الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} :
منزلة الرِّضا
.
وقد أجمع العلماء على أنه مستحبٌّ مؤكَّدٌ استحبابُه، واختلفوا في وجوبه على قولين
(1)
. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يحكيهما قولين لأصحاب أحمد. وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحُهم. قال: وأمَّا ما يُروى من الأثر: «من لم يصبر على بلائي، ولم يرضَ بقضائي، فليتَّخذ ربًّا سواي»
(2)
، فهذا أثرٌ إسرائيليٌّ، ليس يصحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
.
قلت: ولا سيّما عند من يرى أنّه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة، وأنه
(4)
موهبة محضة، فكيف يؤمر به وليس مقدورًا؟
وهذه مسألةٌ اختلف فيها أرباب السُّلوك على ثلاث طرقٍ، فالخراسانيُّون قالوا: إن الرِّضا من جملة المقامات، وهو نهاية التّوكُّل. فعلى
(1)
كتب بعضهم في هامش الأصل: «ليت شعري كيف يسوغ له دعوى الإجماع مع نقل الخلاف في الوجوب. كتبه عبد الرحمن [ ..... ] الشافعي» . ويجاب عنه بأنه أراد بالاستحباب المُجمَع عليه ما يشمل الندب والوجوب.
(2)
روي مرفوعًا من حديثي أبي هندٍ الداري وأنس بن مالك بأسانيد واهية جدًّا. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (1/ 167).
(3)
انظر: «منهاج السنة» (3/ 204) و «مجموع الفتاوى» (8/ 191، 10/ 40).
(4)
ع: «بل هي» .
هذا يمكن أن يتوصَّل إليه العبد باكتسابه.
والعراقيُّون قالوا: هو من جملة الأحوال، وليس كسبيًّا للعبد، بل هو نازلةٌ تحلُّ بالقلب كسائر الأحوال. والفرق بين المقامات والأحوال: أنَّ المقامات عندهم من المكاسب، والأحوال مجرَّد المواهب.
وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين ــ منهم صاحب «الرِّسالة»
(1)
وغيره ــ فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأن يقال: بداية الرِّضا مكتسبةٌ للعبد، وهي من جملة المقامات، ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبةً، فأوَّله مقامٌ ونهايته حالٌ.
واحتجَّ من جعله من جملة المقامات بأنَّ الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه، فدلَّ ذلك على أنه مقدورٌ لهم.
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعمَ الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا»
(2)
.
وقال: «من قال حين يسمع النِّداء: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا، غفرت له ذنوبه»
(3)
.
وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدِّين، وإليهما ينتهي. وقد تضمَّنا
(1)
(ص 453).
(2)
أخرجه مسلم (34) من حديث العبَّاس بن عبد المطلب.
(3)
أخرجه مسلم (386) من حديث سعد بن أبي وقاص، وتمام لفظه:«من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا= غفر له ذنبه» .
الرِّضا بربوبيَّته سبحانه وإلهيَّته
(1)
، والرِّضا برسوله والانقياد له، والرِّضا بدينه والتسليمله. ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصِّدِّيق حقًّا. وهي سهلةٌ بالدعوى واللِّسان، ومِن أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيَّما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك، تبيَّن أنَّ الرضا كان
(2)
على لسانه لا على حاله.
فالرِّضا بإلهيَّته يتضمَّن الرِّضا بمحبَّته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتّبتُّل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحبِّ كلِّها إليه؛ فِعْلَ
(3)
الراضي بمحبوبه كلَّ الرِّضا. وذلك يتضمَّن عبادته والإخلاص له.
والرِّضا بربوبيته يتضمَّن الرِّضا بتدبيره لعبده، ويتضمَّن إفراده بالتوكُّل عليه، والاستعانة به، والثِّقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكلِّ ما يفعله به. فالأوَّل يتضمّن رضاه بما يأمره به، والثاني يتضمَّن رضاه بما يُقدِّر عليه.
وأمّا الرِّضا بنبيِّه رسولًا، فيتضمَّن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقَّى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكِّم عليه غيرَه، ولا يرضى بحكم غيره البتَّة، لا في شيءٍ من أسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، ولا في شيءٍ من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيءٍ من أحكامِ ظاهرِه وباطنه؛ لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلَّا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمُه غيرَه من باب غذاء
المضطرِّ إذا لم يجد ما يُقيته إلَّا من الميتة والدم، وأحسنُ أحواله أن يكون من باب التُّراب الذي إنَّما يتيمَّم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأمّا الرِّضا بدينه، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى رضي كلَّ الرِّضا، ولم يبق في قلبه حرجٌ من حكمه، وسلَّم له تسليمًا ولو كان مخالفًا لمراد نفسه وهواها، وقول مقلَّده
(1)
وشيخه وطائفته.
وهاهنا يُوحشك الناس كلُّهم إلَّا الغرباء في العالم، فإيَّاك وأن
(2)
تستوحش من الاغتراب والتفرُّد، فإنَّه واللهِ عينُ العزِّ، والصُّحبة مع الله تعالى ورسوله، ورَوح الأنس به والرِّضا به ربًّا وبمحمَّدٍ رسولًا وبالإسلام دينًا.
بل الصادق كلَّما وجد أُنس
(3)
الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنسَّم رَوحه= قال: اللهمَّ زدني اغترابًا، ووحشةً من العالم، وأنسًا بك.
وكلَّما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التّفرُّد رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذلَّ عين العزِّ بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزُبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيُّد برسومهم وأوضاعهم؛ فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظَّه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلَّا الحرمان وغايتُه مودَّة بينهم في الحياة الدُّنيا؛ فإذا تقطَّعت
(4)
الأسباب، وحقَّت الحقائق، وبعثر ما في القبور، وحصِّل ما في الصُّدور، وبُليت السرائر،
(1)
ع: «أو هواها أو قول مقلَّده» .
(2)
في النسخ عدا الأصل، ل:«فإياك أن» .
(3)
المثبت من ج، ن. وفي ش:«سرَّ» . وفي ل، ع:«مسَّ» ، وكذا جُعل في الأصل بعد تغيير ومسح، ولعله كان كالمثبت قبل ذلك.
(4)
في النسخ عدا الأصل، ل:«انقطعت» .
ولم يجد من دون مولاه الحقِّ من قوَّةٍ ولا ناصرٍ= تبيَّن
(1)
له حينئذٍ مواقع الرِّبح من الخسران، وما الذي يخفُّ أو يرجح به الميزان. والله المستعان، وعليه التُّكلان.
والتحقيق في المسألة: أنَّ الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه، موهبيٌّ باعتبار حقيقته، فيمكن أن يُنال
(2)
بالكسب لأسبابه. فإذا تمكَّن في أسبابه وغرس شجرته اجتنى منها ثمرة الرِّضا، فإنَّ الرضا آخر التوكُّل، فمن رسخ قدمُه في التوكُّل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بدَّ. ولكن لعزَّته، وعدم إجابة أكثر النُّفوس له، وصعوبته عليها= لم يوجبه الله على خلقه رحمةً بهم وتخفيفًا عنهم، لكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ ثوابه رضاه عنهم
(3)
، الذي هو أعظم وأكبر وأجلُّ من الجنات
(4)
وما فيها
(5)
.
فمن رضي عن ربِّه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوفٌ بنوعين من رضاه عن عبده: رضًا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه، ورضًا بعده هو ثمرة رضاه عنه. ولذلك كان الرِّضا باب الله الأعظم، وجنَّة الدُّنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبِّين، ونعيم العابدين،
(1)
ع: «يتبيَّن» .
(2)
ع: «يقال» .
(3)
كما في قوله سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].
(4)
ع: «الجنان» .
(5)
كما قال تعالى بعد أن ذكر الجنات وأنهارها ومساكنها: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72].
وقرَّة عيون المشتاقين.
ومن أعظم أسباب حصول الرِّضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنَّه يوصله إلى مقام الرِّضا ولا بدَّ.
قيل ليحيى بن معاذٍ رحمه الله: متى يبلغ العبد إلى مقام الرِّضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصولٍ فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني
(1)
عبدت، وإن دعوتني أجبت
(2)
.
وقال الجنيد رحمه الله: الرِّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدَّاه إلى الرِّضا
(3)
.
وليس الرِّضا والمحبة كالرجاء والخوف، فإنَّ الرِّضا والمحبَّة حالان من أحوال أهل الجنَّة، لا يفارقان
(4)
في الدُّنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة؛ بخلاف الخوف والرجاء فإنَّهما يفارقان أهل الجنّة بحصول ما كانوا يرجونه وأَمْنِهم ممَّا كانوا يخافونه. وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائمًا، لكنَّه ليس رجاءً مشوبًا بشكٍّ، بل رجاءُ واثقٍ بوعدٍ صادقٍ من حبيبٍ قادرٍ، فهذا لونٌ ورجاؤهم في الدُّنيا لون.
(1)
ع: «طردتني» .
(2)
لم أجده على هذا الوجه. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (10/ 66) هذه الكلمات «إن أعطيتني قبلت
…
» في ثنايا دعاء له وابتهال.
(3)
لم أجده.
(4)
زاد في ع: «المتلبس بهما» .
وقال ابن عطاءٍ رحمه الله: الرِّضا سكون القلب إلى قديم
(1)
اختيار الله للعبد أنَّه اختار له الأفضل، فيرضى به
(2)
. قلت: وهذا الرضا بما منه، وأمَّا الرِّضا به فأعلى من هذا وأفضل، ففرقٌ بين من هو راضٍ بمحبوبه، وبين رضاه فيما يناله
(3)
من محبوبه من حظوظ نفسه.
فصل
وليس من شرط الرِّضا أن لا يحسَّ بالألم والمكاره، بل أن
(4)
لا يعترض على الحكم ولا يتسخَّطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرِّضا بالمكروه، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنعٌ على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلَّا فكيف يجتمع الرِّضا والكراهة وهما ضدَّان؟
والصواب: أنَّه لا تناقض بينهما، وأنَّ وجود التألُّم وكراهةَ النفس له لا ينافي الرِّضا، كرضا المريض شربَ
(5)
الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرِّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها.
وطريق الرِّضا طريق مختصرة، قريبة جدًّا، موصلة إلى أجلِّ غايةٍ، ولكن فيها مشقَّة. ومع هذا فليست مشقَّتها بأصعب من مشقَّة طريق المجاهدة، ولا
(1)
في النسخ عدا ع: «قِدَم» ، والمثبت من ع موافق للمصدر.
(2)
ذكره الطوسي في «اللمع» (ص 53 - 54)، وتمامه:«ويترك السخط» . وذكره القشيري (ص 457) بنحوه مختصرًا وسيأتي لفظه قريبًا.
(3)
ع: «وبين من هو راضٍ بما يناله» .
(4)
«أن» ساقطة من ل، ج، ن.
(5)
جميع النسخ عدا الأصل، ل:«بشرب» .
فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنَّما عقبتُها همَّة عالية ونفس زكيَّة، وتوطين للنفس على كلِّ ما يَرِد عليها من الله. ويسهِّل ذلك على العبد علمُه بضعفه وعجزه، ورحمةِ ربه وشفقتِه عليه وبرِّه به. فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبِّه ورضاه كلُّها إليه= فنفسه نفسٌ مطرودةٌ عن الله بعيدةٌ عنه، ليست مؤهَّلةً لقربه وموالاته، أو نفسٌ ممتحَنةٌ مبتلاةٌ بأصناف البلايا والمحن.
