرهم له لونٌ.
قال صاحب «المنازل» رحمه الله
(1)
:
(أبنية التذكُّر
ثلاثة: الانتفاع بالعظة، والاستبصار للعبرة، والظّفر بثمرة الفكرة).
الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء، فيتحرَّك للعمل طلبًا للخلاص من المخوف، ورغبةً في حصول المرجوِّ.
والعظة هي الأمر والنَّهي المقرون بالترغيب والترهيب.
والعظة نوعان: عظةٌ بالمسموع، وعظةٌ بالمشهود. فالعظة بالمسموع الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرُّشد والنصائح التي جاءت على يد
(2)
الرُّسل، وكذلك الانتفاع بالعظة من كلِّ ناصحٍ ومرشدٍ في مصالح الدِّين والدُّنيا. والعظة بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العِبَر وأحكام القدر ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالَّة على صدق رسله.
وأمَّا (الاستبصار للعبرة)، فهو زيادة البصيرة عمَّا كانت عليه في منزل التفكُّر بقوَّة الاستحضار، لأنَّ التذكُّر يَصْقُل المعاني التي حصلت بالتّفكُّر في مواقع الآيات والعبر، فهو يظفر بها بالتفكُّر، وتنصقل له وتنجلي بالتذكُّر،
(1)
(ص 15).
(2)
م، ج، ن:«أيدي» .
فيقوى العزم على السَّير بحسب قوّة الاستبصار، لأنّه يوجب تحديد
(1)
النّظر فيما يحرِّك الطلب، إذ الطلب فرع الشُّعور، وكلَّما
(2)
قوي الشُّعور بالمحبوب اشتدَّ سفر القلب إليه، وكلّما اشتغل الفكر به ازداد الشُّعور والبصيرة به والذكر
(3)
له.
وأمّا (الظَّفر بثمرة الفكرة)، فهذا موضعٌ لطيفٌ. وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تامًّا بحسب الإمكان، والعمل بموجبه رعايةً لحقِّه؛ فإنَّ العقل حال التفكُّر كان قد كَلَّ بإعماله في تحصيل المطلوب، فلمَّا حصلت له المعاني وتخمَّرت في القلب واستراح العقل عاد فتذكَّر ما كان حصَّله وطالعه، فابتهج به وفرح به، وصحَّح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكُّر، لأنَّه قد أشرف عليه من مقام التذكُّر الذي هو أعلى منه، فأخذ حينئذٍ في الثمرة المقصودة، وهي العمل بموجَبه مراعاةً لحقِّه، فإنَّ العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكُّر.
وإذا أردت فهم هذا بمثال حسِّي: فطالب المال ما دام جادًّا في طلبه فهو في كلالٍ وتعبٍ، حتّى إذا ظفر به استراح من كدِّ الطلب، وقدم من سفر التِّجارة وطالع ما حصَّله وأبصره، وصحَّح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صحَّ له وبردت غنيمتُه له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه.
(1)
ش: «تجديد» بالجيم. وفي الأصل، ل، ع علامة الإهمال تحت الحاء.
(2)
ع: «فكلَّما» .
(3)
ع: «والتذكر» .
فصل
قال
(1)
: (وإنَّما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدَّة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكُّر الوعد والوعيد).
إنّما يشتدُّ افتقار العبد إلى العِظة ــ وهي الترغيب والترهيب ــ إذا ضَعُف تذكُّره وإنابته، وإلّا فمتى قويت إنابته وتذكُّره لم تشتدَّ حاجته إلى الترغيب والترهيب، ولكن الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي.
والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة. فالمنيب المتذكِّر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي، والمُعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب، والمعارض المنكر
(2)
شديد الحاجة إلى المجادلة؛ فجاءت هذه الثلاثة في حقِّ هؤلاء الثلاثة في قوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
وأطلق الحكمة ولم يقيِّدها بوصف الحسنة، إذ كلُّها حسنة ووَصْف الحسن لها ذاتيٌّ. وأمَّا الموعظة فقيَّدها بوصف الإحسان، إذ ليس كلُّ موعظةٍ حسنةً. وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك. وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادِل من غلظته ولينه وحدَّته ورفقه، فيكون مأمورًا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن؛ وأن يكون صفةً لما يجادَل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيءٍ وأبينُه،
(1)
«منازل السائرين» (ص 15).
(2)
ع: «المتكبِّر» .
وأدلُّه على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتّحقيق أنَّ الآية تتناول النّوعين.
