الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1)
.
وأمَّا الإنصاف في حقِّ العبيد، فأن يعاملهم بمثل ما يحبُّ أن يعاملوه به.
ولعمرُ اللهِ هذا الذي ذَكَر
(2)
أنه اعتصام العامَّة هو اعتصام خاصَّة الخاصَّة في الحقيقة، ولكنّ الشّيخ رحمه الله ممَّن رُفع له عَلَم الفناء فشمَّر إليه، فلا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يرى مقامًا أجلَّ منه.
فصل
قال
(3)
: (و
اعتصام الخاصَّة
بالانقطاع، وهو صون الإرادة قبضًا، وإسبال الخُلُق على الخَلْق بسطًا، ورفض العلائق عزمًا، وهو التّمسُّك بالعروة الوثقى).
(1)
لم أجده.
(2)
تصحفَّ «الذي ذكر» إلى «الدين ولو» في الأصل وغيره، والتصحيح من ع.
(3)
«المنازل» (ص 16). و «قال» ساقط من النسخ عدا م، ش، ع.
يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة، فيصون إرادته ويقبضها عمَّا سوى الله تعالى، وهذا شبيهٌ بحال أبي يزيد
(1)
رحمه الله فيما أخبر به عن نفسه لمَّا قيل له: ما تريد؟ فقال: أريد أن لا أريد.
الثاني: (إسبال الخُلق على الخَلق بسطًا)، وهذا حقيقة التصوُّف، فإنَّه كما قال بعض العارفين
(2)
: «التّصوُّف خلقٌ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التّصوُّف» . فإنّ حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق يدلُّ على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيَّته.
وفي هذا الوصف: يكفُّ الأذى، ويحمل الأذى، ويوجد الرَّاحة، ويدير خدَّه الأيسر لمن لطمه على الأيمن
(3)
، ويعطي رداءه لمن سلبه قميصَه، ويمشي ميلين مع من سخَّره ميلًا، وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها.
وأمَّا (رفض العلائق عزمًا) فهو العزم التامُّ على رفض العلائق وتركها في
(1)
البِسطامي (ت 261). وقوله هذا نقله ابن العَرِيف الصنهاجي في «محاسن المجالس» (ص 77). وسينقله المؤلف مرَّة أخرى (ص 334) معقبًّا عليه بقوله: «وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع عقلًا وفطرةً وحسًّا وشرعًا، فإنَّ الإرادة من لوازم الحي
…
» إلخ. وانظر: «طريق الهجرتين» للمؤلف (1/ 488) و «جامع المسائل» لشيخ الإسلام (6/ 11 - 13) و «مجموع الفتاوى» (10/ 218).
(2)
ع: «قال أبو بكر الكتاني» . هو أبو بكر محمد بن علي الكتَّاني البغدادي (ت 328)، وقوله مسند إليه في «تاريخ بغداد» (4/ 127) و «رسالة القشيري» (ص 529).
(3)
ع: «لمن لطم الأيمن» .
ظاهره وباطنه. والأصل هو قطع علائق الباطن، فمتى قطعها لم تضرَّه علائق الظاهر، فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرَّك ولو كَثُر، ومتى كان في قلبك ضرَّ
(1)
ولو لم يكن في يديك منه شيءٌ. قيل للإمام أحمد رحمه الله: يكون
(2)
الرجل زاهدًا ومعه ألفُ دينار؟ قال: «نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت»
(3)
. ولهذا كان الصّحابة رضي الله عنهم أزهدَ الأمَّة مع ما بأيديهم من الأموال
(4)
.
وإنّما يُحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين: حيث يخاف منها ضررًا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة، والكمال من ذلك قطع العلائق التي تصير كلاليبَ على الصِّراط تمنعه من العبور، وهي كلاليب الشَّهوات والشُّبهات، ولا يضرُّه ما تعلَّق به بعدها.
(1)
ع: «ضرَّك» .
(2)
بتقدير همزة الاستفهام، وهي مثبتة في ع. وفي م، ش:«كيف يكون» ، زيادة تفسد المعنى.
(3)
ذكره المؤلف في «عدة الصابرين» (ص 510). وهو في «طبقات الحنابلة» عن الخلَّال أنه بلغه ذلك عن الإمام، ولفظه:«ومعه مائة دينار» . تنبيه: سقطت كلمة «مائة» من طبعتي الفقي (2/ 14) والعثيمين (3/ 26)، واستدركتها من مخطوطتين للكتاب (نسخة يني جامع بتركيا، ونسخة كتابخانه مجلس شورى بإيران).
وأسنده الخلال في رسالة «الحث على التجارة» (19) عن سفيان بن عيينة من قوله، ولفظه:«مائة دينار» أيضًا، وزاد:«ولا يكره الموت لفراقها» .
(4)
زِيد بعده في ع: «وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدًا؟ قال: نعم، إن كان إذا زيد في ماله شكر، وإذا نقص شكر وصبر» . وهو في «حلية الأولياء» (6/ 387 - 388) بنحوه.