فطريق الرِّضا والمحبَّة تُسيِّر العبدَ وهو مستلقٍ على فراشه، فيصبح أمام الرّكب بمراحل.
وثمرة الرِّضا: الفرح والسُّرور بالربِّ تبارك وتعالى. ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ في المنام، وكأنِّي ذكرت له شيئًا من أعمال القلب وأخذت في تعظيمه ومنفعته، لا أذكره الآن، فقال: أمَّا أنا فطريقتي: الفرحُ بالله والسُّرور به، أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حاله في الحياة، يبدو ذلك على ظاهره وينادي به عليه حالُه.
لكن قد قال الواسطيٌّ رحمه الله: استعمل الرِّضا جهدك، ولا تدع الرِّضا يستعملك، فتكونَ محجوبًا بلذَّته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع
(1)
.
وهذا الذي أشار إليه الواسطيُّ هو عقبةٌ عظيمة عند القوم ومقطعٌ لهم؛ فإنَّ مساكنة الأحوال، والسُّكون إليها، والوقوف عندها استلذاذًا ومحبَّةً= حجابٌ بينهم وبين ربِّهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم، وهي عقبةٌ لا يجوزها إلَّا أولو العزائم. وكان الواسطيُّ كثير التحذير من هذه
(1)
«اللمع» (ص 54) و «القشيرية» (ص 455).
العقبة، شديدَ التنبيه عليها. ومن كلامه: إيَّاكم واستحلاء الطاعات، فإنَّها سمومٌ قاتلة
(1)
.
فهذا معنى قوله: «استعمل الرِّضا، لا
(2)
تدع الرِّضا يستعملك»، أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرِّضا، بحيث تكون هي الباعثة لك عليه، بل اجعله آلةً لك وسببًا مُوصِلًا إلى مقصودك
(3)
ومطلوبك، فتكونَ مستعملًا له، لا أنَّه مستعملٌ لك.
وهذا لا يختصُّ بالرِّضا، بل هو عامٌّ في جميع الأحوال والمقامات القلبيَّة التي يسكن إليها القلب، حتَّى إنَّه أيضًا لا يكون عاملًا على المحبَّة لأجل المحبَّة وما فيها من اللذَّة والسُّرور والنعيم، بل يستعمل المحبَّة في مراضي المحبوب؛ لا يقف عندها، فهذا من علل المحبَّة.
وقال ذو النُّون: ثلاثةٌ من أعلام الرِّضا: ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحبِّ في حشو البلاء
(4)
.
وقيل للحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما: إنَّ أبا ذرٍّ يقول: الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، والسَّقَم أحبُّ إليَّ من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذرٍّ؛ أمَّا أنا فأقول: من اتَّكل على حسن اختيار الله له
(5)
لم يتمنَّ غير ما اختار الله له
(6)
.
(1)
«القشيرية» (ص 455).
(2)
ع: «ولا» .
(3)
ع: «قصدك» .
(4)
أسنده أبو نعيم في «الحلية» (9/ 341) والقشيري (ص 456).
(5)
«له» سقطت من النسخ عدا ش، ع. وهي ثابتة في المصدر.
(6)
أسنده القشيري (ص 456) وابن عساكر في «تاريخه» (13/ 253) بإسنادهما إلى محمد بن يزيد المبرّد (ت 285) قال: قيل للحسين بن علي
…
إلخ. وهذا كما ترى منقطع معضل.
وقال الفضيل بن عياضٍ لبشرٍ الحافيِّ: الرِّضا أفضل من الزُّهد في الدُّنيا، لأنَّ الراضي لا يتمنَّى فوق منزلته
(1)
.
وسئل أبو عثمان
(2)
عن قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم «أسألك الرِّضا بعد القضاء»
(3)
، فقال: لأن الرِّضا قبل القضاء عزمٌ على الرِّضا، والرِّضا بعد القضاء هو الرِّضا.
وقيل: الرِّضا ارتفاع الجزع في أيِّ حكمٍ كان
(4)
.
وقيل: رفع الاختيار
(5)
.
وقيل: استقبال الأحكام بالفرح
(6)
.
وقيل: سكون القلب تحت مجاري الأحكام
(7)
.
وقيل: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك
(1)
«القشيرية» (ص 456).
(2)
الحيري، أسنده عند البيهقي في «الشعب» (193)، وذكره القشيري (ص 456).
(3)
صحَّ ذلك من حديث عمَّار بن ياسر وفضالة بن عبيد رضي الله عنهما، وسيأتي تخريجه مفصَّلًا (ص 552 - 553).
(4)
ذكره القشيري (ص 457) عن أبي عمرو الدمشقي (ت 320).
(5)
ذكره الطوسي في «اللمع» (ص 53) والقشيري (ص 457) عن الجنيد.
(6)
ذكره الكلاباذي في «التعرُّف» (ص 72) والقشيري (ص 457) عن رُويم.
(7)
ذكره الكلاباذي في «التعرُّف» (ص 72) والقشيري (ص 457) عن الحارث المحاسبي.
السخط
(1)
.
وكتب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه: أمَّا بعد، فإنَّ الخير كلَّه في الرِّضا، فإن استطعت أن ترضى وإلَّا فاصبر
(2)
.
وقال أبو عليٍّ الدقَّاق رحمه الله: الإنسان خَزَفٌ، وليس لخزف من الخَطَر
(3)
ما يعارض فيه حكم الحقِّ تعالى
(4)
.
وقال أبو عثمان الحِيريُّ: منذ أربعين سنةً ما أقامني الله في حالٍ فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته
(5)
.
والرِّضا ثلاثة أقسامٍ: رضا العوامِّ بما قسمه الله وأعطاه، ورضا الخواصِّ بما قدَّره الله وقضاه، ورضا خواصِّ الخواصِّ به بدلًا من كلِّ ما سواه.
فصل
قال صاحب «المنازل» رحمه الله
(6)
: (قال الله عز وجل: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28]، لم يدع في هذه الآية للمتسخِّط إليه سبيلًا، وشرَطَ للقاصد
(7)
الدُّخولَ في الرِّضا.
(1)
ذكره القشيري (ص 457) عن ابن عطاء، وقد سبق (ص 482) بلفظ أطول.
(2)
ذكره القشيري (ص 458)، ولم أجد من أسنده.
(3)
أي: الشرف والمكانة والمنزلة.
(4)
ذكره القشيري (ص 458) عنه سماعًا.
(5)
«القشيرية» (ص 458). وأسنده أبو نعيم في «الحلية» (10/ 244).
(6)
(ص 39 - 40).
(7)
في النسخ عدا ج، ن:«القاصد» ، والمثبت منهما موافق للفظ «المنازل» .
والرِّضا اسمٌ للوقوف الصادق حيثما وقف العبدَ، لا يلتمس متقدَّمًا ولا متأخَّرًا، ولا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل
(1)
حالًا. وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص، وأشقِّها على العامَّة).
أمَّا قوله: (لم يدع في هذه الآية للمتسخِّط إليه سبيلًا) فلأنَّه قيَّد رجوعها إليه سبحانه بحالٍ، وهو وصف الرِّضا، فلا سبيل إلى الرُّجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها. وهذا نظير قوله تعالى:{تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، فإنَّما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيدٍ، وهو وفاتهم طيِّبين، فلم تُبق الآية لغير الطّيِّب سبيلًا لهذه
(2)
البشارة.
والحاصل: أن الدُّخول في الرِّضا شرطُ رجوع النفس
(3)
إلى ربِّها، فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية.
قلت: هذا تعلُّقٌ بإشارة الآية لا بالمراد منها، فإنَّ المراد منها: رضاها بما حصل لها من كرامته ونالَتْه عند الرُّجوع إليه، فحصل لها رضاها والرِّضا عنها. وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدُّنيا وقدومها على الله. قال عبد الله بن عَمْرٍو
(4)
رضي الله عنهما: «إذا توفِّي العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفةٍ من الجنَّة، فيقال: اخرُجي أيَّتها النفس المطمئنَّة،
(1)
الأصل، ع:«يستبدله» ، والمثبت من سائر النسخ هو لفظ «المنازل» ، وسيأتي على الصواب عند شرحه.
(2)
ع: «إلى هذه» .
(3)
ع: «شرطٌ في رجوع النفس» .
(4)
في النسخ عدا ع: «عبد الله بن عُمَر» ، والمثبت موافق لمصادر التخريج.
اخرجي إلى رَوحٍ وريحانٍ وربٍّ عنك راضٍ»
(1)
.
وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوالٍ للسلف:
أحدها: أنَّه عند الموت، وهو الأشهر. قال الحسن رضي الله عنه: إذا أراد الله قبضها اطمأنَّت إلى ربِّها ورضيت عن الله، فيرضى
(2)
عنها
(3)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق (6702) والطبراني في «الكبير» (13/ 355 - 358) والثعلبي في «الكشف والبيان» (29/ 365) من حديث عبد الرحمن ابن البيلماني عن عمرو بن العاص موقوفًا. وابن البيلماني ليّن الحديث. وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا عند النسائي (1833) والبزار (9541) وابن حبان (3014) والطبراني في «الأوسط» (742) والحاكم (1/ 353) بإسناد جيِّد، ولفظه عند النسائي:«إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنك» ، وعند البزار والطبراني زيادة:«أيتها النفس المطمئنة» .
وروي حديث أبي هريرة من وجهٍ آخر عند أحمد (25090) والنسائي في «الكبرى» (11378، 11925) وابن ماجه (4262) وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: «اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في جسد طيب، اخرجي حميدةً وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان» ؛ وهو كما ترى ليس بصريحٍ في موضع الشاهد المفسِّر للآية. وكذلك حديث البراء الطويل عند أحمد (18534) وابن أبي شيبة (12185) والحاكم (107 ــ ط. دار التأصيل) وغيرهم، فإن لفظه:«أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان» .
(2)
كذا في النسخ. وفي مصادر التخريج: «ويرضى» .
(3)
أسنده ابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تغليق التعليق» (4/ 367) ــ بإسناد جيِّد. وقد علَّقه البخاري في كتاب التفسير من «صحيحه» مجزومًا به. والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» للبغوي (8/ 423)، وكذا في الأقوال الآتية.
وقال آخرون: إنَّما يقال لها ذلك عند البعث. هذا قول عكرمة وعطاءٍ والضحَّاك وجماعة
(1)
.
وقال آخرون: الكلمة الأولى وهي
(2)
{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} تقال لها عند الموت، والكلمة الثانية وهي {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} إنما تقال لها يوم القيامة. قال أبو صالحٍ:{ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} هذا عند خروجها من الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل:{الصَّرْحَ فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي}
(3)
.
والصواب: أنَّ هذا القول يقال لها عند الخروج من الدُّنيا ويوم القيامة
(4)
. فإنَّ أوَّل بعثها عند مفارقتها الدُّنيا، وحينئذٍ فهي في الرفيق الأعلى ــ إن كانت مطمئنَّةً إلى الله ــ وفي جنَّته، كما دلَّ عليه الأحاديث الصحيحة. فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك، وحينئذٍ يكون تمام الرُّجوع إلى الله ودخول الجنَّة. فأوَّل ذلك عند الموت، وتمامه ونهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة.