وأمَّا ما ذكره بعض المتأخِّرين
(1)
أنّ هذا إشارة إلى أنواع القياسات: فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة طريقة الخطابة، والمجادلة بالّتي هي أحسن طريقة الجدل، فالأوَّل بذكر المقدِّمات البرهانيَّة لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواصُّ النَّاس، والثَّاني بذكر المقدِّمات الخطابيَّة التي تثير رغبةً ورهبةً لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور، والثَّالث بذكر المقدِّمات الجدليَّة للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون= فتنزيلٌ للقرآن
(2)
على قوانين أهل المنطق اليونانيِّ واصطلاحهم، وذلك باطلٌ قطعًا من وجوهٍ عديدةٍ ليس هذا موضع ذكرها
(3)
، وإنَّما ذُكر هذا استطرادًا لذكر العظة، وأنّ المنيب المتذكِّر لا تشتدُّ حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض، فإنَّه شديد الحاجة جدًّا إلى العظة ليتذكَّر ما قد نسيه فينتفع بالتذكُّر.
وأمّا (العمى عن عيب الواعظ)، فإنّه إذا اشتغل به حُرِم الانتفاع بموعظته، لأنَّ النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه
(1)
كابن رشد في «فصل المقال» (ص 31).
(2)
ش، ج، ن، ع:«القرآن» .
(3)
انظر: «مفتاح دار السعادة» (1/ 433، 491 - 492)، وذكر فيه أنه بيَّن بطلان هذا التفسير عقلًا وشرعًا ولغةً وعُرفًا من وجوه متعدِّدة في موضع آخر. ولم نجد ذلك في كتبه المطبوعة. وانظر:«مجموع الفتاوى» (19/ 164) و «الرد على المنطقيين» (ص 438 - 469).
ولا ينتفع به. وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواءً لمرضٍ به مثلُه والطبيب مُعرضٌ عنه غيرُ ملتفتٍ إليه، بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالًا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به، لأنَّه قد يقوم عنده دواءٌ آخر مقامَ هذا الدَّواء، وقد يرى أنَّ به قوَّةً على ترك التَّداوي، وقد يقنع بعمل الطبيعة، وغير ذلك؛ بخلاف هذا الواعظ فإنَّ ما يعظ به طريق معيَّن للنجاة لا يقوم غيرُها مقامها ولا بدّ منها.
ولأجل هذه النُّفرة قال شعيب ــ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم ــ لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88].
وقال بعض السَّلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنَّهي، فإذا أمرتَ بشيءٍ فكن أوَّل الفاعلين له المؤتمرين به، وإذا نهيتَ عن شيءٍ فكن أوَّل المنتهين عنه
(1)
.
وقد قيل
(2)
:
يا أيُّها الرجل المعلِّم غيرَه
…
هلَّا لنفسك كان ذا التّعليمُ؟
تصف الدّواء لذي السِّقام من الضَّنى
…
ومن الضَّنى تمسي وأنت سقيمُ
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله
…
عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
(1)
روي عن الحسن البصري نحوه. أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 318) وابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف» (91) وأبو نُعيم في «حلية الأولياء» (2/ 154).
(2)
الأبيات الثلاثة الأخيرة من قصيدة أوردها صاحب «الخزانة» (8/ 567) لأبي الأسود الدؤلي. وتُنسب مع البيتين الأولين إلى المتوكل الليثي. وعُزي بعضُهما إلى غيرهما أيضًا. انظر تخريجها في «ديوان أبي الأسود» (ص 405 - 407) و «شعر المتوكل» (ص 284).
وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها
…
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى
…
بالقول منك وينفع التعليمُ
فالعمى عن عيب الواعظ من شروط تمام الانتفاع بموعظته.
وأمَّا (تذكُّر الوعد والوعيد) فإنَّ ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه، قال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} [هود: 103]، وقال:{سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى: 10]، وقال: {(41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ
(1)
} [النازعات: 42 - 45]. وأصرح من ذلك قوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45].
فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرطُ الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، يستحيل حصوله بدونه.
قال
(2)
: (وإنما تُستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل، ومعرفة الأيّام، والسلامة من الأغراض).
وإنّما تتميَّز
(3)
العبرةُ وتُرى وتتحقَّق بحياة العقل، والعبرة هي الاعتبار، وحقيقتها العبور من حكم الشَّيء إلى حكم مثله، فإذا رأى من قد أصابته محنةٌ وبلاءٌ لسببٍ ارتكبه، علم أنَّ حكم مَن ارتكب ذلك السبب كحكمه.
(1)
في ع اقتصر على الآية الأخيرة.
(2)
«منازل السائرين» (ص 15).
(3)
ل: «تميز» .
وحياة العقل هي صحَّة الإدراك، وقوَّة الفهم وجودته، وتحقيق الانتفاع
(1)
بالشّيء والتضرُّر به. وهو نورٌ يخصُّ الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوَّة ذلك النُّور وضعفه ووُجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم. ونسبته إلى القلب كنسبة النُّور الباصر إلى العين.
ومن تجريبات السالكين التي جرَّبوها فألْفَوها صحيحةً أنَّ مَن أدمن مِن قول: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت» أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة شديدَ اللهج بها جدًّا، وقال لي يومًا: لهذين الاسمين ــ وهما الحيُّ القيُّوم ــ تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنَّهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرَّةً كلَّ يومٍ بين سُنَّة الفجر وصلاةِ الفجر: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث» = حصلت له حياة القلب، ولم يَمُت قلبُه
(2)
.
