الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} :
منزلة التوكُّل
.
قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، وقال:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].
وقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].
وقال عن أوليائه: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ} [الممتحنة: 4]، وقال:{قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: 29].
وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79]، وقال:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81]، وقال:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58]، وقال:{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
وقال عن أنبيائه ورسله: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 12]، وقال عن أصحاب نبيِّه:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]
(1)
.
(1)
زاد في ع: «والقرآن مملوءٌ من ذلك» .
وفي «الصحيحين»
(1)
ــ حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ــ: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون» .
وفي «صحيح البخاري»
(2)
عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حين قالوا:{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .
وفي «الصحيحين»
(3)
: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهمَّ لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهمَّ أعوذ بعزَّتك ــ لا إله إلّا أنت ــ أن تضلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت والجنُّ والإنس يموتون» .
وفي «الترمذي»
(4)
عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطَّير، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا» .
وفي «السُّنن»
(5)
عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال
(1)
البخاري (6472) ــ واللفظ له ــ ومسلم (220) من حديث ابن عباس.
(2)
برقم (4563).
(3)
البخاري (7383) ومسلم (2717) من حديث ابن عباس، واللفظ لمسلم.
(4)
برقم (2344) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضًا أحمد (205) والنسائي في «الكبرى» (11805) وابن حبان (730) والحاكم (4/ 318) وغيرهم. واختاره الضياء (1/ 334).
(5)
لأبي داود (5095) والترمذي (3426) والنسائي (9837 ــ الكبرى)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (822) والضياء (4/ 372)، كلهم من طريق ابن جريج عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والأشبه أن فيه انقطاعًا بين ابن جريج وإسحاق، كما بيَّنه الدارقطني في «العلل» (2346). وله شاهد عند ابن أبي شيبة (30225) من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه، وإسناده حسن إلا أنه مرسل، يرويه عون بن عبد الله بن عتبة عن عمِّ أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه. وشاهد آخر من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (3886)، ولكن إسناده واهٍ. وصحَّ نحوه من قول كعب الأحبار مقطوعًا عند ابن أبي شيبة (29813، 29814).
ــ يعني إذا خرج من بيته ــ بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، يقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، فيقول الشيطان لشيطانٍ آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقي؟».
التّوكُّل نصف الدِّين، ونصفه الثاني الإنابة، فإنَّ الدين استعانة وعبادة، فالتوكُّل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة.
ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورةً بالنازلين لسعة متعلَّق التوكُّل، وكثرةِ حوائج العالمين، وعمومِ التوكُّل، ووقوعِه من المؤمنين والكفار، والأبرار والفجَّار، والطير والوحش والبهائم. فأهل السّماوات والأرض ــ المكلَّفون وغيرهم ــ في مقام التوكُّل وإن تباين متعلَّق توكُّلهم:
فأولياؤه وخاصَّته متوكِّلون عليه في حصول ما يرضيه منهم وفي إقامته في الخَلْق، فيتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، وفي محابِّه وتنفيذ أوامره.
ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا من الناس.
ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في معلومٍ
(1)
يناله منه من رزقٍ، أو عافيةٍ، أو نصرٍ على عدوٍّ، أو زوجةٍ أو ولدٍ، ونحو ذلك.
ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في حصول ما لا يحبه ويرضاه من الظلم والعُدوان وحصول الإثم والفواحش، فإنَّ أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلَّا باستعانتهم بالله وتوكُّلهم عليه، بل قد يكون توكُّلهم أقوى من توكُّل كثيرٍ من أصحاب الطاعات. ولهذا يُلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلِّمهم ويُظْفِرهم بمطالبهم.
فأفضل التوكُّل: التوكُّل في الواجب، أعني: واجبَ الحقِّ، وواجب الخلق، وواجب النفس. وأوسعه وأنفعه: التوكُّل في التأثير في الخارج في مصلحةٍ دينيَّةٍ، أو في دفع مفسدةٍ دينيّةٍ، وهو توكُّل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكُّل ورثتهم. ثمَّ الناس بعدُ في التوكُّل على حسب هممهم ومقاصدهم، فمن متوكِّلٍ
(2)
على الله في حصول الملك، ومتوكِّلٍ في حصول رغيفٍ.
ومن صدق توكُّله على الله في حصول شيءٍ ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكُّله مضرَّةً عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكُّل دون مصلحة ما توكَّل فيه إن لم يستعن به على طاعة
(3)
.
