الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} :
منزلة الرِّعاية
. وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل، ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات، ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفرُّق؛ فالرِّعاية صيانةٌ وحفظٌ.
ومراتب العلم والعمل ثلاثة: روايةٌ، وهي مجرَّد النّقل وحمل المرويِّ. ودرايةٌ، وهي فهمه وتعقُّل معناه. ورعايةٌ، وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه. فالنقَلة همَّتهم الرِّواية، والعلماء همَّتهم الدِّراية، والعارفون همَّتهم الرِّعاية.
وقد ذمَّ الله تعالى من لم يرعَ ما اختاره وابتدعه من الرهبانيَّة حقَّ رعايته، فقال تعالى:{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ} [الحديد: 27].
{مَا} منصوبٌ بـ {كَتَبْنَاهَا} على الاشتغال، إمَّا بنفس الفعل المذكور على قول الكوفيِّين، وإمَّا بمقدَّرٍ محذوفٍ مفسَّرٍ بهذا المذكور على قول البصريِّين، أي: وابتدعوا رهبانيّةً.
وليس منصوبًا بوقوع الجعل عليه، فالوقف التامُّ عند قوله:{وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً} ، ثمّ يبتدئ:{مَا كَتَبْنَاهَا} أي: لم يَشْرَعها لهم، بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم، ولم يكتبها عليهم.
وفي نصب قوله: {رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا} ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّه مفعولٌ له، أي: لم يكتبها عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله. وهذا فاسدٌ، فإنَّه لم يكتبها عليهم سبحانه، كيف وقد أخبر أنَّهم هم ابتدعوها، فهي مبتدعةٌ غير مكتوبةٍ. وأيضًا، فإنَّ المفعول لأجله يجب أن يكون علَّةً لفعل الفاعل المذكور معه، فيتَّحد السبب والغاية، نحو: قمت إكرامًا له، فالقائم هو المُكرِم، وفِعلُ
(1)
الفاعل المعلَّل هاهنا هو الكتابة، و {اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا} فِعلُهم لا فعل الله تعالى، فلا يصلح أن يكون علَّةً لفعل الله لاختلاف الفاعل.
وقيل: بدلٌ من مفعول {إِلَّا} ، أي: ما كتبنا عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله. وهو فاسدٌ أيضًا، إذ ليس ابتغاء رضوان الله عينَ الرهبانية، فيكونَ بدل الشيء من الشيء، ولا بعضَها فيكونَ بدل بعضٍ من كلٍّ، ولا أحدُهما مشتملٌ على الآخر فيكونَ بدل اشتمالٍ، وليس ببدل غلطٍ.
فالصواب: أنه منصوبٌ نصبَ الاستثناء المنقطع. أي: لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلَّا لطلب رضوان الله. ودلَّ على هذا قول
(2)
: {كَتَبْنَاهَا} ، ثمَّ ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية، وأنه طلب رضوانه تعالى
(3)
.
(1)
في النسخ عدا ع: «جعل» ، تصحيف.
(2)
ع: «قوله» .
(3)
وقد أفاض القول في تفسير الآية شيخ الإسلام في «الجواب الصحيح» (2/ 188 - 200)، وانظر أيضًا (3/ 170 - 171)، وقرَّر أنه منصوب على الاستثناء المنقطع بمعنى: «لكن كتبنا عليهم ابتغاءَ رضوان الله، لم نكتب عليهم الرهبانية
…
»، خلافًا لما ذهب إليه المؤلف.
ثمَّ ذمَّهم بترك رعايتها، إذ من التزم لله شيئًا لم يُلزمه الله إيَّاه من أنواع القُرَب لزمه رعايته وإتمامه، حتَّى ألزم كثيرٌ من الفقهاء مَن شرع في طاعةٍ مستحبَّةٍ بإتمامها، وجعلوا التزامَها بالشروع كالتزامها بالنذر، كما قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه، وهو إجماعٌ أو كالإجماع في أحد النُّسكين
(1)
. قالوا: والالتزام بالشُّروع أقوى من الالتزام بالقول، فكما يجب عليه رعاية ما التزمه بالنذر وفاءً، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتمامًا. وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة.
والقصد: أنَّ الله سبحانه ذمَّ من لم يرعَ قربةً ابتدعها لله حقَّ رعايتها، فكيف بمن لم يرعَ قربةً شرعها الله ورضيها لعباده
(2)
؟!