ومَن علم عبوديَّات الأسماء الحسنى والدُّعاء بها، وسرَّ ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته= عرف ذلك وتحقَّقه
(3)
، فإنَّ كلَّ مطلوبٍ
(1)
ع: «وتحقُّق الانتفاع» .
(2)
ومما ورد عن شيخ الإسلام فيه: أنه كتب في رسالته إلى الملك المنصور حسام الدين لاجين: «
…
فإذا ناجى ربَّه في السحر واستغاث به وقال: (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث) أعطاه الله من المُكنة ما لا يعلمه إلا الله». «جامع المسائل» (7/ 444).
(3)
انظر: «زاد المعاد» (4/ 292 - 293) فقد شرح فيه مناسبة هذين الاسمين لحياة القلب.
يُسأل بالاسم المناسب له، فتأمَّل أدعية القرآن والحديث النبويِّ تجدها كذلك.
وأمّا (معرفة الأيَّام) فيحتمل أن يريد به أيَّامه التي تخصُّه، وما يلحقه فيها من الزِّيادة والنُّقصان، ويعلم قِصَرها وأنَّها أنفاس معدودة متصرِّمة، كلُّ نَفَسٍ منها يقابله آلافُ آلافٍ من السِّنين في دار البقاء، فليس لهذه الأيام الخالية نسبةٌ قطُّ إلى أيام البقاء، والعبد يُساوق زمنه في مدَّة عمره
(1)
إلى النعيم أو إلى الجحيم، وهي كمدَّة المنام لمن له عقلٌ حيٌّ وقلبٌ واعٍ، فما أولاه أن لا يصرف منها نَفَسًا إلا في أحبِّ الأمور إلى الله، فلو صرفه فيما يحبُّه وترك الأحبَّ لكان مفرِّطًا، فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه؟ فكيف فيما يَمقته عليه ربُّه؟ فالله المستعان.
ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم [بها]
(2)
، كما قال:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5]. وقد فسِّرت أيام الله بنعمه، وفسِّرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأوَّل تفسير ابن عبَّاسٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومجاهدٍ، والثاني تفسير مقاتلٍ
(3)
. والصواب أنَّ أيَّامه تعمُّ النَّوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه. وسمِّيت هذه النِّعم والنِّقم الكبار المتحدَّث بها أيَّامًا لأنها ظرف لها، تقول العرب: فلان
(1)
ع: «العمر» .
(2)
ما بين الحاصرتين من ع، والسياق يقتضيه.
(3)
والأول قول قتادة أيضًا، وروي عن أبيٍّ بن كعب في حديث مرفوع عند مسلم (2380/ 172)، والأشبه أنه مدرج فيه موقوف. والثاني قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أيضًا. انظر:«تفسير الطبري» (13/ 596 - 598) و «تفسير مقاتل» (2/ 183).
عالم بأيام العرب وأيام النَّاس، أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام. فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد الاستبصار للعبرة
(1)
، وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته، قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111].
ولا يتمُّ ذلك إلا بـ (السلامة من الأغراض) وهي: متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمَّارة
(2)
؛ فإنّ اتِّباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصدُّ عن اتِّباع الحقِّ، ويضلُّ عن الطريق
(3)
المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتَّة. والعبد إذا اتَّبع هواه فسد رأيه ونظره، فأَرَتْه نفسُه الحسن في صورة القبيح، والقبيحَ في صورة الحسن، فالتبس عليه الحقُّ بالباطل، فأنَّى له الانتفاع بالتّذكُّر، أو بالتّفكُّر، أو بالعظة؟
فصل
(4)
(وإنَّما تُجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل، والتّأمُّل في القرآن، وقلَّة الخلطة والتمنِّي والتعلُّق بغير الله والشِّبع والمنام).
يعني أنَّ في منزل التذكُّر تُجتنى ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها، وكلُّ مقامٍ تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه، ولاسيَّما على ما قرَّره في خطبة كتابه
(5)
:
(1)
ع: «للعِبَر» .
(2)
في ع زيادة: «بالسوء» .
(3)
م، ش:«الصراط» .
(4)
أُلحق في هامش ش: «قال صاحب المنازل» . والنص منه (ص 15).
(5)
(ص 3)، ولفظه:«إن العبد لا يصح له مقام حتى يرتفع عنه، ثم يُشرف عليه فيصححه» .
كلُّ
(1)
مقامٍ يصحِّح ما قبله.
ثمَّ ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء، أحدها: قصر الأمل، والثاني: تدبُّر القرآن، والثّالث: تجنُّب مفسدات القلب الخمسة.