ولكنَّ الشيخ أخذ من إشارة الآية أنَّ رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنَّما يحصل برضاها. ولكن لو استدلَّ بالآية في مقام الطُّمأنينة لكان
(1)
قول عكرمة والضحاك عند الطبري في «تفسيره» (24/ 397).
(2)
الأصل، ل:«وهو» .
(3)
أخرجه الطبري (24/ 396، 397) وابن أبي حاتم ــ كما في «الدر المنثور» (15/ 429) ــ والثعلبي في «الكشف والبيان» (29/ 363 - 364).
(4)
وهو قول زيد بن أسلم كما عند الطبري (24/ 396)، ولم يذكره البغوي.
أولى، فإنَّ هذا الرُّجوع الذي حصل لها
(1)
فيه رضاها والرِّضا عنها إنَّما نالته بالطُّمأنينة، وهو حظُّ الكسب من هذه الآية، وموضع التَّنبيه على موقع الطُّمأنينة وما يحصل لصاحبها.
فلنرجع إلى شرح كلامه:
قوله: (الرِّضا هو الوقوف الصادق) يريد به الوقوف مع مراد الرب تعالى الديني حقيقةً، من غير تردُّدٍ في ذلك ولا معارضةٍ. وهذا مطلوب القوم السابقين، وهو الوقوف الصادق مع مراد الحق
(2)
، من غير أن يشوب ذلك تردُّد، ولا يزاحمه
(3)
مراد.
قوله: (حيثما وقف العبد)، يصحُّ أن يكون العبد فاعلًا، أي حيث ما وقف بإذن ربِّه لا يلتمس تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. ويصحُّ أن يكون مفعولًا، وهو أظهر، أي حيثما وقف الله العبدَ، فإنَّ (وقَفَ) يُستعمل لازمًا ومتعدِّيًا، أي حيثما وقفه الله يقف
(4)
، أي لا يطلب تقدُّمًا ولا تأخُّرًا. وهذا إنَّما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلَّق بالأمر والنهي.
وأمَّا إذا وقفه في مرادٍ دينيٍّ، فكماله بطلب التقدُّم فيه دائمًا، فإن
(5)
لم تكن همَّته التقدُّم إلى الله في كلِّ لحظةٍ رجع من حيث لا يدري، فلا وقوفَ في
(1)
أي: للنفس. وفي النسخ عدا ش: «له» ، سبق قلم.
(2)
(3)
ش: «مزاحمة» .
(4)
السياق في ع: «أي حيثما وقفه ربُّه لا يطلب
…
».
(5)
ع: «فإنه إن» .
الطريق
(1)
. ولكنه إذا وقفه في مقامٍ من الغنى والفقر، والراحة والتعب، والصحة
(2)
والسقم، والاستيطان أو مفارقة الأوطان= يقف حيث وقفه، فلا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه فيها. وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له، والفناء به عن اختياره لنفسه.
وكذلك قوله: (لا يستزيد مزيدًا، ولا يستبدل حالًا).
وهذا الذي ذكره الشيخ فردٌ من أفراد الرِّضا، وهو الرِّضا بالأقسام والأحكام الكونيَّة التي لم يؤمَر بمدافعتها.
وقوله: (وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص)، يعني أنَّ سلوك أهل الخصوص هو بالخروج عن النفس، والخروجُ عن الإرادة هو مبدأ الخروج عن النفس، فإذًا الرِّضا بهذا الاعتبار من أوائل مسالك الخاصَّة.
وهذا على أصله في كون الفناء غايةً مطلوبةً فوق الرِّضا. والصواب: أنَّ الرِّضا أجلُّ منه وأعلى، وهو غايةٌ لا بداية. نعم، فوقه مقام الشكر، فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر.
وقوله: (وأشقِّها على العامة)، وذلك لمشقَّة الخروج عن الحظوظ على العامَّة، والرِّضا أوَّل ما فيه: الخروجُ عن الحظوظ.
(1)
زاد في ع: «البتة» .
(2)
ع: «والعافية» .
فصل
قال
(1)
: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: رضا العامَّة، وهو الرِّضا بالله ربًّا، وتسخُّطُ عبادة ما دونه. وهذا قطب رحى الإسلام، وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر).
الرِّضا بالله ربًّا: أن لا يتَّخذ ربًّا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه. قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: سيِّدًا وإلهًا
(2)
، يعني فكيف أطلب ربًّا غيره وهو ربُّ كلِّ شيءٍ؟
وقال في أوّل السُّورة: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14] يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجًا، وهو من الموالاة التي تتضمَّن الحبَّ والطاعة.
وقال في وسطها: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] أي: أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ وهذا كتابه سيِّد الحكّام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه، وقد أنزله مفصَّلًا مبيَّنًا كافيًا شافيًا؟
وأنت إذا تأمَّلت هذه الآيات الثلاث حقَّ التأمُّل، رأيتها هي نفس الرِّضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، ورأيت الحديث مترجم عنها
(1)
«المنازل» (ص 40).
(2)
«تفسير البغوي» (3/ 212).
مشتقٌّ منها
(1)
. فكثيرٌ من الناس يرضى به ربًّا فلا يبغي ربًّا سواه، لكنَّه لا يرضى به وحده وليًّا، بل يوالي من دونه أولياء ظنًّا منه أنَّهم يقرِّبونه إلى الله، وأنَّ موالاتهم كموالاة خواصِّ الملك، وهذا عين الشِّرك. بل التوحيد: أن لا يتَّخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوءٌ من وصف المشركين بأنَّهم اتخذوا من دونه أولياء.
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه، فإنَّ هذا من تمام الإيمان وتمام موالاته، فموالاة أوليائه لونٌ واتِّخاذ الوليِّ من دونه لون. ومَن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من رأس، فإنَّ هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.
وكثيرٌ من الناس يبتغي غيره حكمًا؛ يُحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه. وهذه المقامات الثلاثة هي أركان التوحيد: أن لا يتَّخذ سواه ربًّا، ولا إلهًا، ولا غيره حكمًا.
وتفسيره
(2)
الرِّضا بالله ربًّا (أن يسخط عبادة ما دونه)، هذا هو الرِّضا بالله إلهًا، وهو من تمام الرِّضا بالله ربًّا، فمن أعطى الرِّضا به ربًّا حقَّه سخط عبادة ما دونه قطعًا، لأنَّ الرِّضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أنَّ العلم بتوحيد الرُّبوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهيَّة.
وقوله: (وهو قطب رحى الإسلام)، يعني أنَّ مدار رحى الإسلام على أن يرضى بعبادته وحده، ويسخط عبادة غيره. وقد تقدَّم أنَّ العبادة هي الحبُّ
(1)
«مترجم
…
مشتق» كذا في النسخ، والوجه النصب.
(2)
هاء الضمير ساقطة من ج، ن، وممسوحة في ل.
مع الذُّلِّ، فكلُّ من ذَلَلْتَ له وأطعتَه وأحببتَه دون الله فأنت عبدٌ له.
وقوله: (وهو يطهِّر من الشِّرك الأكبر)، يعني أنَّ الشِّرك نوعان: أكبر وأصغر، فهذا الرِّضا يطهِّر صاحبه من الأكبر. وأمَّا الأصغر، فيطهِّره نزوله منزلة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
فصل
قال
(1)
: (وهو يصحُّ بثلاثة شروطٍ: أن يكون الله عز وجل أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة).
يعني أنَّ هذا النوع من الرِّضا إنَّما يصحُّ بثلاثة أشياء أيضًا:
أحدها: أن يكون الله عز وجل أحبَّ شيءٍ إلى العبد. وهذه تُعرف بثلاثة أشياء أيضًا:
أحدها: أن تسبق محبَّتُه إلى القلب كلَّ محبَّةٍ، فتتقدَّم محبَّتُه المحابَّ كلَّها.
الثاني: أن تقهر محبَّته كلَّ محبةٍ، فتكون محبَّة
(2)
غيرِه مقهورةً مغلوبةً منطويةً في محبَّته.
الثّالث: أن تكون محبَّة
(3)
غيره تابعةً لمحبَّته، فيكون هو المحبوبَ بالذات والقصد الأول، وغيره محبوبًا تبعًا لحبِّه، كما يطاع تبعًا لطاعته؛ فهو
(1)
«المنازل» (ص 40).
(2)
الأصل: «محبته» ، ولعل المثبت من سائر النسخ أولى.
(3)
«فتكون محبة غيره
…
» إلى هنا ساقط من ع لانتقال النظر.
في الحقيقة المطاع المحبوب.
وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتّعظيم والطّاعة أيضًا.
فالحاصل: أن يكون وحدَه المحبوبَ المعظَّم المطاع، فمن لم يحبَّه ولم يعظِّمه ولم يطعه فهو متكبِّرٌ عليه. ومتى أحبَّ معه سواه، وعظَّم معه سواه، وأطاع معه سواه= فهو مشركٌ. ومتى أفرده وحده بالحبِّ والتعظيم والطاعة فهو عبدٌ موحِّد.
فصل
قال
(1)
: (الدرجة الثانية: الرِّضا عن الله. وبهذا الرضا نطقت آيات التنزيل، وهو الرِّضا عنه في كلِّ ما قضى وقدَّر. وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص).
الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها، ووجه قوله أنَّه لا يدخل في الإسلام إلا بالدرجة الأولى، فإذا استقرَّ قدمه عليها دخل في مقام الإسلام. وأمَّا هذه الدرجة، فمن معاملات القلوب، وهي لأهل الخصوص، وهي الرِّضا عنه في أحكامه وأقضيته.
وإنَّما كان من أوَّل مسالك أهل الخصوص لأنَّه مقدِّمةٌ للخروج عن النفس، والذي هو طريق أهل الخصوص، فمقدِّمته بداية سلوكهم، لأنَّه يتضمَّن خروج العبد عن حظوظه، ووقوفَه مع مراد الله، لا مع مراد نفسه.
هذا تقرير كلامه. وفي جعله هذه الدرجةَ أعلى من التي قبلها نظرٌ لا
(1)
«المنازل» (ص 40).
يخفى، وهو نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله. والذي ينبغي: أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنًا وأرفع قدرًا، فإنَّها مختصَّةٌ وهذه الدرجة مشتركة، فإنَّ الرِّضا بالقضاء يصحُّ من المؤمن والكافر، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره، فأين هذا من الرِّضا به ربًّا وإلهًا ومعبودًا وحكمًا؟
وأيضًا
(1)
: فالرِّضا به ربًّا فرض، بل هو من آكد الفروض باتِّفاق الأمَّة، فمن لم يرض به ربًّا، لم يصحَّ له إسلامٌ ولا عمل
(2)
. وأمَّا الرِّضا بقضائه، فأكثر الناس على أنَّه مستحبٌّ وليس بواجبٍ، وقيل: بل هو واجب، وهما قولان في مذهب أحمد
(3)
.
فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والنفل
(4)
. وفي الحديث الإلهيِّ الصحيح يقول الله عز وجل: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه»
(5)
، فدلَّ على أنَّ التقرُّب إليه سبحانه بأداء الفرض
(6)
أفضل وأعلى من التقرُّب إليه بالنوافل.
