الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نفسه أوَّلًا حيث يزعم أنّه وكَّل ربَّه فيه، وتوكَّل عليه فيه، وجعله وكيله القائمَ عنه بمصالحه التي كان يحصِّلها لنفسه بالأسباب والتصرُّفات، وغيرِ ذلك من العلل المتقدِّمة. وقد عرفت ما في ذلك.
وليس في التسليم إلَّا علَّة واحدة، وهي أن لا يكون تسليمه صادرًا عن محض الرِّضا والاختيار، بل يشوبه كرهٌ وانقباض، فيسلِّم على نوع إغماض. فهذه علَّة التسليم المؤثِّرة، فاجتهِدْ على الخلاص منها.
وإنَّما كان للعامَّة عنده لأنَّ الخاصَّة في شغلٍ عنه باستغراقهم في الفناء في عين الجمع. وجعلُ الفناء غايةَ الاستغراق في عين الجمع هو الذي أوجب ما أوجب، والله المستعان.
قال
(1)
: (وهو على ثلاث درجاتٍ:
الدرجة الأولى:
تسليم ما يزاحم العقول ممَّا سبق
(2)
على الأوهام من الغيب، والإذعانُ لما يغالب القياس من سير الدُّول والقِسَم، والإجابةُ لما يفزع المريد من ركوب الأحوال
(3)
).
اعلم أنَّ التسليم هو الخلاص من شُبهةٍ تعارض الخبر، أو شهوةٍ تعارض الأمر، أو إرادةٍ تعارض الإخلاص، أو اعتراضٍ يعارض القدر والشرع.
(1)
«المنازل» (ص 36 - 37).
(2)
ج، ن:«يشق» ، وهو لفظ «المنازل» و «شرح التلمساني» (ص 212). وفي ل:«يسبق» ، وإليه غُيِّر في الأصل. والمثبت هو الذي شرح عليه المؤلف كما سيأتي.
(3)
في هامش ج: «خ: الأهوال» ، أي أنه في نسخة كذلك. وهو لفظ مطبوعة «المنازل» و «شرح القاساني» (ص 188، 190). والمثبت من النسخ موافق لـ «شرح التلمساني» (ص 212).
وصاحب هذا التخلُّص هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو إلَّا من أتى الله به، فإنَّ التسليم ضدُّ المنازعة.
والمنازعة إمَّا بشبهةٍ فاسدةٍ تعارض الإيمان بالخبر عمَّا وصف الله تعالى به نفسه من صفاته وأفعاله، أو ما أخبر به من اليوم الآخر، وغير ذلك. فالتسليم له ترك منازعته بشبهات المتكلِّمين الباطلة.
وإمَّا بشهوةٍ تعارض أمر الله. فالتسليم للأمر بالتخلُّص منها.
أو إرادةٍ تعارض مراد الله من عبده، فتعارضه إرادةٌ تتعلَّق بمراد العبد من الربِّ. فالتسليم بالتخلُّص منها.
أو اعتراضٍ يعارض حكمته في خلقه وأمره، بأن يظنَّ أنّ مقتضى الحكمة خلاف ما شرع، وخلاف ما قضى وقدَّر.
فالتسليم: التخلُّص من هذه المنازعات كلِّها.
وبهذا يتبيَّن أنَّه من أجلِّ مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصَّة، وأنَّ التسليم هو محض الصدِّيقيَّة التي هي بعد درجة النبوَّة، وأنَّ أكمل الناس تسليمًا أكملُهم صدِّيقيَّةً.
فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ.
أمَّا قوله: (تسليم ما يزاحم العقول ممَّا سبق
(1)
على الأوهام)، يعني: أنَّ التسليم يقتضي
(2)
ما ينهى عنه العقل ويزاحمه، فإنَّه يقتضي التجريد عن
(1)
ل: «يسبق» .
(2)
ش: «نقيض» .
الأسباب، والعقلُ يأمر بها. فصاحب التسليم يسلِّم إلى الله عز وجل ما هو غيبٌ عن العبد، فإنَّ فعله سبحانه لا يتوقَّف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرُّد عنها.
فإذا سلَّم لله لم يلتفت إلى السبب في كلِّ ما غاب عنه. فالأوهام يسبق عليها أنَّ ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلَّا بالأسباب، والتسليم يقتضي التجرُّد عنها، والعقل ينهى عن ذلك، والوهم قد سبق
(1)
عليه أنَّ الغيب موقوفٌ عليها.
فهاهنا أمورٌ ستَّة: عقل، ومزاحِمٌ له، ووهم، وسابقٌ إليه، وغيب، وتسليم لهذا المزاحم.
فالعقل هو الباعث له على الأسباب، الداعي له إليها، التي إذا خرج الرجل عنها عُدَّ قدحًا في عقله.
والمزاحم له: التجرُّد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمَّة الأمورِ مواردِها ومصادرِها
(2)
.
والوهم: اعتقاده توقُّف حصول السَّعادة والنَّجاة وحصول المقدور كائنًا ما كان عليها، وأنَّه لولاها لما حصل المقدور. وهذا هو السابق إلى الوهم.
والمغيب: الحكم الذي غاب عنه، وهو فعل الله.
والتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم
(3)
.
(1)
ل: «يسبق» .
(2)
ع: «ومواردُها ومصادرُها» .
(3)
ما سبق بسط لكلام التلمساني في «شرحه» (ص 212)، وسيتعقَّبه المؤلف.
مع أنَّ في تنزيل عبارته على هذا، وإفراغِ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظر
(1)
.
وفيه وجهٌ آخر
(2)
، وهو أن يكون المراد: التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب ممَّا يزاحم معقوله في بادي الرَّأي ويسبق إلى وهمه أنَّ الأمر بخلافه، فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أُخبِرت به شيءٌ يزاحم معقولها، فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم؛ فإنَّ كثيرًا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة، ويسبق إلى الوهم خلافُه. فالتسليم: تسليم هذا المزاحم إلى وليِّه ومَن أخبر به، والتجرُّد عمَّا يسبق إلى الوهم ممَّا يخالفه.
وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله. فالأوَّل تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العمليِّ القصديِّ الإراديِّ، وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلميِّ الخبريِّ الاعتقاديِّ. وهذا حقيقة التسليم.
قوله: (والإذعان لما يغالب القياس مِن سير الدُّول والقِسَم)، أي الانقياد لما يقاوي عقلَه وقياسه ممَّا جرى به حكم الله في الدُّول قديمًا وحديثًا مِن طيِّ دولةٍ ونشر دولةٍ، وإعزاز هذه وإذلال هذه، والقِسَم التي قَسَمها على خلقه مع شدَّة تفاوتها، وتباين مقاديرها وكيفيَّاتها وأجناسها؛ فيذعن لحكمة الله في ذلك، ولا يعترض ما وقع منها بشبهةٍ وقياسٍ.
(1)
كذا في النسخ، والوجه النصب.
(2)
وهو أيضًا مما أبداه التلمساني (ص 212 - 213)، فهذَّبه المؤلف على طريقته.