فأمَّا (قصر الأمل) فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدَّة الحياة
(2)
، وهو من أنفع الأمور للقلب، فإنّه يبعثه على مغافصة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمرُّ مرَّ السّحاب، ومبادرة طيِّ صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثُّه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط، ويزهِّده في الدُّنيا ويرغِّبه في الآخرة، فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعةَ قصر الأمل شاهدٌ من شواهد اليقين يُريه فناء الدُّنيا وسرعةَ انقضائها وقلَّة ما بقي منها، وأنها قد ترحَّلت مدبرةً، ولم يبق منها إلا صبابةٌ كصبابة الإناء يتصابُّها صاحبها
(3)
، وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يومٍ صارت شمسه على رؤوس الجبال؛ ويريه بقاء الآخرة ودوامها، وأنها قد ترحَّلت مقبلةً، وقد جاء أشراطها وأعلامها
(4)
، وأنه مِن لقائها كمسافرٍ خرج صاحب له يتلقَّاه، وكلٌّ منهما يسير إلى الآخر، فيوشك أن يلتقيا سريعًا.
(1)
ع: «أن كلَّ» .
(2)
م، ج، ن:«مدة عمر الحياة» ، ولعل منشأه ما في الأصل حيث كتب ناسخه:«مدة العمر الحياة» مع الضرب على كلمة «العمر» لكن بطريقة يوهم أن الضرب على أداة التعريف فقط.
(3)
أي: البقية اليسيرة في الإناء يشربها صاحبها. وهو مقتبس من خطبة لعُتبة بن غزوان المازني رضي الله عنه خطبها بالبصرة. أخرجها مسلم (2967/ 14).
(4)
ع: «علامتها» .
ويكفي في قصر الأمل: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205 - 207]، وقولُه تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
(1)
كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45]، وقولُه:{(45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ} [النازعات: 46]، وقولُه:{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 112 - 114]، وقولُه:{يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)} [الأحقاف: 35]، وقولُه تعالى:{يَوْمَ نَنفُخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} [طه: 102 - 104].
وخطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا أصحابه
(2)
والشمس على رؤوس الجبال، فقال:«إنَّه لم يبق من الدُّنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه»
(3)
.
ومرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أصحابه، وهم يعالجون خُصًّا لهم قد وَهَى
(1)
كذا منقوطًا في الأصل وع، وهي قراءة الجميع عدا حفص عن عاصم فقرأ بالياء {يَحْشُرُهُمْ}. انظر:«النشر في القراءات العشر» (2/ 262).
(2)
ع: «أصحابه يومًا» .
(3)
أخرجه أحمد (11143) والترمذي (2191) والحاكم (4/ 506) من حديث أبي سعيد الخدري. قال الترمذي: «حديث حسن» . وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان، فيه لين، ولكنه توبع، والحديث صحيح بمجموع متابعاته وشواهده. انظر:«مسند أحمد» (6173) و «أنيس الساري» (1341).
وهم يصلحونه، فقال «ما هذا؟» قالوا: خُصٌّ لنا قد وهى فنحن نعالجه، فقال:«ما أرى الأمر إلَّا أعجلَ من هذا»
(1)
.
وقصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقُّن زوال الدُّنيا ومفارقتها، وتيقُّن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها، ثمّ يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار.
فصل
وأمَّا (التأمُّل في القرآن) فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمعُ الفكر على تدبُّره وتعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرَّد تلاوته بلا تفهُّمٍ
(2)
ولا تدبُّرٍ، قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]. وقال تعالى: {(23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ} [محمد: 24]. وقال: {(67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا} [المؤمنون: 68]. وقال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]. وقال الحسن رضي الله عنه: نزل القرآن ليُتدبَّر ويُعمَل به، فاتَّخَذوا تلاوته عملًا
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد (6502) وأبو داود (5236) والترمذي (2335) والبخاري في «الأدب المفرد» (456) وابن حبان (2997) من حديث عبد الله بن عمرو. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
والخُصُّ: البيت من القصب، وجمعه: خُصوص وأخصاص. سُمِّي بذلك لما فيه من الخَصاص، وهي الفُرَج.
(2)
ع: «فهمٍ» .
(3)
عزاه إلى الحسن ابنُ قُتيبة في «تأويل مشكل القرآن» (ص 233) ولم يسنده. وإنما أسنده الآجري في «أخلاق حملة القرآن» (ص 76) والخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (116) عن الفضيل بن عياض رحمه الله قوله. وعزاه صاحب «قوت القلوب» (1/ 145) ــ وعنه صاحب «الإحياء» (1/ 275) ــ إلى ابن مسعود، ولا إخاله يصح.
فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبُّر القرآن وإطالة التأمُّل له، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشرِّ بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتَتُلُّ
(1)
في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبِّت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيِّد بُنيانه وتوطِّد أركانه، وتريه صورة الدُّنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتُحضره بين الأمم وتريه أيّام الله فيهم، وتبصِّره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرِّفه ذاته وأسماءه وصفاتِه وأفعالَه، وما يحبُّه وما يبغضه، وصراطَه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول إليه والقدوم عليه، وقواطعَ الطريق وآفاتِها، وتعرِّفه النفسَ وصفاتِها، ومفسداتِ الأعمال ومصحِّحاتها، وتعرِّفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالَهم وأحوالهم وسيماهم، ومراتبَ أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسامَ الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه.
