الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البقاء بمراده فرقًا وجمعًا به وله.
وعلى هذا فالورع الخاصُّ: الورع عن كلِّ حالٍ يعارض حالَ القيام بالأمر، والبقاءُ به فرقًا وجمعًا. وبالله المستعان.
فصل
الخوف يثمر الورع
والاستقامة وقصر الأمل. وقوَّةُ الإيمان باللِّقاء تثمر الزُّهد. والمعرفة تثمر المحبَّة والخوف والرّجاء. والقناعة تثمر الرِّضاء. والذِّكر يثمر حياة القلب.
والإيمان بالقدر يثمر التّوكُّل. ودوام تأمُّل الأسماء والصِّفات يثمر المعرفة.
والورع يثمر الزُّهد أيضًا. والتوبة تثمر المحبَّة أيضًا، ودوام الذِّكر يثمرها. والرِّضا يثمر الشُّكر. والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات.
والإخلاص والصِّدق كلٌّ منهما يثمر الآخر ويقتضيه. والمعرفة تثمر حسن الخُلُق. والفكرة تثمر العزيمة. والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظَ الأيام والحياء والخشية والإنابة.
وإماتة النَّفس وإذلالُها وكسرُها يوجب حياة القلب وعزَّه وجبره. ومعرفة النَّفس ومقتُها يثمر الحياء من الله تعالى، واستكثارَ ما منه، واستقلالَ ما منك من الطاعات، ومحوَ أثر الدعوى من القلب واللِّسان.
وصحَّةُ البصيرة تثمر اليقين. وحسنُ التأمُّل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة والمتلوَّة يثمر صحة البصيرة.
وملاك ذلك كلِّه أمران: أحدهما أن تَنقل قلبك من وطن الدُّنيا فتُسكنه في وطن الآخرة. ثمَّ تُقبل به كلِّه على معاني القرآن واستجلائها وتدبُّرها، وفهمِ ما يراد منه وما نزل لأجله، وأخذِ نصيبك وحظِّك من كلِّ آيةٍ من آياته وتنزيلها على أدواء قلبك.
فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنةٌ لا يلحق سالكها
(1)
خوفٌ ولا عطبٌ
(2)
، ولا فيها آفةٌ من آفات سائر الطرق البتَّة، وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم. ولا يعرف قدر هذه الطريق إلّا من عرف طرق الناس وغوائلها
(3)
وقطَّاعها. والله المستعان.
* * * *
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة التبتُّل. قال الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8].
والتّبتُّل: الانقطاع، وهو (تَفَعُّل) من البَتْل وهو القطع. وسمِّيت مريمُ «البتول» لانقطاعها عن الأزواج وعن نظراء زمانها
(1)
، ففاقت نساء الزّمان شرفًا وفضلًا وقُطعت منهنَّ.
ومصدرُ تبتَّل: «تبتُّلًا» كالتعلُّم والتفهُّم، ولكن جاء على التفعيل مصدرُ (تفَعَّلَ)
(2)
لسرٍّ لطيفٍ، فإنَّ في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل والتكثير والمبالغة
(3)
؛ فأتى بالفعل الدالِّ على أحدهما، والمصدر الدالِّ على الآخر، فكأنه قيل: بتِّلْ نفسك إليه تبتيلًا، وتبتَّلْ أنت إليه تبتُّلًا؛ ففُهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثيرٌ في القرآن، وهو من أحسن الاختصار والإيجاز.
(1)
ع: «نظراء نساء زمانها» .
(2)
كذا في جميع النسخ. أي: جاء مصدرُ (تفعَّلَ) في الآية على التفعيل ــ وهو خلاف الأصل ــ لسرٍّ لطيف. وقد يكون «تفعَّلَ» سبق قلم أو تصحيفًا عن «فعَّلَ» ، فيكون السياق:«جاء (أي: مصدر تبتَّل) على التفعيل مصدرِ (فعَّلَ) لسرٍّ لطيف» .
(3)
كذا في النسخ بالجمع بين معاني الفعلين على نسق، والمراد أن (تفعَّلَ) يؤذن بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل، و (فعَّل) يؤذن بالتكثير والمبالغة، فجاء الفعل (تبتَّل) من الأول، والمصدر (تبتيلًا) من الثاني، لتكون الآية دالَّة على كلا المعنيَين.
قال صاحب «المنازل» رحمه الله
(1)
: (التبتُّل: الانقطاع إلى الله تعالى بالكلِّيَّة. وقوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد: 14] أي التجريد المحض).
ومراده بالتجريد المحض: تجريد التّبتُّل عن ملاحظة الأعواض، بحيث لا يكون المتبتِّل كالأجير الذي لا يخدم إلَّا لأجل الأجرة، فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، بخلاف العبد فإنَّه يخدم سيدَه بمقتضى عبوديَّته لا للأجرة، فهو لا ينصرف عن بابه إلَّا إذا كان آبقًا. والآبق قد خرج من شرف العبوديَّة ولم يحصل له إطلاق الحرِّيَّة، فصار بذلك موكوسًا
(2)
عند سيِّده وعند عبيده.
وغاية شرف النفس دخولها تحت رقِّ العبوديّة طوعًا واختيارًا ومحبَّةً، لا كرهًا وقهرًا، كما قيل
(3)
:
(1)
كما في «شرح التلمساني» (ص 149). ولفظ مطبوعة «المنازل» (ص 25): «قال الله عز وجل: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}، التبتل: الانقطاع بالكلية، وقوله: {إِلَيْهِ} دعوة إلى التجريد المحض» . وهذا اللفظ أيضًا أثبته ناسخ ش في الهامش وقال: «كذا في نسخة صحيحة، غير الصورة التي ذكرها الشارح» . وذكر القاساني في «شرحه» (ص 128) أنه في بعض النسخ: «وقوله: {إِلَيْهِ} دعوة الحق إلى التجريد المحض» ، والظاهر أنه عن مثل هذه النسخة تصحَّفت العبارة إلى الصورة التي وردت بها عند التلمساني، ثم عند المؤلف. والله أعلم.
(2)
أي: مغبونًا خاسرًا، يقال: وُكِس الرجل في البيع، إذا أصابه خسران ونقص من رأس ماله.
(3)
لم أقف له على قائل، وقد أنشده أيضًا تلميذ المؤلف ابن رجب في «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» (ص 114) بلا نسبة.