الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طلبك دليلٌ على صدق الطلب. وقال آخر: لا تستوحش في طريق الحق من قلَّة السّالكين، ولا تغتَرَّ في الباطل بكثرة الهالكين.
وأمّا (الفتنة التي تقطع عليه الطريق)، فهي الواردات التي ترد على القلوب، تمنعها من مطالعة الحقِّ وقصده. فإذا تمكَّن من منزل الإخبات وصحَّة الإرادة والطلب لم يطمع فيه عارض الفتنة.
وهذه العزائم لا تصحُّ إلّا لمن أشرقت على قلبه أنوار آثار الأسماء والصِّفات، وتجلَّت عليه معانيها، وكافَحَ قلبُه حقيقة اليقين بها.
وقد قيل: من أخذ العلم من عين العلم ثبت، ومَن أخذه من جَرَيانه أخذَتْه أمواجُ الشُّبه ومالت به العبارات واختلفت عليه الأقوال.
قال
(1)
:
(الدرجة الثالثة:
أن يستوي عنده المدح والذمُّ، وتدوم لائمته لنفسه، ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته).
متى
(2)
استقرَّت قدمُ العبد في منزلة الإخبات وتمكَّن فيها ارتفعت همَّته وعَلَتْ نفسه عن خطفات
(3)
المدح والذّمِّ، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمِّهم. هذا وصف من خرج عن حظِّ نفسه وتأهَّل للفناء في عبوديَّة ربِّه، وصار قلبه مَطْرحًا لأشعَّة أنوار الأسماء والصِّفات، وباشر حلاوةُ الإيمان واليقين قلبه.
والوقوف عند مدح الناس وذمِّهم علامة انقطاع القلب وخلوِّه من الله
تعالى، وأنّه لم تباشره روحُ محبَّته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلُّق به والطُّمأنينة إليه.
قوله: (وأن تدوم لائمته لنفسه) فهو أنَّ صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه، وهو مبغضٌ لها متمنٍّ لمفارقتها.
والمراد بالنَّفس
(1)
عند القوم: ما كان معلولًا من أوصاف العبد، مذمومًا من أخلاقه وأفعاله، سواءٌ كان ذلك كسبيًّا له أو خلقيًّا؛ فهو شديد اللّائمة لها. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى:{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]، قال سعيد بن جبيرٍ وعكرمة: تلوم على الخير والشرِّ، ولا تصبر على السرَّاء ولا على الضرَّاء.
وقال قتادة: اللوَّامة
(2)
الفاجرة.
وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلتُ! ولو لم أفعل!
وقال الفرَّاء: ليس من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هلَّا زدت! وإن عملت شرًّا قالت: ليتني لم أفعل!
وقال الحسن: هي النفس المؤمنة؛ إنَّ المؤمن واللهِ ما تراه إلَّا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلتي
(3)
؟ وإنَّ الفاجر يمضي قُدمًا قُدمًا ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها.
(1)
ل: «اليقين» ، تحريف.
(2)
في ع زيادة: «هي» .
(3)
ع: «بكلمة كذا
…
بأكلة كذا» وبعده زيادة: «ما أردت بكذا؟ ما أردت بكذا؟» . وكلُّ ذلك مخالف لما في مصدر المؤلف.
وقال مقاتلٌ: هي النفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطت في أمر الله في الدنيا
(1)
.
والقصد: أنَّ من بذل نفسه لله بصدقٍ كره بقاءه معها، لأنَّه يريد أن يتقبَّلها من بُذلت له، لأنَّه قد قرَّبها له قربانًا. ومن قرَّب قربانًا فتُقبِّل منه ليس كمن رُدَّ عليه قربانه، فبقاء نفسه معه دليلٌ
(2)
أنَّه لم يتقبَّل قربانه.
وأيضًا، فإنَّه من قواعد القوم المجمَع عليها بينهم، التي اتَّفقت كلمة أوَّلهم وآخرهم ومُحقِّهم ومبطلهم عليها: أن النفس حجابٌ بين العبد وبين الله تعالى، وأنه لا يصل إلى الله تعالى حتَّى يقطع هذا الحجاب، كما قال أبو يزيدٍ رحمه الله: رأيت ربَّ العزَّة في المنام فقلت: يا ربِّ كيف الطريق إليك؟ فقال: خلِّ نفسك وتعال
(3)
.