وبالجملة تعرِّفه الربَّ المدعوَّ إليه، وطريقَ الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.
وتعرِّفه في مقابل ذلك ثلاثةً أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.
(1)
أي: تَصبُّ وتُلقي، وكأن التعبير مقتبس من حديث أبي هريرة في «المسند» (10517) وغيره:«بينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّتْ في يدي» . هذا، وقد ضُبط في الأصل وع بالثاء المثلثة:«تَثُلُّ» ، وهو بمعناه.
فهذه ستَّة أمورٍ ضروريَّة للعبد معرفتُها. ومشاهدتُها ومطالعتُها تُشهده
(1)
الآخرة حتى كأنَّه فيها، وتغيِّبه عن الدُّنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميِّز له بين الحقِّ والباطل في كلِّ ما اختَلَف فيه العالَم، فتريه الحقّ حقًّا والباطل باطلًا، وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرِّق به بين الهدى والضلال والغيِّ والرَّشاد، وتعطيه قوَّةً في قلبه وحياةً وسعةً وانشراحًا وبهجةً وسرورًا، فيَصير في شأنٍ والناس في شأنٍ آخر.
فإنَّ معاني القرآن دائرةٌ على التَّوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما يتنزَّه عنه من سمات النّقص
(2)
؛ وعلى الإيمان بالرُّسل، وذكر براهين صدقهم وأدلَّة صحَّة نبوَّتهم، والتّعريف بحقوقهم وحقوق مُرسِلهم؛ وعلى الإيمان بملائكته ــ وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرُهم الأمورَ بإذنه ومشيئته ــ، وما جُعلوا عليه من أمر العالم العلويِّ والسُّفليِّ، وما يختصُّ بالنوع الإنسانيِّ منهم حين يستقرُّ في رحم أمِّه إلى أن يوافي ربَّه ويَقْدَمَ عليه؛ وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعدَّ الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشوبها ألم ولا نكد ولا تنغيص، وما أعدَّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح، وتفاصيلِ ذلك أتمَّ تفصيلٍ وأبينَه؛ وعلى
(3)
تفاصيل الأمر والنهي، والشرع
(1)
كذا في الأصل. وفي سائر النسخ: «فتشهده» ، وعليه يكون «مشاهدتُها ومطالعتُها» معطوفًا على «معرفتها» .
(2)
علَّق ابن أبي العز في هامش نسخته (ل) بإزاء هذه الفقرة: «وما يجب ويجوز ويستحيل للحق وللخلق» .
(3)
واو العطف ساقطة من جميع النسخ عدا ع.
والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعِبَر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات في خلقه وأمره.
فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربِّه بالوعد الجميل، وتحذِّره وتخوِّفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثُّه على التضمُّر والتخفُّف للقاء اليوم الثقيل، وتَهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصدُّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النِّعم بشكر ربِّه الجليل، وتبصِّره بحدود الحلال والحرام وتَقِفُه
(1)
عليها لئلَّا يتعدَّاها فيقع في العناء الطَّويل، وتثبِّت قلبه عن الزيغ والميل عن الحقِّ والتّحويل، وتسهِّل عليه الأمور الصِّعاب والعقبات الشاقَّة غاية التسهيل، وتناديه كلَّما فترت عزماتُه وونى في سيره: تقدَّم الرّكب وفاتك
(2)
، فاللَّحاق اللَّحاق، والرحيل الرحيل! وتحدو به وتسير أمامه سيرَ الدليل، وكلَّما خرج عليه كمينٌ من كمائن العدوِّ أو قاطعٌ من قطّاع الطّريق نادَتْه: الحذر الحذر! فاعتصِمْ بالله واستعن به وقُل: حسبي الله ونعم الوكيل.
وفي تأمُّل القرآن وتدبُّره وتفهُّمه أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه
(3)
من الحكم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز، طِلَّسْمُه
(4)
: الغوص بالفكر إلى قرار معانيه.
(1)
ع: «توقفه» ، خلاف الفصيح.
(2)
في ع زيادة: «الدليل» .
(3)
ع: «ذكرنا» دون الهاء.
(4)
أي: سِرُّ إدراكه.