وأيضًا: فإنَّ الرِّضا به ربًّا يتضمَّن الرِّضا عنه ويستلزمه، فإنَّ الرِّضا بربوبيته هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه، ويقسمه له ويقدِّره عليه، ويعطيه إيَّاه ويمنعه منه. فمتى لم يرض بذلك كلِّه لم يكن قد رضي به ربًّا من
(1)
«وأيضًا» من ع، والسياق يقتضيه.
(2)
زيد في ع: «ولا حال» .
(3)
انظر ما سبق (ص 477).
(4)
ع: «الندب» .
(5)
أخرجه البخاري (6502).
(6)
ع: «فرائضه» .
جميع الوجوه وإن كان راضيًا به ربًّا من بعضها. فالرِّضا به ربًّا من كلِّ وجهٍ يستلزم الرِّضا عنه ويتضمَّنه بلا ريبٍ.
وأيضًا: فالرِّضا به ربًّا يتعلَّق
(1)
بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيَّته العامَّة والخاصَّة، فهو الرِّضا به خالقًا ومدبِّرًا، وآمرًا وناهيًا وملكًا، ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ووكيلًا ووليًّا، وناصرًا ومعينًا، وكافيًا وحسيبًا، ورقيبًا ومبتليًا ومعافيًا، وقابضًا وباسطًا، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته. وأمَّا الرِّضا عنه، فهو رضا العبد بما يفعله به ويعطيه إيَّاه. ولهذا إنما جاء
(2)
في الثواب والجزاء، كقوله تعالى:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28] فهذا رضاها عنه بما حصل لها من كرامته، وكقوله تعالى:{(7) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8].
فالرِّضا به أصلٌ للرِّضا عنه، والرِّضا عنه ثمرة الرِّضا به. وسرُّ المسألة: أنّ الرِّضا به متعلِّق بأسمائه وصفاته، والرِّضا عنه متعلِّق بثوابه وجزائه.
وأيضًا: فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علَّق ذوق طعم الإيمان بمن رضي به ربًّا، ولم يعلِّقه بمن رضي عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم:«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا»
(3)
، فجعل الرِّضا به قرين الرِّضا بدينه ونبيِّه. وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلَّا بها.
وأيضًا: فالرِّضا به ربًّا يتضمَّن توحيده وعبادته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه، وخوفه ورجاءه ومحبَّته، والصّبر له وبه، والشُّكر على نعمه، بل رؤية كلِّ ما منه نعمةً وإحسانًا وإن ساء عبده. فالرِّضا به ربًّا يتضمَّن شهادة أن لا إله إلّا الله، والرِّضا بمحمدٍ رسولًا يتضمَّن شهادة أن محمَّدًا رسول الله، والرِّضا بالإسلام دينًا يتضمّن التزام عبوديَّته وطاعته وطاعة رسوله. فجمعت هذه الثلاثة الدِّين كلَّه.
وأيضًا: فإن الرِّضا به ربًّا يتضمَّن اتِّخاذه معبودًا دون ما سواه، واتِّخاذَه وليًّا ومعبودًا
(1)
. وقد قال تعالى لرسوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114]، وقال:{أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: 14]، وقال:{أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، فهذا هو عين الرِّضا به ربًّا.
وأيضًا: فإنَّه جعل حقيقة الرِّضا به ربًّا أن يسخط عبادة ما دونه. فمتى سخط العبد عبادة ما سواه من الآلهة الباطلة حبًّا وخوفًا ورجاءً، وتعظيمًا وإجلالًا= فقد تحقَّق بالرِّضا به
(2)
، الذي هو قطب رحى الإسلام.
وإنَّما كان قطب رحى الدِّين لأنَّ جميع العقائد والأعمال والأحوال إنما تنبني على توحيد الله في العبادة وسخط عبادة ما سواه، فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحًى تدور عليه. ومن حصل له هذا القطب ثبتت له
(1)
كذا في جميع النسخ والمطبوعات، ولعله سبق قلم فإن ذكر اتخاذه معبودًا سبق آنفًا، ومقتضى السياق والآيات التي استشهد بها:«وليًّا وحَكَمًا» . وأيضًا فقد سبق (ص 493) أن أركان التوحيد ثلاثة: أن لا يتخذ سواه ربًّا ولا إلهًا (= وليًّا) ولا غيره حَكَمًا. هذا، وزيد في ع بعده:«وإبطال كل ما سواه» .
(2)
زاد في ع: «ربًّا» .
الرحى التي تدور عليه
(1)
، فيخرج حينئذٍ من دائرة الشِّرك إلى دائرة الإسلام، فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم.
وأيضًا: فإنَّه جعل حصول هذه الدرجة من الرِّضا موقوفًا على كون المرضيِّ به ربًّا ــ سبحانه ــ أحبَّ إلى العبد من كلِّ شيءٍ، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة؛ ومعلومٌ أنَّ هذا يجمع قواعد العبوديَّة وينتظم
(2)
فروعَها وشُعَبَها.
ولمَّا كانت المحبَّة التامَّة ميل القلب بكلِّيَّته إلى المحبوب، كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه. وكلَّما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتمَّ والتعظيمُ أوفر. وهذا الميل يلازم الإيمان، بل هو روح الإيمان ولبُّه. فأيُّ شيءٍ يكون أعلى من أمرٍ يتضمَّن أن يكون الله سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحقَّ الأشياء بالطاعة؟
وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان، كما في «الصحيح»
(3)
عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلَّا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار» .
فعلَّق ذوق الإيمان بالرِّضا بالله ربًّا، وعلَّق وَجْد حلاوته بما هو موقوفٌ عليه ولا يتمُّ إلَّا به، وهو كونه سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد هو ورسولُه.
(1)
ع: «ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب» .
(2)
ش، ن:«تنتظم» ، وعليه فيرتفع ما بعده.
(3)
للبخاري (21) ومسلم (43) من حديث أنس.
ولمَّا كان هذا الحبُّ التامُّ والإخلاصُ الذي هو ثمرته أعلى من مجرَّد الرِّضا بربوبيَّته سبحانه= كانت ثمرته أعلى، وهي وجدُ حلاوة الإيمان، وثمرةُ الرِّضا: ذوق طعم الإيمان؛ فهذا وجدٌ لحلاوةٍ
(1)
وذلك ذوقٌ لطعمٍ
(2)
. والله المستعان.
وإنَّما ترتَّب هذا وهذا على الرِّضا به وحده ربًّا، والبراءةِ من عبوديَّة ما سواه، وميلِ القلب بكلِّيَّته إليه، وانجذابِ قوى الحبِّ كلِّها إليه؛ ورضاه عن ربِّه تابعٌ لهذا الرِّضا.
فمن رضي بالله ربًّا رضيه الله له عبدًا، ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته= لم ينل بذلك درجة رضا الربِّ عنه إن لم يرض به ربًّا وبنبيِّه رسولًا وبالإسلام دينًا، فإنَّ العبد قد يرضى عن الله فيما أعطاه ومنعه ولم يرضَ به وحدَه معبودًا وإلهًا. ولهذا إنَّما ضَمِن رضا العبد يوم القيامة لمن رضي به ربًّا، كما قال صلى الله عليه وسلم:«من قال كلَّ يومٍ: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ نبيًّا: إلا كان حقًّا على الله أن يرضيه يوم القيامة»
(3)
.
(1)
ع: «وجدُ حلاوةٍ» .
(2)
ع: «ذوقُ طعمٍ» .
(3)
أخرجه أحمد (18967) وابن ماجه (3870) والحاكم (1/ 518) من حديث خادم النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: «ما من عبد مسلم يقول حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: رضيت بالله ربًّا
…
» إلخ بمثله. وفي إسناده لين لجهالة أحد رواته. وله شاهد من حديث ثوبان عند الترمذي (3389) وغيره بإسناده ضعيف.
وصحَّ في الباب حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم (1884) بلفظ: «من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا= وجبت له الجنة» . وهو عند أبي داود (1529) وغيره بلفظ: «من قال: رضيت بالله ربًّا
…
» إلخ.
فصل
إذا عرف هذا فلنرجع إلى شرح كلامه.
قال: (وبهذا الرِّضا نطق التنزيل)، يشير إلى قوله عز وجل:{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119].
وقال تعالى: {(6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7 - 8].
فتضمَّنت هذه الآيات جزاءهم على صدقهم وإيمانهم، وأعمالهم الصالحة، ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم= بأن رضي الله عنهم، فأرضاهم فرضوا عنه. وإنَّما حصل لهم هذا بعد الرِّضا به ربًّا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، وبالإسلام دينًا.
وقوله: (وهو الرِّضا عنه في كلِّ ما قضى)، هاهنا ثلاثة أمورٍ: الرِّضاء بالله، والرِّضا عن الله، والرِّضا بقضاء الله.
فالرِّضا به فرضٌ، والرِّضا عنه وإن كان من أجلِّ الأمور وأشرف أنواع العبوديَّة فلم يطالب به العموم، لعجزهم عنه ومشقّته عليهم. وأوجبته طائفةٌ
كما أوجبوا الرِّضا به، واحتجُّوا بحججٍ، منها:
أنَّه إذا لم يكن راضيًا عن ربِّه فهو ساخطٌ عليه، إذ لا واسطة بين الرِّضا والسّخط، وسخط العبد على ربِّه منافٍ لرضاه به ربًّا.
قالوا: وأيضًا فعدم رضاه عنه يستلزم سوء ظنِّه به ومنازعته في اختياره لعبده، وأنَّ الرب تعالى يختار شيئًا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضى به، وهذا منافٍ للعبوديَّة.
قالوا: وفي بعض الآثار الإلهيَّة: «من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي، فليتَّخذ ربًّا سواي»
(1)
.
ولا حجَّة في شيءٍ من ذلك.
أمَّا قولهم: إنَّه لا يتخلَّص من السخط على ربِّه إلا بالرِّضا عنه، إذ لا واسطة بين الرِّضا والسخط= فكلامٌ مدخول، لأنَّ السخط بالمقضيِّ لا يستلزم السخط على من قضاه، كما أنَّ كراهة المقضيِّ وبغضَه والنفرةَ عنه لا يستلزم تعلُّق ذلك بالذي قضاه وقدَّره. فالمقضيُّ قد يسخطه العبد وهو راضٍ عمَّن قدَّره وقضاه، بل يجتمع تسخُّطه والرِّضا بنفس القضاء، كما سيأتي.
وأمَّا قولكم إنَّه يستلزم سوء ظنِّ العبد بربِّه ومنازعته له في اختياره، فليس كذلك. بل هو حَسَن الظنِّ بربِّه في الحالتين، فإنَّه إنَّما يسخط المقدور وينازعه بمقدورٍ آخر، كما ينازع القدر الذي يكرهه ربُّه بالقدر الذي يحبُّه ويرضاه، فينازع قدر الله بقدر الله بالله ولله، كما يستعيذ برضاه من سخطه،
(1)
هو حديث واهٍ بمرَّة، وقد سبق (ص 477).
وبمعافاته من عقوبته، ويستعيذ به منه
(1)
.