فصل
قال صاحب «المنازل» رحمه الله
(3)
: (الرِّعاية: صونٌ بالعناية، وهي على ثلاث درجاتٍ، الأولى: رعاية الأعمال، والثانية: رعاية الأحوال، والثالثة: رعاية الأوقات. فأمَّا رعاية الأعمال فتوفيرُها بتحقيرها، والقيامُ بها من غير نظرٍ إليها، وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزيُّن بها من غير نظرٍ إليها
(4)
).
(1)
أي: الحج والعمرة.
(2)
ع: «شرعها الله لعباده ورضيها وأمرها وحثَّ عليها» .
(3)
(ص 28).
(4)
«من غير نظر إليها» ساقطة من م، ع؛ ولم ترد في مطبوعة «المنازل» ولا في نسخه الخطية التي أشار إليها المحقق في الهامش. وإنما وردت في «شرح التلمساني» (ص 165)، ولعلها تكرَّرت عنده ــ أو في نسخته التي اعتمدها ــ خطأً بانتقال النظر مِن «بها» إلى نظيرها في السطر السابق.
أمّا قوله: (صون بالعناية) أي حفظٌ بالاعتناء، والقيامُ بحقِّ الشيء الذي يرعاه، ومنه راعي الغنم.
وأما قوله: (رعاية الأعمال فتوفيرها بتحقيرها)، فالتوفير: سلامةٌ من طرفي التفريط بالنقص، والإفراط بالزِّيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وشروطها وأوقاتها. وأمَّا تحقيرها فاستصغارها في عينه واستقلالها، وأنَّ ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديَّته أمرٌ آخر، وأنَّه لم يوفِّه حقَّه، ولا يرضى لربِّه بعمله ولا بشيءٍ منه.
وقد قيل: علامة رضا الله عنك سخطك على نفسك
(1)
، وعلامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك، حتى إنَّ العارف ليستغفر الله عقيب طاعاته. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم من الصّلاة استغفر ثلاثًا
(2)
. وأمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحجِّ
(3)
، ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل بالأسحار
(4)
. وشرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم للأمة عقيب الطُّهور التوبة والاستغفار
(5)
.
(1)
ع: «إعراضك عن نفسك» .
(2)
كما في حديث ثوبان عند مسلم (591).
(3)
في قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(4)
في قوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .
(5)
وذلك بقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، فإذا قالها:«طبع الله عليها بطابع، ثم رُفعت تحتَ العرش فلم تُكسَر إلى يوم القيامة» . أخرجه ابن أبي شيبة (19) والنسائي في «الكبرى» (9829 - 9831) والحاكم (1/ 564) من حديث أبي سعيد الخدري على اختلاف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب كما قال النسائي والدارقطني في «العلل» (2301)، على أن مثله مما لا يُقال من قِبَل الرأي، فهو في حكم المرفوع.
فمن شهد واجبَ ربِّه ومقدارَ عمله وعيبَ نفسه لم يجد بدًّا من استغفار ربِّه منه واحتقاره إيَّاه واستصغاره.
وأمّا (القيام بها)، فهو توفية حقِّها وجعلُها قائمةً كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرةِ القائمة على ساقها التي ليست ساقطة
(1)
.
وقوله: (من غير نظرٍ إليها)، أي من غير أن يلتفت إليها ويعدِّدها ويذكرها مخافةَ العجب والمنَّةِ بها، فيسقط من عين الله وتَحبَط أعمالُه.
وقوله: (وإجراؤها على مجرى العلم) أي: يكون
(2)
العمل على مقتضى العلم المأخوذ من مشكاة النبوَّة، إخلاصًا وإرادةً لوجهه وطلبًا لمرضاته، لا على وجه التزيُّن بها عند الناس.
قال
(3)
: (وأمَّا رعاية الأحوال فهو أن يَعُدَّ الاجتهادَ مُراياةً
(4)
، واليقين تشبُّعًا، والحال دعوى).
أي: يتَّهم نفسه في اجتهاده أنَّه رياء للناس، فلا يطغى به ولا يسكن إليه ولا يَعتدُّ به.
(1)
ع: «بساقطة» .
(2)
ع: «هو أن يكون» .
(3)
«المنازل» (ص 28).
(4)
أي: مُراءاةً. وانظر التعليق على نظيره (ص 199).
