الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرًا، بل ممن
(1)
هو على بيِّنةٍ من ربِّه وبصيرةٍ في إيمانه ومعرفةٍ بما عند النّاس، والله الموفِّق المعين
(2)
.
فصل
المشهد الثامن: مشهد الأسماء والصِّفات
، وهو من أجلِّ المشاهد، وهو أعلى ممَّا قبله وأوسع.
والمُطْلع على هذا المشهد: معرفة تعلُّق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، وارتباطه بها، وأن
(3)
العالَمَ بما فيه من بعض آثارها ومقتضاها؛ وهذا من أجلِّ المعارف وأشرفها.
وكلُّ اسمٍ من أسمائه سبحانه له صفةٌ خاصَّة، فإن أسماءه سبحانه
(4)
أوصافُ مدحٍ وكمالٍ، وكلُّ صفةٍ لها مقتضًى وفعلٌ، إمَّا لازم وإمَّا متعدٍّ، ولذلك الفعل تعلُّق بمفعولٍ
(5)
هو من لوازمه، وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، كلُّ ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجَباتها.
ومن المُحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيلُ الأوصاف عمَّا تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيلُ الأفعال عن المفعولات؛ كما أنَّه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعالِه عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيلُ أسمائه وأوصافه عن ذاته.
(1)
م، ج، ن:«بل هم ممن» .
(2)
«المعين» ساقط من ع. وفي ج، ن:«والمعين» .
(3)
في ع زيادة: «كان» .
(4)
ل: «أسماءه الحسنى» .
(5)
في الأصل وغيره: «بمفعوله» ، ولعل المثبت من ع أقرب.
وإذا كانت أوصافه صفاتِ كمالٍ، وأفعالُه حِكَمًا ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجَباتها مستحيلٌ في حقِّه، ولهذا ينكر سبحانه على من عطَّله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنّه نَسَبه إلى ما لا يليق به بل
(1)
يتنزَّه عنه، وأنّ ذلك حكمٌ سيِّئ ممَّن حكم به عليه، وأنَّ من نسبه إلى ذلك فما قدره حقَّ قدره، ولا عظَّمه حقَّ تعظيمه، كما قال تعالى في حقِّ منكري النبوات
(2)
وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91].
وقال في حقِّ منكري المعاد والثواب والعقاب: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67].
وقال في حقِّ من جوَّز عليه التسوية بين المختلفين، كالأبرار والفجّار، والمؤمنين والكفّار:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]، فأخبر أنّ هذا حكمٌ سيِّئ لا يليق به، تأباه أسماؤه وصفاته.
(3)
[المؤمنون: 115 - 116] عن هذا الظّنِّ والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته. ونظائر هذا في القرآن كثير، ينفي عن نفسه خلاف موجَب أسمائه وصفاته، إذ ذلك مستلزمٌ تعطيلها عن كمالها ومقتضاها.
(1)
ج، ن:«وأنه» .
(2)
ع: «منكرين النبوات» ، وفي هامشه إشارة إلى نسخة:«منكري النبوة» .
(3)
في ع أُكملت الآية.
فاسمه الحميد المجيد يمنع ترك الإنسان سدًى مهملًا معطَّلًا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب. وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه الملك.
واسمه الحيُّ يمنع أن يكون معطَّلًا عن الفعل، بل حقيقة الحياة الفعل، فكلُّ حيٍّ فعَّالٌ، وكونه سبحانه خالقًا قيُّومًا من موجَبات حياته ومقتضاها
(1)
.
واسمه السَّميع البصير يوجب مسموعًا ومرئيًا. واسم الخالق يقتضي مخلوقًا، وكذا الرَّازق
(2)
. واسم المَلِك يقتضي مملكةً وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاءً
(3)
ومنعًا، وإحسانًا وعدلًا، وثوابًا وعقابًا. واسم البَرِّ، المحسن، المعطي، المنَّان ونحوها تقتضي آثارها وموجَباتها.
إذا عرف هذا، فمن أسمائه سبحانه: الغفَّار، التَّوَّاب، العفوُّ، فلا بدَّ لهذه الأسماء من متعلَّقاتٍ، ولا بُدَّ من جنايةٍ تُغفَر، وتوبةٍ تُقبَل، وجرائم يُعفى عنها، ولا بدَّ لاسمه الحليم من متعلَّقٍ يظهر فيه حِلْمه
(4)
، إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم الخالق الرازق
(5)
المعطي المانع للمخلوق والمرزوق والمُعطى والممنوع، وهذه الأسماء كلُّها حسنى.
والربُّ تعالى يحبُّ ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفوٌّ يحبُّ العفو،
(1)
ع: «متقتضياتها» .
(2)
ش، ن:«الرزَّاق» .
(3)
ل: «وعطاءً» .
(4)
ع: «الحكيم
…
حكمه»، تصحيف.
(5)
ش: «الرزَّاق» .