(1)
في ش زيادة: «يحبه» .
(2)
ل: «يتوكل» ، هنا وفي الموضع الآتي.
(3)
ع: «طاعاته» .
فصل
فلنذكر معنى التوكُّل ودرجاته وما قيل فيه.
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: التوكُّل عمل القلب
(1)
. ومعنى ذلك أنَّه عملٌ قلبيٌّ، ليس بقول اللِّسان ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات
(2)
.
ومن الناس من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الربِّ للعبد.
ومنهم من يفسِّره بالسُّكون وخمود حركة القلب، فيقول: التوكُّل هو انطراح القلب بين يدي الله، كانطراح الميِّت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء
(3)
.
أو تركِ الاختيار والاسترسالِ مع مجاري الأقدار
(4)
.
(1)
كذا نسبه المؤلف إلى الإمام أحمد هنا وفي «طريق الهجرتين» (2/ 561). وأخشى أن يكون تصحَّف عليه «الجنيد» إلى «أحمد» ، لأن القول له في كتابه «جوابات مسائل الشاميين» ، كما نقله عنه القشيري (ص 96). وإلى الجنيد يعزوه شيخ الإسلام في رسائله، كما في «مجموع الفتاوى» (7/ 186، 10/ 268، 12/ 405) وغيرها.
(2)
ش: «الإرادات» ، خطأ.
(3)
هو قول سهل بن عبد الله التستري كما أسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (1250) وذكره القشيري (ص 409).
(4)
قال أبو يعقوب النَّهرَجُوري (ت 330): «أدنى التوكل ترك الاختيار» ، أسنده البيهقي في «الشعب» (1236). وذكر صاحب «قوت القلوب» (2/ 4) عن سهلٍ أن أدنى التوكل ترك الأماني، وأوسطه ترك الاختيار.
قال سهلٌ: التوكُّل الاسترسال مع الله على
(1)
ما يريد
(2)
.
ومنهم من يفسِّره بالرِّضا، فيقول: هو الرِّضا بالمقدور.
قال بشرٌ الحافي رحمه الله: يقول أحدهم: توكَّلت على الله؛ يكذب على الله، لو توكَّل على الله رضي بما يفعل الله
(3)
.
وسُئل يحيى بن معاذٍ رضي الله عنه: متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلًا
(4)
.
ومنهم من يفسِّره بالثِّقة بالله، والطُّمأنينة إليه، والسُّكون إليه.
قال ابن عطاءٍ رضي الله عنه: التوكُّل أن لا يظهر فيك انزعاجٌ إلى الأسباب مع شدَّةِ فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السُّكون إلى الحقِّ مع وقوفك عليها
(5)
.
وقال ذو النُّون: هو ترك تدبير النفس والانخلاعُ من الحول والقوَّة
(6)
. وإنَّما يقوى العبد على التوكُّل إذا علم أنَّ الحقَّ سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.
(1)
ع: «مع» ، خطأ.
(2)
ذكره الطوسي في «اللمع» (ص 52) وعنه القشيري (ص 411).
(3)
«القشيرية» (ص 410).
(4)
«القشيرية» (ص 410).
(5)
«القشيرية» (ص 410).
(6)
إلى هنا في «اللمع» (ص 52)، وما بعده عند القشيري (ص 411)، وهو من كلامه لا تتمة كلام ذي النون. وأسند السُّلمي في «طبقاته» (ص 50) عن السَّري السقطي أنه أيضًا فسَّر التوكل بالانخلاع من الحول والقوة.
وقال بعضهم: التوكُّل التعلُّق بالله في كلِّ حالٍ
(1)
.
وقيل: التوكُّل أن تَرِد عليك موارد الفاقات، فلا تسمو إلَّا إلى من إليه الكفايات
(2)
.
وقيل: نفي الشُّكوك والتفويض إلى مالك الملوك.
وقال ذو النُّون رحمه الله: خلع الأرباب وقطع الأسباب
(3)
؛ يريد قطعها من تعلُّق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها.
ومنهم من جعله مركَّبًا من أمرين أو أمورٍ.