نزِّه فؤادك عن سوى روضاته
…
فرياضه حِلٌّ لكلِّ منزِّهِ
والفهمُ طِلَّسْمٌ لكنزِ علومه
…
فاقصد إلى االطلَّسْمِ تحظَ بكنزهِ
لا تخش من بدعٍ لهم وحوادثٍ
…
ما دمتَ في كنف الكتاب وحرزهِ
من كان حارسَه الكتابُ ودرعَه
…
لم يخش من طعن العدوِّ ووَخْزهِ
(1)
لا تخشَ من شبهاتهم واحمِلْ إذا
…
ما قابلتك بنصره وبعزِّه
والله ما هاب امرؤٌ شبهاتِهم
…
إلَّا لضعف القلب منه وعجزهِ
يا ويحَ تيسٍ ظالعٍ يبغي مسا
…
بقة الهِزَبْرِ بعَدْوه وبجَمْزهِ
(2)
ودخانِ زَبلٍ يرتقي للشّمس يَسـ
…
ـتُرُ عينها لمَّا سرى في أزِّه
وجبانِ قلبٍ أعزلٍ قد رام يأ
…
سِرُ فارسًا شاكي السِّلاح بهزِّه
(3)
فصل
وأمَّا مفسدات القلب الخمسة، فهي التي أشار إليها مِن كثرة الخلطة، والتمنِّي، والتعلُّق بغير الله، والشِّبع، والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب، فنذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميَّز به كلُّ واحدٍ منها:
اعلم أنّ القلب يسير إلى الله والدّار الآخرة، ويكشف عن طريق الحقِّ ونهجه، وآفاتِ النفس والعمل وقطاعِ الطريق= بنوره وحياته وقوَّته، وصحَّته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشّواغل والقواطع عنه. وهذه
(1)
ع: «ووَكْزه» . كلاهما بمعنى الطعن إلا أن الوخز يكون بالرمح والخنجر ونحوهما، والوكز يكون باليد والعصا.
(2)
الظالع: الذي يعرج ويغمز في مشيه. والجمز: العَدو فوق العَنَق ودون الحُضْر.
(3)
الظاهر أن هذه الأبيات من نظم المؤلف.
الخمسة تطفئ نوره، وتُغوِّر
(1)
عينَ بصيرته، وتُثقل سمعه إن لم تُصِمَّه
(2)
وتُبكِمْه، وتُضعفُ قواه كلَّها وتوهن صحَّته، وتُفتِّر عزيمته وتوقف همَّته، وتنكسه إلى ورائه. ومن لا شعور له بهذا فميِّت القلب «وما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ»
(3)
.
فهي عائقةٌ له عن نيل كماله، قاطعةٌ له عن الوصول إلى ما خُلق له وجُعِل نعيمُه وسعادته وابتهاجه ولذَّته في الوصول إليه، فإنّه لا نعيم له ولا لذّة ولا ابتهاج ولا كمال إلَّا بمعرفة الله ومحبَّته، والطُّمأنينةِ بذكره
(4)
، والفرحِ والابتهاج بقُربه، والشَّوقِ إلى لقائه؛ فهذه جنَّته العاجلة، كما أنَّه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلَّا بجواره في دار النعيم في الجنَّة الآجلة؛ فله جنّتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله يقول: إنَّ في الدُّنيا جنَّةً مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة
(5)
.
وقال بعض العارفين: إنّه ليمرُّ بالقلب أوقاتٌ أقول: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيشٍ طيِّبٍ
(6)
.
(1)
كذا مضبوطًا في ل. وفي م: «تُعْوِر» . ولم يُحرَّر في الأصل.
(2)
م: «تُعْمه» .
(3)
عَجُز بيت سائر للمتنبي، صدره:«من يَهُن يسهلِ الهَوان عليه» ، وقد تقدَّم.
(4)
في ل كتب تحت هذا السطر: «والقيام بخدمته» . وكأنها زيادة مقترحة من الناسخ.
(5)
ذكره المؤلف في «الوابل الصيِّب» (ص 109) أيضًا.
(6)
ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (4/ 286) وابن العديم في «بغية الطلب» (10/ 4477) وابن المِبْرَد في «صبِّ الخمول» (ص 165) عن أبي سليمان المغربي [في «صبِّ الخمول»: المقرئ، تصحيف] الزاهد نزيل طرسوس في قصة له.
وقال بعض المحبِّين: مساكينُ أهلُ الدُّنيا! خرجوا من الدُّنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبّة الله والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه
(1)
. أو نحو هذا من الكلام.
وكلُّ من له قلبٌ حيٌّ يشهد هذا ويعرفه ذوقًا.
وهذه الأشياء الخمسة قاطعةٌ عن هذا، حائلةٌ بين القلب وبينه، عائقةٌ له عن سيره، محدثةٌ له أمراضًا وعللًا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها.
فأمَّا ما تؤثره
(2)
كثرة الخلطة، فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتّى يسودَّ، ويوجب له تشتُّتًا وتفرُّقًا، وهمًّا وغمًّا وضعفًا، وحملًا لما يعجِز عن حمله من مؤنة قرناء السُّوء، وإضاعةِ مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسيمِ فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟
هذا، وكم جلبت خلطة الناس مِن نقمة، ودفعت من نعمة، وأَنزلت من محنة، وعطَّلت من منحة، وأحلَّت من رزيَّة، وأوقعت في بليَّة؟ وهل آفة النّاس إلَّا الناس؟ وهل كان على أبي طالبٍ عند الوفاة أضرُّ من قرناء السُّوء؟ لم يزالوا به حتَّى حالوا بينه وبين كلمةٍ واحدةٍ توجب له سعادة الأبد
(3)
.