فأمّا كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرّبُّ، فهذا موضع تفصيلٍ، لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الربِّ لعبده نوعان:
اختيارٌ دينيٌّ شرعيٌّ، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيِّده. قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، فاختيار العبد خلاف ذلك منافٍ لإيمانه وتسليمه، ورضاه بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا.
النوع الثاني: اختيارٌ كونيٌّ قدريٌّ لا يسخطه الربُّ، كالمصائب التي
(2)
يبتلي عبده بها. فهذا لا يضرُّه فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه
(3)
ويكشفها. وليس في ذلك منازعةٌ للرُّبوبية، وإن كان فيه منازعته
(4)
للقدر بالقدر. فهذا تارةً يكون واجبًا، وتارةً يكون مستحبًّا، وتارةً يكون مباحًا مستويَ الطرفين، وتارةً يكون حرامًا، وتارةً يكون مكروهًا.
وأمَّا القَدَر الذي لا يحبُّه ولا يرضاه، مثل قدر المعائب والذُّنوب، فالعبد مأمورٌ بسخطه، ومنهيٌّ عن الرِّضا به
(5)
.
(1)
يشير إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» . أخرجه مسلم (486)، وقد سبق أن ذكره المؤلف (1/ 396) وشرحه.
(2)
في النسخ عدا ش، ع:«الذي» .
(3)
زاد في ع: «ويدفعها» .
(4)
في النسخ عدا الأصل، ل:«منازعة» .
(5)
ع: «بسخطها
…
الرضا بها».
وهذا هو التفصيل الواجب في الرِّضا بالقضاء.
وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابًا عظيمًا، ونجا منه أصحاب الفَرْق والتفصيل. فإنَّ لفظ الرِّضا بالقضاء لفظٌ محمودٌ مأمورٌ به، وهو من مقامات الصِّدِّيقين، فصار له حرمةٌ أوجبت لطائفةٍ قبوله من غير تفصيلٍ، وظنُّوا أنَّ كلَّ ما كان مقضيًّا للرب تعالى مخلوقًا له ينبغي الرِّضا به، ثمَّ انقسموا فرقتين:
فقالت فرقةٌ: إذا كان القضاء والرِّضا متلازمين، فمعلوم أنَّا مأمورون ببغض المعاصي والكفر والظُّلم، فلا تكون مقضيَّةً مقدَّرةً.
وفرقةٌ قالت: قد دلَّ العقل والشرع على أنَّها واقعةٌ بقضاء الله وقدره، فنحن نرضى بها.
والطائفتان منحرفتان، جائرتان عن قصد السبيل. أولئك أخرجوها عن قضاء الربِّ وقدره، وهؤلاء رضُوا بها ولم يسخطوها. هؤلاء
(1)
خالفوا الربَّ تعالى في رضاه وسخطه وخرجوا عن شرعه ودينه، وأولئك أنكروا تعلُّق
(2)
قضائه وقدره بها.
واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين.
فقالت طائفةٌ: لم يقم دليلٌ من الكتاب ولا السُّنّة ولا الإجماع على جواز الرِّضا بكلِّ قضاءٍ، فضلًا عن وجوبه واستحبابه، فأين أمَرَ الله عباده أو رسولُه أن يرضَوا بكلِّ ما قضاه الله وقدَّره؟
(1)
ل، ش:«وهؤلاء» .
(2)
ش: «نفاذ» ، وأخشى أنه كان كذلك في الأصل ثم غُيِّر.
وهذه طريقة كثيرٍ من أصحابنا وغيرهم. وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن الباقلَّاني، قال
(1)
: «فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ قيل له: نرضى بقضاء الله ــ الذي هو خَلْقه ــ الذي أمَرَنا أن نرضى به، ولا نرضى من ذلك ما نهانا
(2)
أن نرضى به. ولا نتقدَّم بين يدي الله، ولا نعترض على حكمه».
وقالت طائفةٌ أخرى: نُطلق الرِّضا بالقضاء في الجملة دون تفاصيل المقضيِّ المقدَّر، فنقول: نرضى بقضاء الله جملةً ولا نسخطه، ولا نطلق الرِّضا على كلِّ واحدٍ من تفاصيل المقضيِّ. كما يقول المسلمون: كلُّ شيءٍ يبيد ويهلك، ولا يقولون: حجج الله تبيد وتهلك؛ ويقولون: الله ربُّ كلِّ شيءٍ، ولا يضيفون ربوبيَّته إلى الأعيان المستخبثة المستقذرة بخصوصها
(3)
.
وقالت طائفة أخرى: نرضى بها من جهة إضافتها إلى الربِّ خلقًا ومشيئتها، ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبًا
(4)
وقيامًا به.
وقالت طائفة أخرى: بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضيَّ، فالرِّضا والسخط لم يتعلَّقا بشيءٍ واحدٍ
(5)
.
وهذه الأجوبة لا يتمشَّى شيءٌ منها على أصول من يجعل محبَّة الربِّ
(1)
أي ابن الباقلاني في «تمهيد الأوائل» (ص 368).
(2)
في ع زيادة: «عنه» ، وليست في المصدر.
(3)
وهذا الجواب أيضًا لابن الباقلاني في «التمهيد» (ص 369)، نقله المؤلف بشيء من التصرف.
(4)
ع: «كسبًا له» .
(5)
بنحوه أجاب أبو الحسن الأشعري، كما في «مقالاته» لابن فورك (ص 99 - 100).
تعالى
(1)
ورضاه ومشيئته واحدةً، كما هو أحد قولي الأشعريِّ، وأكثر أتباعه
(2)
. فإنَّ هؤلاء يقولون: إنَّ كلَّ ما شاءه وقضاه فقد أحبَّه ورضيه. وإذا كان الكون محبوبًا له مرضيًّا، فنحن نحبُّ ما أحبَّه، ونرضى ما رضي به.
وقولكم: إنَّ الرِّضا بالقضاء يطلق جملةً ولا يطلق تفصيلًا= لا يخلِّص في هذا المقام، فإنه وإن لم يُطلَق تفصيلًا فذلك لا يمنع دخوله في جملة المرضيِّ به، فيعود الإشكال.
وقولكم: نرضى بها من جهة كونها خلقًا لله، وتُسخَط
(3)
من جهة كونها كسبًا للعبد= فكسب العبد إن كان أمرًا وجوديًّا فهو خلقٌ لله فيُرضى به، وإن كان أمرًا عدميًّا فلا حقيقة له تُرضى ولا تُسخَط
(4)
.
وأمَّا قولكم: نرضى بالقضاء دون المقضيِّ، فهذا إنَّما يصحُّ على قول من جعل القضاء غير المقضيِّ والفعلَ غير المفعول، وأمَّا من لم يفرِّق بينهما فكيف يصحُّ هذا على أصله؟
وقد أورد القاضي أبو بكرٍ
(5)
على نفسه
(6)
هذا السُّؤال فقال: «فإن قيل:
(1)
في الأصل، ل، ش زيادة:«ومحبته» ، تكرار لا وجه له.
(2)
انظر: «مقالات الأشعري» (فصل في مذهبه في الإرادة ــ ص 70 - 80) و «الإنصاف» لابن الباقلاني (ص 25،38 - 39، 43)، و «الإرشاد» للجويني (ص 239) و «أبكار الأفكار» للآمدي (1/ 303).
(3)
ع: «نسخطها» .
(4)
ل، ج، ن:«برضًا ولا بسخط» .
(5)
ابن الباقلاني في «التمهيد» (ص 368). وانظر: «مقالات الأشعري» (ص 99).
(6)
ل، ج، ن:«تفسير» ، تصحيف.
فالقضاء عندكم هو المقضيُّ أو غيره؟ قيل: هو على ضربين، فالقضاء بمعنى الخلق هو المقضيُّ، لأنَّ الخلق هو المخلوق. والقضاء الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة غير المقضيِّ، لأنَّ الأمر غير المأمور، والخبرَ غير المخبر عنه».
وهذا الجواب لا يخلِّصه أيضًا، لأنَّ الكلام ليس في الإلزام والإعلام والكتابة، وإنَّما الكلام في نفس الفعل المقدَّر، المُعْلَم به، المكتوب: هل مقدِّره وكاتبه سبحانه راضٍ به أم لا؟ وهل العبد مأمورٌ بالرِّضا به نفسه أم لا؟ وهذا حرف المسألة.
وقد أنكر الله سبحانه على من جعل مشيئته وقضاءه مستلزمًا لمحبَّته ورضاه، فكيف بمن جعل ذلك شيئًا واحدًا؟! قال تعالى:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 35].
وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الزخرف: 20].
فهم استدلُّوا على محبَّته ورضاه لشركهم بمشيئته لذلك، وعارضوا بهذا الدليل أمره ونهيه. وفيه أبين الردِّ لقول من جعل مشيئته عين
(1)
محبَّته ورضاه.
(1)
طبعة الفقي: «غير» ، تحريف قلب المعنى وأفسده.
فالإشكال إنَّما نشأ من جعلهم المشيئة نفس المحبَّة، ثمَّ زاد بجعلهم
(1)
الفعل نفس المفعول، والقضاءَ عينَ المقضيِّ. فنشأ من ذلك إلزامُهم بكونه تعالى راضيًا محبًّا لذلك، والتزامُ رضاهم به.
والذي يكشف هذه الغمَّة، ويبصِّر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة: التفريق بين ما فرَّق الله بينه وهو المشيئة والمحبَّة، فليسا واحدًا، ولا هما متلازمين، بل قد يشاء ما لا يحبُّه، ويحبُّ ما لا يشاء كونه.
فالأوَّل: كمشيئته لوجود إبليس وجنوده، ومشيئته العامَّة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه.
والثاني: كمحبَّته إيمانَ الكفار، وطاعاتِ الفجَّار، وعدلَ الظالمين، وتوبة الفاسقين. ولو شاء ذلك لوُجد كلُّه
(2)
، فإنَّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فإذا تقرَّر هذا الأصل، وأنَّ الفعل غير المفعول، والقضاء غير المقضيِّ، وأنَّ الله سبحانه لم يأمر عباده بالرِّضا بكلِّ ما خلقه وشاءه= زالت الشُّبهات، وانحلَّت الإشكالات ولله الحمد، ولم يبق بين شرع الربِّ وقدره تناقضٌ بحيث يُظنُّ إبطال أحدهما للآخر. بل القدر ينصر الشرع، والشرع يصدِّق القدر، وكلٌّ منهما يحقِّق الآخر.
إذا عرف هذا، فالرِّضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس
(1)
ش: «زاده جعلُهم» ، ع:«زادوه بجعلهم» ، وكلاهما صواب أيضًا. والمثبت من ن. وفي سائر النسخ:«زاده بجعلهم» ، خطأ.
(2)
في ع زيادة: «وكان جميعُه» .
الإسلام وقاعدة الإيمان. فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرجٍ ولا منازعة، ولا معارضةٍ ولا اعتراض. قال تعالى:{وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]، فأقسم أنَّهم لا يؤمنون حتَّى يحكِّموا رسوله، ويرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، ويسلِّموا لحكمه. وهذا حقيقة الرِّضا بحكمه، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان.