فقال أبو سعيدٍ الخرَّاز ــ رحمة الله عليه ــ: التوكُّل اضطرابٌ بلا سكونٍ وسكونٌ بلا اضطرابٍ
(4)
. يريد: حركةَ ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكونًا إلى المسبِّب وركونًا إليه، فلا يضطرب قلبه معه، ولا تسكن
(5)
حركته في الأسباب الموصلة إلى رضاه.
وقال أبو ترابٍ النَّخشبيُّ: هو طرح البدن في العبوديَّة، وتعلُّق القلب
(1)
ذكره القشيري (ص 412) عن أبي عبد الله القُرَشي.
(2)
انظر: «القشيرية» (ص 416).
(3)
أسنده السلمي في «تفسيره» (1/ 175) وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 380) والبيهقي في «شعب الإيمان» (1233) والقشيري (ص 412).
(4)
«القشيرية» (ص 413). وأسنده السُّلمي في «تفسيره» (2/ 119). ولعل أبا سعيد أخذ ذلك عن بشرٍ الحافي (وكان قد صحبه)، فإن أبا نعيم أسنده في «الحلية» (8/ 351) من قول بشر.
(5)
ش: «تستكن» .
بالرُّبوبيَّة، والطُّمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر وإن مُنع صبر
(1)
. فجعله مركّبًا من خمسة أمورٍ: القيام بحركات العبوديَّة، وتعلُّق القلب بتدبير الربِّ وسكونُه إلى قضائه وقدره، وطمأنينته بكفايته
(2)
، وشكره إذا أُعطي، وصبره إذا مُنع.
قال أبو يعقوب النَّهرَجُوريُّ: التوكُّل على الله بكمال الحقيقة وقع لإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام: أمَّا إليك فلا؛ لأنَّه غابت نفسه بالله، فلم ير مع الله غير الله
(3)
.
وأجمع القوم على أنَّ التوكُّل لا ينافي القيام بالأسباب، بل لا
(4)
يصحُّ التوكُّل إلَّا مع القيام بها، وإلَّا فهو بطالة وتوكُّل فاسد
(5)
.
(1)
ذكره الطوسي في «اللمع» (ص 51 - 52)، ثم عنه القشيري (ص 411). وذكره أيضًا السلمي في «تفسيره» (1/ 342).
(2)
في ع زيادة: «له» .
(3)
أسنده البيهقي في «الشعب» (1234) والقشيري (ص 412). وأما خبر جبريل مع الخليل فلم يثبت مرفوعًا، وإنما روي في آثارٍ عن السلف. انظر:«تفسير الطبري» (16/ 309) والثعلبي (18/ 152) و «شعب الإيمان» (1045) و «طبقات الحنابلة» (2/ 556) و «مجموع الفتاوى» (8/ 539).
(4)
ع: «فلا» .
(5)
كذا قال المؤلف: إن القوم أجمعوا على ذلك، والظاهر أنه يقصد العارفين الراسخين في العلم منهم. وإلا فقد ذكر القشيري في باب التوكل (ص 408 - 423) عددًا من الأقوال والحكايات الدالة على أن بعض السالكين والعبّاد كان يرى نبذ الأسباب والسفر بلا زاد وإيثار البطالة على الاشتغال بالمكاسب. وسيشير المؤلف نفسه إلى هؤلاء (ص 415) ويقول:«درجتهم ناقصة عند العارفين» .
قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه: من طعن في الحركة فقد طعن في السُّنَّة، ومن طعن في التوكُّل فقد طعن في الإيمان، فالتوكُّل حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم والكسبُ سنَّته، فمن عمل على حاله فلا يتركنَّ سنَّته
(1)
.
وهذا معنى قول أبي سعيدٍ: هو اضطرابٌ بلا سكونٍ وسكونٌ بلا اضطرابٍ، وقول سهلٍ أبين وأرفع.
وقيل: التوكُّل قطع علائق القلب بغير الله. سئل سهلٌ عن التوكُّل فقال: قلبٌ عاش مع الله بلا علاقةٍ
(2)
.
وقيل: التوكُّل هجر
(3)
العلائق ومواصلة الحقائق.
وقيل: التوكُّل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال
(4)
. وهذا من موجَباته وآثاره، لا أنَّه حقيقته.