ويحبُّ المغفرة، ويحبُّ التّوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرحٍ يخطر بالبال، فكان تقدير ما يغفره، ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه، ويتوب عليه ويسامحه= من موجَب أسمائه وصفاته. وحصول ما يحبُّه ويرضاه من ذلك، وما يحمد به نفسه ويحمده
(1)
به أهل سماواته وأهل أرضه= ما
(2)
هو من موجبات كماله ومقتضى حمده.
وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغفرة الزلّات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيِّئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحقِّ والعلمِ منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحِلمُه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزّته وحكمته، كما قال المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ:{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، ليستْ
(3)
كمن يغفر عجزًا ويسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقِّك، قادرٌ على استيفائه، حكيمٌ في الأخذ به.
فمن تأمّل سريان آثار الأسماء والصِّفات في العالَم وفي الأمر، تبيَّن له أنَّ مصدر قضاءِ هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصِّفات والأفعال، وغاياتُها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيَّته وإلهيَّته.
(1)
ج، ن:«وما يحمده» .
(2)
ش: «مما» .
(3)
ش: «ولستَ» ، وكذا في ع ولكن دون واو العطف.
فله في كلِّ ما قضى
(1)
وقدَّره: الحكمة البالغة، والآيات الباهرة، والتعرُّف
(2)
إلى عَبِيده
(3)
بأسمائه وصفاته، واستدعاءُ محبَّتهم له، وذكرِهم له، وشكرِهم له، وتعبُّدِهم له بأسمائه الحسنى، إذ كلُّ اسمٍ فله
(4)
تعبُّدٌ مختصٌّ به علمًا ومعرفةً وحالًا، وأكملُ النّاس عبوديَّةً المتعبِّدُ بجميع الأسماء والصِّفات التي يطّلع عليها البشر، فلا تحجبه عبوديّة اسمٍ عن عبوديَّةِ آخرَ
(5)
، كمن يحجبه التعبُّد باسمه القدير عن التعبُّد باسمه الحكيم الرحيم، أو تحجبه عبوديّة اسمه المعطي عن عبوديّة اسمه المانع، أو عبوديّة اسمه الرحيم والعفوِّ والغفور
(6)
عن اسمه المنتقم، أو التعبُّد بأسماء التودُّد والبِرِّ واللُّطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والكبرياء والعظمة ونحو ذلك.
وهذه طريقة الكُمَّل من السّائرين إلى الله تعالى، وهي طريقة مشتقَّة من قلب القرآن، قال تعالى
(7)
: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، والدُّعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثّناء، ودعاء التعبُّد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم
(1)
ج، ن، ع:«قضاه» .
(2)
ج، ن:«التقرُّب» .
(3)
في الأصل وعامة النسخ: «غيره» ، والظاهر أنه تصحيف عن المثبَت من ش، هامش م. وفي ع:«عباده» .
(4)
ج، ن:«فيه» .
(5)
ع: «اسمٍ آخر» .
(6)
ج، ن:«الرحيم أو الغفور» ، سقط منه العفو.
(7)
ل، ج، ن:«قال الله تعالى» .
من عبوديّتها.
وهو سبحانه يحبُّ موجَب أسمائه وصفاته، فهو عليمٌ يحبُّ كلَّ عليمٍ، جَوادٌ يحبُّ كلّ جَوادٍ، وترٌ يحبُّ الوتر، جميلٌ يحبُّ الجمال، عفوٌّ يحبُّ العفو وأهله، حَيِيٌّ يحبُّ الحياء وأهله، بَرٌّ يحبُّ الأبرار، شكورٌ يحبُّ الشاكرين، صبورٌ يحبُّ الصابرين، حليمٌ يحبُّ أهل الحلم. فلمحبَّته سبحانه للتَّوبة والمغفرة والعفو والصفح خلق من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه، وقدَّر عليه ما يقتضي وقوع المكروه المبغوض له، ليُرتِّبَ
(1)
عليه المحبوب له المرضي له، فتوسُّطه كتوسُّط الأسباب المكروهة المفضية إلى المحبوب.
فربَّما كان مكروه النفوس إلى
…
محبوبها سببًا ما مثله سببُ
(2)
والأسباب مع مسبَّباتها أربعة أنواعٍ: محبوبٌ يفضي إلى محبوبٍ، ومكروهٌ يفضي إلى محبوبٍ، وهذان النّوعان عليهما مدار أقضيته وقدره
(3)
بالنِّسبة إلى ما يحبُّه ويكرهه.
والثالث: مكروهٌ يفضي إلى مكروهٍ، والرّابع: محبوبٌ يفضي إلى مكروهٍ، وهذان النوعان ممتنعان في حقِّه سبحانه، إذ الغايات المطلوبة من قضائه وقدره التي خلق ما خلق وقضى ما قضى لأجل حصولها لا تكون إلّا محبوبةً للربِّ مرضيّةً له. والأسباب الموصلة إليها منقسمة إلى محبوبٍ له
(1)
ع: «ليترتَّب» .
(2)
البيت للبحتري في «ديوانه» (1/ 171). وقد أنشده المؤلف في «زاد المعاد» (3/ 368) وغيره.
(3)
ع: «وأقداره» . وفي ج، ن سقط «وهذان النوعان
…
» إلى هنا.