ومتى خالط القلبَ بشاشةُ الإيمان، واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين، وحَيِيَ بروح الوحي، وتمهَّدت طبيعته، وانقلبت النفس الأمَّارة مطمئنَّةً ريِّضةً
(1)
وادعةً، وتلقَّى أحكام الربِّ تعالى بصدرٍ واسعٍ منشرحٍ مسلِّمٍ= فقد رضي كلَّ الرِّضا بهذا القضاء الدينيِّ المحبوب لله ورسوله.
والرِّضا بالقضاء الكوني القدري الموافقِ لمحبَّة العبد وإرادته ورضاه، مِن الصحَّة والغنى والعافية واللذَّة= أمرٌ لازمٌ بمقتضى الطبيعة، فإنَّه ملائم للعبد محبوبٌ له. فليس في الرِّضا عبوديَّة
(2)
، بل العبوديَّة في مقابلته بالشُّكر والاعترافِ بالمنَّة، ووضع النِّعمة مواضعها التي يحبُّ الله أن توضع فيها،
(1)
أي: مُرتاضةً ذَلولًا. هذا هو المراد هنا، وإلا فـ «الريِّض» من الدوابِّ في اللغة: ضد الذلول، وهو الصعب الذي لا يقبل الرياضة أو الذي لم يرتَضْ بعدُ. وانظر:«تصحيح التصحيف» للصفدي (ص 292) و «تكملة المعاجم» لدوزي (5/ 251).
(2)
أي: لذاته، وإلا فمن حيث كونه باعثًا على الشكر الواجب، فهو واجب. وقد قال المؤلف في «شفاء العليل» (2/ 762): إنه يجب الرضا بالنعم لأنه «يجب شكرُها، ومن تمام شكرها الرضا بها» .
وأن لا يُعصى المنعمُ بها.
والرِّضا بالقضاء الكوني القدريِّ الجاري على خلاف مراد العبد ومحبَّته ممَّا لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره= مستحبٌّ، وهو من مقامات الإيمان
(1)
، وفي وجوبه قولان. وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحرِّ والبرد، والآلام ونحو ذلك.
والرِّضا بالقدر الجاري عليه باختياره ممَّا يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظُّلم والفسوق والعصيان= حرامٌ يعاقَب عليه. وهو مخالفةٌ لربِّه تعالى، فإنَّ الله لا يرضى بذلك ولا يحبُّه، فكيف تتَّفق المحبَّة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرِّضا بالقضاء.
فإن قلت: كيف يريد الله سبحانه أمرًا لا يرضاه ولا يحبُّه؟ وكيف يشاؤه ويكوِّنه؟ وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟
قيل: هذا السُّؤال هو الذي افترق الناس لأجله فِرَقًا، وتباينت عنه طرقهم وأقوالهم. فاعلم أنَّ المراد نوعان: مرادٌ لنفسه، ومرادٌ لغيره.
فالمراد لنفسه مطلوبٌ محبوبٌ لذاته وما فيه من الخير، فهو مرادٌ إرادةَ الغايات والمقاصد.
والمراد لغيره قد لا يكون في نفسه مقصودًا للمريد، ولا فيه مصلحةٌ له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلةً إلى مقصوده ومراده. فهو مكروهٌ له من حيث نفسه وذاته، مرادٌ له من حيث إفضائه
(2)
وإيصاله إلى مراده. فيجتمع فيه
الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلَّقهما. وهذا كالدواء المتناهي في الكراهة إذا عَلِم متناوِله أنَّ فيه شفاءه، وقطع
(1)
العضو المُتأكِّل
(2)
إذا علم أنَّ في قطعه بقاءَ جسده، وكقطع المسافة الشاقَّة جدًّا إذا علم أنَّها توصل
(3)
إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظنِّ الغالب وإن خفيت عنه عاقبته وطويت عنه مغبَّته، فكيف بمن لا تخفى عليه العواقب؟ فهو سبحانه يكره الشيء ويبغضه في ذاته، ولا ينافي ذلك إرادته لغيره، وكونَه سببًا إلى أمرٍ هو أحبُّ إليه من فوته.
من ذلك: أنَّه سبحانه خلق إبليس الذي هو مادَّةٌ لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات. وهو سبب شقاوة العبيد وعملِهم بما يغضب الربَّ تبارك وتعالى. وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبُّه الله ويرضاه بكلِّ طريقٍ وبكلِّ حيلة. فهو مسخوط للربِّ مبغوض، لعنه الله ومقته وغضب عليه. ومع هذا فهو وسيلةٌ إلى محابَّ كثيرةٍ للربِّ تعالى ترتَّبت على خلقه، وجودُها أحبُّ إليه من عدمها.
منها: أن يظهر للعباد قدرة الربِّ تعالى على خلق المتضادَّات المتقابلات، فخلَقَ هذه الذات التي هي من أخبث الذوات وشرِّها، وهي سبب كلِّ شرٍّ، في مقابلة ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادّة كلِّ خيرٍ؛ فتبارك خالقُ هذا وهذا.
(1)
ع: «وكقطع» .
(2)
ضبطه في ع: «المتآكل» ، وهي عامِّية.
(3)
ع: «توصله» .
كما ظهرت
(1)
قدرته التامَّة في خلق الليل والنهار، والضِّياء والظلام، والدَّاء والدَّواء، والحياة والموت، والحرِّ والبرد، والحسن والقبيح، والأرض والسماء، والماء والنار، والخير والشرِّ. وذلك من أدلِّ الدلائل على كمال قدرته وعزَّته وملكه وسلطانه، فإنَّه خلق هذه المتضادَّات وقابَلَ بعضها ببعضٍ وسلَّط بعضها على بعض، وجعلها محالَّ تصرُّفه وتدبيره وحكمته، فخلوُّ الوجود عن بعضها بالكليَّة تعطيلٌ لحكمته وكمالِ تصرُّفه وتدبير مملكته.
ومنها: ظهور آثار أسمائه القهريَّة، مثل القهَّار، والمنتقم، والعدل، والضارِّ، وشديد العقاب، وسريع العقاب
(2)
، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذلِّ. فإنَّ هذه الأسماء والأفعال كمالٌ، فلا بدَّ من وجود متعلِّقها. ولو كان الخلق كلُّهم على طبيعة المَلَك لم يظهر أثر هذه الأسماء والأفعال.
ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمِّنة لحلمه وعفوه، ومغفرته وستره، وتجاوزه عن حقِّه، وعتقه لمن شاء من عبيده. فلولا خلقُ ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطَّلت هذه الحِكَم والفوائد. وقد أشار النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله:«لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم»
(3)
.
(1)
في ع زيادة: «لهم» .
(2)
في طبعتي الفقي والصميعي: «سريع الحساب» ، خلافًا للأصول، والمثبت منها لا غُبار علاه، قال تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165].
(3)
أخرجه مسلم (2749).
ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنَّه الحكيمُ الخبيرُ الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمالُ علمه وحكمته وخبرته، فلا يضع الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل، ولا الفضل والعطاء موضع المنع والحرمان، ولا الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب
(1)
، ولا الخفض موضع الرفع، ولا الرفع مكان الخفض، ولا العزَّ مكان الذلِّ، ولا الذلَّ
(2)
مكان العزِّ، ولا يأمر بما ينبغي النهيُ عنه، ولا ينهى عمَّا ينبغي الأمرُ به.
فهو أعلم حيث يجعل رسالاته
(3)
، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه ووصولها
(4)
، وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله، وأحكم من أن يمنعها أهلها ويضعَها عند غير أهلها.
فلو قدِّر عدم الأسباب المكروهة البغيضة
(5)
له لتعطَّلت هذه الآثار ولم تظهر لخلقه، ولفاتت الحكم والمصالح المترتِّبة عليها، وفواتُها شرٌّ من
(1)
«ولا العقاب موضع الثواب» سقط من ل، ولكن كتب «مـ» فوق كل من الثواب والعقاب من الجملة السابقة، ولعله إشارة إلى إعادة الجملة مع تقديم المؤخر وتأخير المقدَّم.
(2)
الأصل، ل:«والذل» ، سقطت «لا» .
(3)
هكذا بالجمع، وهو قراءة أبي عمرو في قوله تعالى:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. انظر: «النشر» (2/ 262).
(4)
الأصل، ل، ش:«ووصوله» ، ولعله سبق قلم.
(5)
ش: «المبغوضة» .
حصول تلك الأسباب. فلو عطِّلت تلك الأسباب لِما فيها من الشرِّ لتعطَّل الخير الذي هو أعظم من الشرِّ الذي في تلك الأسباب. وهذا كالشمس والمطر والرِّياح التي فيها من المصالح ما هو أضعافُ أضعافِ ما يحصل بها من الشرِّ
(1)
، فلو قدِّر تعطيلها لئلَّا يحصل منها ذلك الشرُّ الجزويُّ لتعطَّل من الخير ما هو أعظم من ذلك الشرِّ بما لا نسبة بينه وبينه.
فصل
ومنها: حصول العبوديَّة المتنوِّعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، ولكان الحاصل بعضَها لا كلَّها. فإنَّ عبوديَّة الجهاد من أحبِّ أنواع العبوديَّة إليه سبحانه. ولو كان الناس كلُّهم مؤمنين لتعطَّلت هذه العبوديَّة وتوابعُها مِن الموالاة فيه سبحانه والمعاداة فيه، والحبِّ فيه والبغض فيه، وبذل النفس له في محاربة عدوِّه، وعبوديَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبوديَّة الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محابِّ الربِّ على محابِّ النفس.
ومنها: عبوديَّة التوبة والرُّجوع إليه واستغفاره، فإنَّه سبحانه يحبُّ التوَّابين ويحبُّ توبتهم، فلو عطِّلت الأسباب التي يُتاب منها لتعطَّلت عبوديَّة التوبة والاستغفار.
ومنها: عبوديَّة مخالفة عدوِّه، ومراغمته في الله، وإغاظته
(2)
فيه. وهي من أحبِّ أنواع العبوديَّة إليه، فإنَّه سبحانه يحبُّ من وليِّه أن يغيظ
(3)
عدوَّه
(1)
زيد في ع: «والضرر» .
(2)
رُسم في عامَّة النسخ بالضاد.
(3)
في النسخ عدا ع: «يبغض» ، والظاهر أنه تصحيف عن «يغيض» كما في ع. و «يغيض» خطأ في رسم «يغيظ» على غرار ما سبق في «إغاظته» آنفًا.
ويراغمَه ويسوءَه. وهذه عبوديَّة لا يتفطَّن لها إلا الأكياس.
ومنها: أن يتعبَّد له بالاستعاذة من عدوِّه، وسؤاله أن يجيره منه، ويعصمه من كيده وأذاه.
ومنها: أنَّ عبيده يشتدُّ خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حلَّ بعدوِّه بمخالفته وسقوطه من المرتبة الملكيَّة إلى المرتبة الشيطانيَّة، فلا يخلدون إلى غرور الأمن
(1)
بعد ذلك.
ومنها: أنَّهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته، الذي حصولُه مشروطٌ بالمعاداة والمخالفة، فأكثر عبادات القلوب والجوارح مرتَّبةٌ على مخالفته.
ومنها: أنَّ نفس اتِّخاذه عدوًّا من أكبر أنواع العبوديَّة وأجلِّها. قال تعالى: {(5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، فاتِّخاذه عدوًّا أنفع شيءٍ للعبد، وهو محبوبٌ للربِّ.