وقيل: هو ترك كلِّ سببٍ يُوصل
(5)
إلى مسبَّبٍ، حتَّى يكون الحقُّ هو المتولِّي لذلك
(6)
. وهذا صحيح من وجهٍ، باطل من وجهٍ، فترك الأسبابِ المأمورِ بها قادحٌ في التوكُّل، وقد تولَّى الحقُّ إيصال العبد بها. وأمَّا ترك
(1)
أسنده أبو نعيم في «الحلية» (10/ 195) والبيهقي في «الشعب» (1231) والقشيري (ص 414) إلى قوله: «فقد طعن في الإيمان» . وما بعده ذكره القشيري (ص 412) عنه بلا إسناد.
(2)
«القشيرية» (ص 413).
(3)
ش: «قطع» .
(4)
«القشيرية» (ص 413).
(5)
ع: «يوصلك» .
(6)
ذكره القشيري (ص 412) عن أبي عبد الله القُرَشي.
الأسباب المباحة، فإنْ ترَكها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوحٌ، وإلَّا فمذموم.
وقيل: هو إلقاء النفس في العبوديَّة، وإخراجها من الرُّبوبيَّة
(1)
. يريد استرسالها مع الأمر، وبراءتها من حولها وقوَّتها وشهودِ ذلك بها، بل بالربِّ وحده.
ومنهم من قال: التوكُّل هو التسليم لأمر الربِّ وقضائه.
ومنهم من قال: هو التفويض إليه في كلِّ حالٍ.
ومنهم من جعل التّوكُّل بدايةً، والتسليم وساطةً، والتفويض نهايةً.
قال أبو علي الدَّقَّاق رحمه الله: التوكُّل ثلاث درجاتٍ: التوكُّل، ثم التسليم، ثم التفويض؛ فالمتوكِّل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه؛ فالتوكُّل بداية، والتسليم وساطة، والتفويض نهاية. فالتوكُّل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحِّدين. التوكُّل صفة العوامِّ، والتسليم صفة الخواصِّ، والتفويض صفة خاصَّة الخاصَّة. التوكُّل صفة الأنبياء، والتسليم
(2)
صفة إبراهيم الخليل، والتفويض صفة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم. هذا كلُّه كلام الدَّقَّاق
(3)
.
(1)
هو قول ذي النون، كما أسنده السلمي في «تفسيره» (1/ 175) وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 380) والبيهقي في «الشعب» (1233) والقشيري (ص 412).
(2)
في الأصل: «التفويض» ، وكتب فوقه:«لعله التسليم» ، وهو الصواب.
(3)
«القشيرية» (ص 413، 415) متفرقًا.
ومعنى هذا أن التوكُّل اعتمادٌ على الوكيل، وقد يعتمد الموكِّل
(1)
على وكيله مع نوع اقتراحٍ عليه وإرادةٍ وشائبةِ منازعةٍ، فإذا سلَّم إليه زال عنه ذلك، ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوِّض فوق هذا، فإنَّه طالبٌ مريدٌ ممَّن فوَّض إليه ملتمسٌ منه أن يتولَّى أموره، فهو رضًا واختيار وتسليم واعتماد؛ فالتوكُّل يندرج في التسليم، وهو والتسليم يندرجان في التفويض.
فصل
وحقيقة الأمر: أنَّ التوكُّل حالٌ مركَّبةٌ من مجموع أمورٍ، لا تتمُّ حقيقة التوكُّل إلا بها. وكلٌّ أشار إلى واحدٍ من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر.
فأوَّل ذلك: معرفةٌ بالربِّ وصفاته من قدرته، وكفايته، وقيُّوميَّته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته. وهذه المعرفة أوَّل درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكُّل.
قال شيخنا رضي الله عنه: ولذلك لا يصحُّ التوكُّل ولا يُتصوَّر من فيلسوف، ولا من القدريَّة النُّفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاؤه، ولا يستقيم أيضًا من الجهميَّة النُّفاة لصفات الربِّ، ولا يستقيم التوكُّل إلّا من أهل الإثبات
(2)
. فأيُّ توكُّلٍ لمن يعتقد أنَّ الله لا يعلم جزويَّات العالم
(3)
، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ولا مشيئة، ولا يقوم به صفة؟! فكلُّ من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكُّله أصحَّ وأقوى.
(1)
الأصل: «الوكيل» . ل: «المتوكل» . ع: «الرجل» . وسقط من ش. والمثبت من ج، ن.
(2)
لعله هنا ينتهي كلام شيخ الإسلام، وما بعده من كلام المؤلف.
(3)
في ع زيادة: «سفليَّةً وعلوَّيةً» .