فالنفس جبل عظيم شاقٌّ في طريق السير إلى الله، وكلُّ سائرٍ فلا طريق له إلا على ذلك
(4)
الجبل، فلابدَّ أن ينتهي إليه
(5)
. وأكثر السائرين منه رجعوا
(1)
«في الدنيا» من ع، وهو ثابت في مصدر المؤلف «معالم التنزيل» ، فالأقوال السابقة كلها منه (8/ 279 - 280). وأخرج الطبري (23/ 469 - 470) منها أقوال سعيد وعكرمة وقتادة ومجاهد. وقول مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (3/ 421).
(2)
في ع زيادة: «على» .
(3)
«القشيرية» (ص 757).
(4)
ع: «هذا» .
(5)
في ع زيادة: «ولكن منهم من هو مُشِقٌّ (كذا) عليه ومنهم من هو سهلٌ عليه، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره الله عليه. وفي ذلك الجبل أوديةٌ وشعوبٌ، وعقباتٌ ووهودٌ، وشوكٌ وعوسجٌ، وعُلَّيقٌ وشِبْرِكٌ (كذا، والمعروف بالقاف)، ولصوصٌ يقطعون الطريق على السائرين، ولا سيَّما أهل الليل المُدلجين، فإذا لم يكن معهم عُدَد الإيمان ومصابيح اليقين تَقِد بزيت الإخبات، وإلَّا تعلَّقت بهم تلك الموانع وتشبَّثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السَّير، فإن أكثر
…
».
على أعقابهم لمَّا عجزوا عن قطعه واقتحام عقبته
(1)
. والشيطان على قُلَّة الجبل يحذِّر النّاس من صعوده وارتقائه ويخوِّفهم منه، فتتَّفق مشقَّة ذلك الجبل
(2)
وقعودُ ذلك المخوِّف على قلَّته وضعفُ عزيمة السائر ونيته، فيتولَّد من ذلك الانقطاع والرُّجوع، والمعصوم من عصمه الله.
وكلَّما رقي السائرُ في ذلك الجبل اشتدَّ به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلَّته «فإذا المخاوف كلُّهن أمانُ»
(3)
.
وحينئذٍ يُسْهِل
(4)
وتزول عنه عوارض الطريق ومشقَّةُ عِقابها، ويرى طريقًا واسعًا آمنًا، به
(5)
المنازلُ والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات، وفيه يَزَكُ الرحمن
(6)
.
(1)
ع: «عقباته» .
(2)
ع: «مشقة الصعود» .
(3)
عجز بيتٍ للقاضي الفاضل البيساني، وهو:
إذا السعادة لاحظتْك عيونُها
…
نم فالمخاوف كلُّهن أمانُ
انظر: «وفيات الأعيان» (3/ 161) و «الدر الفريد» (10/ 30).
وفي ع: «انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانًا» .
(4)
أي: ينزل في أرض سهلة، بعد أن كان يرتقي في مكان حَزْنٍ وَعِرٍ. وفي جميع النسخ عدا الأصل، ل، ع:«يشهد» ، تحريف.
(5)
ع: «يفضي به إلى» ، إقحام، السياق مستقيم بدونه.
(6)
أي: جند الرحمن يحرسون الطريق. وفي عامّة النسخ عدا الأصل ول: «نُزُل الرحمن» . والسياق في ع: «وفيه الإقامات قد أُعدَّت لركب الرحمن» .
فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوةُ عزيمةٍ، وصبرُ ساعةٍ، وشجاعةُ نفسٍ، وثباتُ قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
قوله: (ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته) يعني أنَّه وإن كان أعلى ممَّن دونه من الناقصين عن درجته، إلَّا أنَّه لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبَّته ومعرفته والإقبال عليه يشتغل عن ملاحظة حال غيره، وعن شهود النِّسبة بين حاله وأحوال الناس، ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولًا عن مقامه وانحطاطًا عن درجته ورجوعًا على عقبه. فإن هجم عليه ذلك بغير استدعاءٍ واختيارٍ فليُداوِه بشهود المنَّة وخوف المكر وعدم علمه بالعاقبة التي يوافي عليها. والله المستعان.
* * * *