ومنها: أنَّ الطبيعة البشريَّة مشتملةٌ على الخير والشرِّ والطيِّب والخبيث، وذلك كامنٌ فيها كمون النار في الزِّناد، فخُلق الشيطان مستخرجًا ما في طبائع أهل الشرِّ من القوَّة إلى الفعل، وأُرسلت الرُّسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوَّة إلى الفعل؛ فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامن فيها ليترتَّب
(2)
عليه آثاره، وما في قوى أولئك من الشرِّ ليترتَّب
(1)
ع: «الأمل» ، خطأ.
(2)
ع: «ليرتِّب» ، وسقط ما بعده إلى قوله:«في الفريقين» ، فصار السياق: «ليرتّب وينفذ
…
».
عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيهما، ويظهر ما كان معلومًا له مطابقًا لعلمه السابق.
وهذا هو السؤال الذي سألته ملائكتُه حين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، فظنَّت الملائكة أنَّ وجود من يسبِّح بحمده ويطيعه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه، فأجابهم سبحانه بأنَّه يعلم من الحكم والمصالح والغايات المحمودة في خلق هذا النوع ما لا تعلمه الملائكة.
ومنها: أنَّ ظهور كثيرٍ من آياته وعجائب صنعه حصل بسبب وقوع الكفر والشر
(1)
من النُّفوس الكافرة الظالمة، كآية الطُّوفان، وآية الرِّيح، وآية إهلاك ثمودَ وقومِ لوطٍ، وآية انقلاب النار على إبراهيم بردًا وسلامًا، والآيات التي أجراها الله على يد موسى، وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقيب ذكر كلِّ آيةٍ منها:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهْوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء]
(2)
. فلولا كفر الكافرين وعناد الجاحدين لَما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يُتحدَّث بها
(3)
جيلًا بعد جيلٍ إلى الأبد.
ومنها: أنَّ خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضًا، ويكسر بعضها بعضًا= هو من شأن كمال الرُّبوبيَّة والقدرة النافذة، والحكمة التامَّة، والملك الكامل. وإن كان شأن الرُّبوبيَّة كاملًا في نفسه ولو لم تُخلَق هذه
الأسباب، لكنَّ خلقها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته، فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيقٌ لذلك الكمال وموجَبٌ مِن موجباته، فتعمير مراتب الغيب والشهادة بأحكام الصِّفات من آثار الكمال الإلهيِّ المطلق بجميع وجوهه وأقسامه وغاياته.
وبالجملة: فالعبوديَّة والآيات والعجائب التي ترتَّبت على خلق ما لا يحبُّه ولا يرضاه وتقديره ومشيئته= أحبُّ إليه سبحانه وتعالى من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.
فإن قلت: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟
فهذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرِّك، والتوبة بدون التائب.
فإن قلت: فإذا كانت هذه الأسباب مرادةً لِما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضيَّةً محبوبةً من هذا الوجه، أم هي مسخوطةٌ من جميع الوجوه؟
قلت: هذا السؤال يرد على وجهين:
أحدهما: من جهة الربِّ سبحانه، وهل يكون محبًّا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذواتها؟
والثاني: من جهة العبد، وهو أنَّه هل يسوغ له الرِّضا بها من تلك الجهة أيضًا؟
فهذا سؤالٌ له شأن. فاعلم أنَّ الشرَّ كلَّه يرجع إلى العدم، أعني: عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شرٌّ. وأمَّا من جهة وجوده
المحض فلا شرَّ فيه. مثاله: أنَّ النفوس الشِّرِّيرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنَّما حصل لها الشرُّ بقطع مادَّة الخير عنها، فإنَّها خُلِقت في الأصل متحرِّكةً لا تسكن، فإن أُعينت بالعلم وإلهام الخير تحرَّكت به، وإن تُركت تحرَّكت بطبعها إلى خلافه، وحركتُها من حيث هي حركةٌ: خيرٌ، وإنَّما تكون شرًّا بالإضافة، لا من حيث هي حركةٌ. والشرُّ كلُّه ظلمٌ، وهو وضع الشيء في غير موضعه، فلو وُضع في موضعه لم يكن شرًّا.
فعُلم أنَّ جهة الشرِّ فيه نسبةٌ
(1)
إضافيَّةٌ. ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالِّها خيرًا في نفسها، وإن كانت شرًّا بالنِّسبة إلى المحلِّ الذي حلّت به لِما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلةً لضدِّه من اللذَّة، مستعدَّةً له، فصار ذلك الألم شرًّا بالنِّسبة إليها، وهو خيرٌ بالنِّسبة إلى الفاعل حيث وضعه موضعه. فإنَّه سبحانه لا يخلق شرًّا محضًا من جميع الوجوه والاعتبارات، فإنَّ حكمته تأبى ذلك، بل قد يكون ذلك المخلوق شرًّا ومفسدةً ببعض الاعتبارات، وفي خلقه مصالح وحكمٌ باعتباراتٍ أخر أرجحُ من اعتبارات مفاسده، بل الواقع منحصرٌ في ذلك، فلا يمكن في جناب الحقِّ جل جلاله أن يريد شيئًا يكون فسادًا من كلِّ وجهٍ وبكلِّ اعتبارٍ، لا مصلحة في خلقه بوجهٍ ما. هذا من أبين المحال، فإنَّه سبحانه بيده الخير، والشرُّ ليس إليه. بل كلُّ ما إليه فخير، والشرُّ إنّما حصل لعدم هذه الإضافة والنِّسبة إليه، فلو كان إليه لم يكن شرًّا، فتأمَّله. فانقطاع نسبته إليه هو الذي
(1)
في النسخ الخطية: «بمشيئة» ، تصحيف، ولا وجه له. ويحتمل أن يكون صوابه:«نسبيَّةٌ» . وسيأتي في تفسير هذا الإجمال قوله: «كانت شرًّا بالنِّسبة إلى المحل
…
خير بالنِّسبة إلى الفاعل»، وقوله:«والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه» .
صيَّره شرًّا.
فإن قلت: لَمْ تنقطع نسبته إليه خلقًا ومشيئةً.
قلت: هو من هذه الجهة ليس بشرٍّ، فإنَّ وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشرٍّ. والشرُّ الذي فيه: مِن عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدمُ ليس بشيءٍ حتَّى يُنسب إلى من بيده الخير.
فإن أردت مزيد إيضاحٍ لذلك، فاعلم أنَّ أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. فهذه هي الخيرات وأسبابها. فإيجاد هذا السبب خير، وهو إلى الله. وإعداده خير، وهو إليه أيضًا. وإمداده خير، وهو إليه. فإذا لم يُحدِث فيه إعدادًا ولا إمدادًا حصل فيه الشرُّ بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل، وإنَّما إليه ضدُّه.
فإن قلت: فهلَّا أمدَّه إذ أوجده؟
قلت: ما اقتضت الحكمة إيجادَه وإمدادَه، فإنَّه ــ سبحانه ــ يوجد ويمدُّه. وما اقتضت الحكمة إيجادَه وتركَ إمداده، أوجده بحكمته ولم يُمدَّه بحكمته. فإيجاده خير، والشرُّ وقع من عدم إمداده.
فإن قلت: فهلَّا أمدَّ الموجوداتِ كلَّها؟
فهذا سؤال فاسد، يظنُّ مُورِده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة. وهذا عين الجهل، بل الحكمة كلُّ الحكمة في هذا التفاوت العظيم الواقع بينها. وليس في خلق كلِّ نوعٍ منها تفاوتٌ، فكلُّ نوعٍ منها ليس في خلقه من تفاوتٍ. والتفاوتُ إنّما وقع بأمورٍ عدميَّةٍ لم يتعلَّق بها الخلق، وإلَّا فليس في الخلق من تفاوتٍ. فإن اعتاص ذلك عليك ولم تفهمه حقَّ الفهم، فراجع
قولَ القائل
(1)
:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه
…
وجاوزه إلى ما تستطيع
كما ذُكر أنَّ الأصمعي اجتمع بالخليل وحرص على فهم العروض، فأعياه ذلك، فقال له الخليل يومًا: قطِّع لي هذا البيت، وأنشده: إذا لم تستطع
…
البيت، ففهم ما أراده، فأمسك عنه ولم يشتغل به
(2)
.
وسرُّ المسألة: أن الرِّضا بالله يستلزم الرِّضا بصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه، ولا يستلزم الرِّضا بمفعولاته كلِّها. بل حقيقة العبوديَّة أن يوافقه عبده في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما رضي به ويسخط منها ما سخطه.
فإن قيل: هو سبحانه يرضى عقوبة من يستحقُّ العقوبة، فكيف يمكن العبد أن يرضى بعقوبته له؟
قيل: لو وافقه في رضاه بعقوبته لانقلبت لذَّةً وسرورًا، ولكن لا يقع منه ذلك. فإنَّه لم يوافقه في محبَّةِ طاعته
(3)
التي هي سرور النفس وقرَّة العين وحياة القلب، فكيف يوافقه في محبَّة العقوبة التي هي أكره شيءٍ إليه وأشقُّ شيءٍ
(4)
عليه؟! بل كان كارهًا لِما يحبُّه من طاعته وتوحيده، فلا يكون راضيًا
(1)
هو عمرو بن معديكرب، كما في «الأصمعيَّات» (رقم 61) و «الزهرة» (ص 805) و «الأغاني» (15/ 207، 225، 236).
(2)
انظر: «نزهة الألباء» (ص 92). والقصة بنحوها في «التذكرة الحمدونية» (8/ 312) و «محاضرات الأدباء» للراغب (1/ 67)، ولكن فيها «يونس» ــ وهو ابن حبيب الضبي ــ مكان «الأصمعي» .
(3)
ع، والمطبوعات:«محبته وطاعته» ، خطأ يفسد المراد.
(4)
ع: «وأشقُّه» .
بما يختاره من عقوبته، ولو فعل ذلك لارتفعت عنه العقوبة.
فإن قلت: فكيف يجتمع الرِّضا بالقضاء الذي يكرهه العبد من المرض والفقر والألم مع كراهيته؟
قلت: لا تنافي في ذلك، فإنَّه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحبُّ، ويكرهه من جهة تألُّمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أنَّ فيه شفاءه، فإنَّه يجتمع فيه رضاه
(1)
وكراهته له.
فإن قلت: كيف يرضى لعبده شيئًا ولا يعينه عليه؟
قلت: لأنَّ إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوبٍ له أعظمَ مِن حصول تلك الطاعة التي رضيها له. وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمَّن مفسدةً هي أكره إليه سبحانه من محبَّته لتلك الطاعة، بحيث يكون وقوعها منه مستلزمًا لمفسدةٍ راجحةٍ ومفوِّتًا لمصلحةٍ راجحةٍ.
وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 46 - 47]. فأخبر سبحانه أنَّه كره انبعاثهم مع رسوله للغزو، وهو طاعة وقربة، وقد أمرهم به، فلمَّا كرهه منهم ثبَّطهم عنه. ثمَّ ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتَّب على خروجهم مع رسوله، فقال:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} أي: فسادًا وشرًّا، {وَلَأَوْضَعُوا
(1)
في ع زيادة: «به» .
خِلَالَكُمْ} أي: سعوا فيما بينكم بالفساد والشرِّ {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: قابلون منهم مستجيبون لهم، فيتولَّد من بين سعي هؤلاء بالفساد وقبول أولئك
(1)
من الشرِّ ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أنْ منعهم من الخروج وأقعدهم عنه.