وأمَّا عَدُّه (اليقين تشبُّعًا)؛ التشبُّع: افتخار الإنسان بما لا يملكه، ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«المتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَي زورٍ»
(1)
، وعدُّه اليقين تشبُّعًا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ ما حصل له من اليقين لم يكن به ولا منه، ولا استحقَّه بعوضٍ. وإنَّما هو فضل الله وعطاؤه، ووديعته عنده، ومجرَّد منَّته عليه، فهي خلعةٌ خلعها على عبده
(2)
، والعبدُ وخلعتُه كلٌّ ملكُه وله
(3)
، فما للعبد في البَيْن
(4)
مدخل، وإنّما هو متشبِّعٌ بما هو ملكٌ لله وفضلٌ منه ومنَّته على عبده.
والوجه الثاني: أن يتَّهم يقينه، وأنّه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي، بل ما حصل له منه كالعارية غير
(5)
الملك المستقرِّ، فهو متشبِّعٌ به تزعم نفسُه أنَّ اليقين مَلَكةٌ له، وليس كذلك. وهذا لا يختصُّ باليقين، بل بسائر الأحوال، فالصادق يَعُدُّ صدقه تشبُّعًا، وكذا المخلص وكذا العالِم، لاتِّهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه، وأنَّه لم ترسخ قدمُه في ذلك، ولم تَحصُل له فيه مَلَكة، فهو كالمتشبِّع به
(6)
. ولمَّا كان اليقينُ روح الأعمال وعمودَها وذروةَ سنامها خصَّه بالذِّكر تنبيهًا على ما دونه.
(1)
أخرجه البخاري (5219) ومسلم (2130) من حديث أسماء بنت أبي بكر.
(2)
ع: «عليه» .
(3)
في ع زيادة: «وعطاؤه ووديعته» .
(4)
كذا في النسخ. وفي المطبوعات: «اليقين» .
(5)
«غير» ساقطة من ع ومكانها واو العطف، خطأ.
(6)
«به» ساقطة من م، ش.
والحاصل أنّه يتَّهم نفسه في حصول اليقين، فإذا حصل فليس به ولا منه، ولا له فيه شيءٌ، فهو يذمُّ نفسه في عدم حصوله، ولا يحمدها عند حصوله.
وأمَّا عدُّه (الحال دعوى)، أي دعوى كاذبةً، اتِّهامًا لنفسه، وتطهيرًا لها من رعونة الدَّعاوى، وتخليصًا للقلب من نصيب الشيطان، فإنَّ الدعوى من أنصباء الشيطان منه
(1)
.
فصل
قال
(2)
: (وأمَّا: رعاية الأوقات فأن يقف مع كلِّ خطوةٍ، ثمَّ أن يغيب عن خطوه بالصَّفاء من رسمه، ثمَّ أن يذهب عن شهود صفوه).
أي يقف مع كل حركة ظاهرة وباطنة بمقدار ما يصححها نيَّةً وقصدًا وإخلاصًا ومتابعةً، فلا يخطو هَمَجًا
(3)
، بل يقف قبل الخطوة حتّى يصحِّح الخطوة ثمَّ ينقل قدم عزمه.
فإذا صحَّت له ونقل قدمه، انفصل عنها ــ وقد صحَّت ــ بالغيبة عن شهودها ورؤيتها، فيغيب عن شهود تقدُّمه بنفسه، فإنَّ رسمه هو نفسه. فإذا غاب عن شهوده نفسَه وتقدُّمَه بها في كلِّ خطوةٍ، فذلك عين (الصَّفاء من رسمه) الذي هو نفسه
(4)
. ولمَّا كانت النفس محلَّ الأكدار سمَّى انفصاله
(1)
ع: «من نصيب الشيطان» ، ثم زاد:«وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان، أعاذنا الله من الدعاوى ومن الشيطان» .
(2)
«المنازل» (ص 29)، واللفظ من «شرح التلمساني» (ص 167).
(3)
ع: «هجمًا وهجمًا» كذا باللفظ الواحد. وفي طبعة الفقي: «هجمًا وهمجًا» .
(4)
زاد في ع: «فعند ذلك يشاهد فضل ربّه» .
عنها صفاءً. وهذه الأمور تستدعي لطف إدراكٍ واستعدادًا
(1)
من العبد، وذلك عين المنَّة عليه.
وأمَّا (ذهابه عن شهود صفوه) أي لا يستحضِرْ في قلبه ويشهَدْ ذلك الصفو المطلوب ويقفَ عنده، فإنَّ ذلك من بقايا النفس وأحكامها، وهو نوع كدرٍ. فإذا تخلّص من الكدر لا ينبغي له الالتفات والرُّجوع إليه، فيصفوَ من الرسم ويغيبَ عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.
* * * *
(1)
في النسخ عدا ع: «استعداد» دون ألف النصب، فيكون معطوفًا على «إدراك» ، ولعل المثبت من ع أشبه.