(1)
أسند الدِّينَوَري في «المجالسة» (222) وأبو نُعيم في «الحلية» (2/ 358) عن التابعي الزاهد مالك بن دينار نحوه، إلا أنه قال:«معرفة الله تعالى» . وأسند أبو نعيم (8/ 167) أيضًا عن عبد الله بن المبارك مثله.
(2)
ع: «تورثه» .
(3)
كما في حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عند البخاري (1360) ومسلم (24).
وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودَّةٍ في الدُّنيا وقضاء وَطَرِ بعضهم من بعضٍ تنقلب إذا حقَّت الحقائق عداوةً، يعضُّ
(1)
المخالط عليها يديه ندمًا، كما قال تعالى:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29]. وقال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67].
وقال خليله إبراهيم عليه السلام لقومه: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25]. وهذا شأن كلِّ مشتركين في غرضٍ، يتوادُّون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامةً وحزنًا وألمًا، وانقلبت تلك المودَّة بغضًا ولعنةً وذمًّا من بعضهم لبعضٍ لمَّا انقلب ذلك الغرض خزيًا
(2)
وعذابًا، كما يُشاهَد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خَرْبةٍ
(3)
إذا أُخِذوا وعوقبوا، فكلُّ متساعدين على باطلٍ متوادِّين عليه لا بدَّ أن تنقلب مودَّتُهما بغضًا وعداوةً.
والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير كالجمعة
(1)
ع: «ويعضُّ» .
(2)
م، ع:«حزنًا» ، تصحيف.
(3)
الخربة: الجناية والبليَّة. وقد تصحَّفت الكلمة في النسخ المطبوعة إلى: «خزيه» أو «خزية» .
والجماعات
(1)
، والأعياد والحجِّ، وتعليم العلم، والجهاد والنصيحة. ويعتزلهم في الشّرِّ وفضول المباحات، فإذا
(2)
دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشرِّ ولم يُمكنه اعتزالهم فالحذرَ الحذرَ أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنَّهم لا بدَّ أن يؤذوه إن لم يكن له قوَّة ولا ناصر، ولكن أذًى يعقبه عزٌّ ومحبَّة له وتعظيم، وثناءٌ عليه منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين. وموافقتهم يعقبها ذلٌّ وبغضٌ له ومقتٌ، وذمٌّ منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين، فالصبر على أذاهم خير وأحسنُ عاقبةً وأحمدُ مآلًا.
وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعةً لله إن أمكنه، ويشجِّع نفسه ويقوِّي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطعِ له عن ذلك بأنَّ هذا رياء ومحبَّة لإظهار علمك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربه وليستعن بالله تعالى، ويؤثِّر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن عجَّزته المقادير عن ذلك، فليَسُلَّ قلبه من بينهم كسَلِّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، نائمًا يقظانَ
(3)
، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنَّه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقي به إلى الملأ الأعلى، يسبِّح حول العرش مع الأرواح العُلويَّة الزاكيَّة.
وما أصعبَ هذا وأشقَّه على النُّفوس، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه، فبين العبد وبينه أن يَصدُقَ الله ويديم اللَّجأ إليه، ويُلقي نفسه على بابه طريحًا
(1)
ع: «والجماعة» .
(2)
ع: «فإن» .
(3)
طبعة الفقي والصميعي: «يقظانًا» خلافًا للنسخ ولقاعدة اللغة.
ذليلًا. ولا يعين على هذا إلّا المحبَّةُ الصادقة
(1)
والذِّكر الدّائم بالقلب واللِّسان، وتجنُّبُ المفسدات الأربعة الباقية الآتي ذكرُها، ولا ينال هذا إلَّا بعدَّةٍ صالحةٍ ومادَّة قويَّةٍ من الله، وعزيمةٍ صادقة، وفراغٍ من التّعلُّق بغير الله.
فصل
المفسد الثاني من مفسدات القلب: ركوبه بحر التمنِّي، وهو بحرٌ لا ساحل له. وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم.
إنَّ المُنى رأس أموال المفاليس
(2)
وبضاعة ركَّابه مواعيد الشياطين وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب بالجيفة.
وهي بضاعة كلِّ نفسٍ مهينةٍ خسيسة سفليَّة، ليست لها همَّةٌ تنال بها الحقائق الخارجيَّة، فاعتاضت عنها بالأماني الذِّهنية، وكلٌّ بحسب حاله، مِن مُتمنٍّ للقدرة والسُّلطان، أو للضّرب في الأرض والتَّطواف
(3)
في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنِّسوان والمُردان، فيمثِّل المتمنِّي صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصلها، والتذَّ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ
(1)
ع: «محبَّة صادقة» .
(2)
عجزُ بيتٍ سائر، صدره:
إذا تمنَّيت بتُّ الليل مغتبطًا
ذكره مع بيت آخر الجاحظُ في «الحيوان» (5/ 191) دون عزو. وانظر: «عيون الأخبار» (1/ 261) و «أدب الدنيا والدين» (ص 361) و «بهجة المجالس» (1/ 125).
(3)
ل: «والطواف» .
فإذا يده والحصير.
وصاحب الهمَّة العليَّة أمانيه حائمةٌ حول العلم والإيمان والعمل الذي يقرِّبه من ربِّه
(1)
ويدنيه من جواره، فأمانيُّ هذا إيمان ونور
(2)
، وأمانيُّ أولئك خَدْعٌ وغرور.
وقد مدح النبيُّ صلى الله عليه وسلم متمنِّي الخير، وربَّما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله، كالقائل: لو أنَّ لي مالًا لعملت بعمل فلانٍ الذي يتَّقي في ماله ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويخرج منه حقَّه؛ وقال:«هما في الأجر سواءٌ»
(3)
. وتمنَّى صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع أنّه لو كان تمتَّع وحلَّ ولم يَسُق الهدي، وكان قد قرن
(4)
، فأعطاه الله
(5)
ثواب القِران بفعله وثوابَ التمتُّع الذي تمنَّاه بأمنيته، فجمع له بين الأجرين.
فصل
المفسد الثالث من مفسدات القلب: التعلُّق بغير الله. وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق، فليس عليه أضرُّ من ذلك، ولا أقطعُ له عن الله
(1)
ع: «يقربه إلى الله» .
(2)
زيد في ع: «وحكمة» .
(3)
أحمد (18024، 18031) والترمذي (2325) وابن ماجه (4228) من حديث أبي كبشة الأنماري. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(4)
كما في حديثَي جابر وعائشة المتفق عليهما. البخاري (1651، 7229) ومسلم (1216، 1211).
(5)
الاسم المعظَّم من ع وهامش ل مصحَّحًا عليه، ولم يظهر في الأصل ــ إن وُجد ــ لكونه في طرف الورقة المثنية، وليس في سائر النسخ.
وأحجبُ له عن مصالحه وسعادته منه، فإنَّه إذا تعلَّق بغير الله وَكَله الله
(1)
إلى من تعلَّق به، وخذله من جهة مَن تعلَّق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله بتعلُّقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمَّله ممَّن تعلَّق به وصل! قال تعالى:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81 - 82]، وقال تعالى:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: 74 - 75].
فأعظم الناس خِذلانًا من تعلَّق بغير الله، فإنَّ ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظمُ ممَّا حصل له ممَّن تعلَّق به، وهو معرَّض للزوال والفوات. ومثل المتعلِّق بغير الله كمثل المستظلِّ من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.
وبالجملة فأساس الشِّرك وقاعدته التي بُني عليها: التّعلُّق بغير الله، ولصاحبه الذّمُّ والخِذلان، كما قال تعالى:{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} [الإسراء: 22] مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك، إذ قد يكون بعض الناس مقهورًا محمودًا كالذي قُهر بباطلٍ، وقد يكون مذمومًا منصورًا كالذي قَهَر وتسلَّط
(2)
بباطلٍ، وقد يكون محمودًا منصورًا كالذي تمكَّن ومَلَك بحقٍّ، والمشرك المتعلِّق بغير الله قسمه أردى الأقسام الأربعة، لا محمودٌ ولا منصور!
(1)
الاسم المعظَّم ليس في ش، م.
(2)
زيد في ع: «عليه» .
فصل
المفسد الرّابع من مفسدات القلب: الطعام. والمفسد له من ذلك نوعان:
أحدهما: ما يُفسده لعينه وذاته كالمحرَّمات، وهي نوعان: محرّماتٌ لحقِّ الله، كالميتة والدّم ولحم الخنزير، وذي النّاب من السِّباع والمِخلَب من الطير؛ ومحرّماتٌ لحقِّ العباد، كالمسروق والمغصوب والمنهوب، وما أُخِذ بغير رضا صاحبه، إمَّا قهرًا وإمَّا حياءً وتذمُّمًا.
والثاني: ما يفسده بقَدْره وتعدِّي حدِّه، كالإسراف في الحلال، والشِّبع المُفرط، فإنَّه يثقله عن الطاعات، ويَشْغَلُه بمزاولة مؤنة البِطنة ومحاولتها حتَّى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرُّفها ووقاية ضررها والتّأذِّي بثقلها، وقوَّى عليه موادَّ الشهوة وطُرُقَ مجاري الشيطان ووسَّعها، فإنَّه يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فالصَّوم يضيِّق مجاريه ويسدُّ عليه طرقه، والشِّبع يُطرِّقها ويوسِّعها.
ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا. وفي الحديث المشهور:«ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بِحَسْب ابن آدم لقيماتٌ يُقِمن صُلبَه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه»
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد (17186) والترمذي (2380) والنسائي في «الكبرى» (6737 - 6739) وابن ماجه (3349) وابن حبان (674، 5236) والحاكم (4/ 121) من حديث المقدام بن معديكرب. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.