فاجعل هذا المثال أصلًا لهذا الباب وقِس عليه.
فإن قلت: قد تصوَّر لي هذا في رضا الربِّ تعالى لبعض ما يخلقه من وجهٍ وكراهته من وجهٍ، فكيف لي بأن يجتمع الأمران في حقِّي بالنسبة إلى المعاصي والفسوق؟
قلت: هو متصوَّرٌ ممكن، بل واقع، فإنَّ العبد يسخط ذلك ويبغضه ويكرهه من حيث هو فعلٌ له واقعٌ بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإذنه الكونيِّ، فيرضى بما مِن الله ويسخط ما هو منه. فهذا مسلك طائفةٍ من أهل العرفان.
وطائفةٌ أخرى رأوا كراهة ذلك مطلقًا وعدمَ الرِّضا به من كلِّ وجهٍ. وهؤلاء في الحقيقة لا يخالفون أولئك، فإنَّ العبد إذا كرهها مطلقًا، فإنَّ الكراهة إنَّما تقع على الاعتبار المكروه منها. وهؤلاء لم يكرهوا علم الربِّ وكتابته ومشيئته وإلزامه وحكمه الكوني، وأولئك لم يرضوا بها من الوجه الذي سخطها الربُّ وأبغضها لأجله.
وسرُّ المسألة: أنَّ الذي إلى الربِّ منها غير مكروه، والذي إلى العبد منها هو المكروه المسخوط.
(1)
في ع زيادة: «منهم» .
فإن قلت: ليس إلى العبد شيءٌ منها؟
قلت: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبَه التخلُّصُ من هذا المقام الضيِّق. والقدريُّ أقرب إلى التخلُّص منه من الجبريِّ. وأهل السُّنَّة المتوسِّطون بين القدريَّة والجبريَّة هم أسعد بالتخلُّص منه من الفريقين.
فإن قلت: كيف يتأتَّى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيُّوميَّة والمشيئة النافذة؟
قلت: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرتُه في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعاتٍ لموافقته فيها المشيئةَ والقدر، وقال: إن عصيتُ أمره فقد أطعت إرادته! وفي ذلك قيل
(1)
:
أصبحتُ منفعلًا لما يختاره
…
منِّي، ففعلي كلُّه طاعاتُ
وهؤلاء أعمى الخلقِ بصائرَ، وأجهلُهم بالله وأحكامه الدينية والكونيَّة، فإنَّ الطاعة هي موافقة الأمر، لا موافقة القدر والمشيئة. ولو كانت موافقة القدر طاعةً لله لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومُ لوطٍ وقومُ فرعون كلُّهم مطيعين له، فيكون قد عذَّبهم أشدَّ العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها. وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فإن قلت: ومع ذلك، فاجمع لي بين الندم والتوبة، وبين مشهد القيُّوميَّة والحكمة؟
(1)
تقدَّم في (1/ 250).
قلت: العبد إذا شهد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربِّه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عينٍ= كان بالله في هذه الحال، لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتَّى في هذه الحال البتَّة، فإنَّ عليه حصنًا حصينًا من «فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يَبطش، وبي يمشي»
(1)
، فلا يُتصوَّر منه الذنب في هذه الحال.
فإذا حُجب عن هذا المشهد، وسقط إلى وجوده الطبيعي، وبقي بنفسه= استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى. وهذا الوجود الطَّبَعيُّ قد نصبت فيه الشِّباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيَّادون، فلا بدَّ أن يقع في شبكةٍ من تلك الشِّباك
(2)
. وهذا الوجود هو حجابٌ بينه وبين ربِّه، فيقع الحجاب، ويقوى المُقتضي، ويضعف المانع، وتشتدُّ الظُّلمة، ويعصف الهوى
(3)
؛ فأنَّى له بالخلاص من تلك الأشراك
(4)
؟ فإذا انقشع عنك ضباب ذلك الوجود الطَّبَعي، وانجاب ظَلامُه، وزال قَتامه، وصرت بربِّك ذاهبًا عن نفسك وطبعك=
بدا لك سرٌّ طال عنك اكتتامه
…
ولاح صباحٌ كنتَ أنت ظلامُهُ
فأنت حجاب القلب عن سرِّ غيبه
…
ولولاك لم يُطبَع عليه ختامُهُ
فإن غبت عنه حلَّ فيه، وطنَّبت
…
على منكب الكشف المصون خيامُهُ
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعه
…
شهيٌّ إلينا نثره ونظامُهُ
(1)
سبق تخريجه والكلام عليه (1/ 408).
(2)
زاد في ع: «أو شركة من تلك الأشراك» .
(3)
ج، ن، ع، والنسخ المطبوعة «تضعف القوى» ، تصحيف.
(4)
زاد في ع: «والشباك» .
إذا ذكرَتْه النفسُ زال عناؤها
…
وزال عن القلب المُعنَّى قَتامُهُ
(1)
فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنَّه كان في المعصية بنفسه، محجوبًا فيها عن ربِّه وعن طاعته، فلمَّا فارق ذلك الوجود، وصار في وجودٍ آخر= بقي بربِّه لا بنفسه.
وإذا عرف هذا، فالتوبة والندم يكون في هذا الوجود الذي هو فيه بربِّه. وذلك لا ينافي مشهد الحكمة والقيُّوميَّة، بل يجامعه ويستمدُّ منه. وبالله التوفيق.
قوله
(2)
: (ويصحُّ بثلاث شرائط: باستواء الحالات عند العبد
(3)
، وسقوط الخصومة مع الخلق، وبالخلاص من المسألة والإلحاح).
يعني: أنَّ الرِّضا عن الله إنَّما يتحقَّق بهذه الأمور الثلاثة، فإنَّ الراضي الموافق تستوي عنده الحالات من النِّعمة والبليَّة في رضاه بحسن اختيار الله له. وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته، فإنَّ هذا خلاف الطبع البشريِّ، بل الحيوانيِّ
(4)
. وليس المراد أيضًا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية، فإنَّ هذا منافٍ للعبوديَّة من كلِّ وجهٍ.
(1)
نسبها ابنُ عجيبة في «شرح الحكم» (ص 513) إلى ابن العَرِيف الصنهاجي. وذكر ابن العربي الأربعة الأولى في «الفتوحات» (3/ 214 - 215) بلا نسبة. ونُسب البيتان الأولان إلى الحلاج، ولا يصح. انظر «شرح ديوان الحلاج» لكامل الشيبي (ص 484).
(2)
«المنازل» (ص 40)، والكلام عن الدرجة الثانية: الرضا عن الله عز وجل.
(3)
ش: «عند العجز» ، تحريف. ثم زيد في الهامش مصححًا عليه:«والقدرة» ، وهو رمٌّ على فساد!
(4)
«ليس المراد
…
» إلى هنا سقط من ش. وفي ع: «بل وخلاف الطبع الحيواني» .
وإنَّما تستوي النِّعمة والبليَّة عنده في الرِّضا بهما لوجوهٍ:
أحدها: أنه مفوِّض، والمفوِّض راضٍ بكلِّ ما اختاره له مَن فوَّض إليه، ولا سيَّما إذا علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره له
(1)
.
الثاني: أنّه جازمٌ بأنَّه لا تبديل لكلمات الله ولا رادَّ لحكمه، وأنَّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو يعلم أنَّ كلًّا من البليَّة والنِّعمة بقضاءٍ سابقٍ وقدَرٍ حَتْم.
الثالث: أنَّه عبدٌ محض، والعبد المحض لا يتسخَّط جريان
(2)
أحكام سيِّده المشفق البارِّ الناصح المحسن، بل يتلقَّاها كلَّها بالرضا به وعنه.
الرابع: أنَّه محبٌّ، والمحبُّ الصادق مَن رضي بما يعامله به حبيبه.
الخامس: أنَّه جاهلٌ بعواقب الأمور، وسيِّده أعلم بمصلحته وما ينفعه.
السادس: أنَّه لا يريد مصلحته من كلِّ وجهٍ ولو عرَفَ أسبابها، فهو جاهل ظالم، وربُّه تعالى يريد مصلحته ويسوق إليه أسبابها، ومِن أعظم أسبابها: ما يكرهه العبد، فإنَّ مصلحته فيما يكرهه أضعافُ
(3)
مصلحته فيما يحبُّه. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]. وقال تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
(1)
من قوله: «مَن فوَّض إليه
…
» إلى هنا سقط من ع لانتقال النظر.
(2)
ش: «بجريان» .
(3)
ش: «أضعافُ أضعافِ»
السابع: أنَّه مسلمٌ، والمسلم من قد سلَّم نفسه لله، ولم يعترض عليه في جريان أحكامه عليه، ولم يتسخط بذلك
(1)
.
الثامن: أنَّه عارفٌ بربِّه حَسَنُ الظنِّ به، لا يتَّهمه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره، فحُسن ظنِّه به يوجب له استواء الحالات عنده، ورضاه بما يختاره له سيِّده.
التّاسع: أنّه يعلم أنَّ حظَّه من المقدور ما يتلقَّاه به من رضًا أو سخطٍ، فلا بدَّ له منه، فإن رضي فله الرِّضا وإن سخط فله السخط
(2)
.
العاشر: علمه بأنَّه إذا رضي به انقلب في حقِّه نعمةً ومنحةً، وخفَّ عليه حمله وأُعين عليه. وإذا سخطه تضاعف عليه ثقله وكَلُّه، ولم يزدد إلَّا شدَّة. فلو أنَّ السخط يجدي عليه شيئًا لكان له فيه
(3)
راحة، فلا أنفع له من الرِّضا به. ونكتة المسألة: إيمانه بأنَّ قضاء الربِّ تعالى خيرٌ له، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له؛ إن أصابَتْه سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلَّا للمؤمن»
(4)
.
(1)
ع: «ذلك» .
(2)
إشارة إلى ما روي عن أنس مرفوعًا: «إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» . أخرجه الترمذي (2396) وابن ماجه (4031) بإسناد فيه لين. قال الترمذي: «حديث حسن غريب من هذا الوجه» . وله شاهد من حديث محمود بن لبيد بلفظ: «
…
فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع». أخرجه أحمد (23623)، ورجاله ثقات إلا أنَّ محمودًا اختُلف في صحبته.
(3)
أي: في الرضا.
(4)
أخرجه مسلم (2999) من حديث صهيب بنحوه، ولفظ صدره:«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كلَّه خير» . وأما قوله: «لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له» فروي بنحوه من حديث أنس عند أحمد (12160) وأبي يعلى (4217، 4313) وابن حبان (728) وغيرهم.
الحادي عشر: أن يعلم أنَّ تمام عبوديَّته في جريان ما يكرهه من الأحكام عليه. ولو لم يجر عليه منها إلَّا ما يحبُّ لكان أبعدَ شيءٍ عن عبوديَّة ربِّه. فلا تتمُّ له عبوديَّته من الصبر، والتوكُّل، والرِّضا، والتّضرُّع، والافتقار، والذُّلِّ، والخضوع، وغيرها إلَّا بجريان القدر له بما يكرهه. وليس الشأن في الرِّضا بالقضاء الملائم للطبيعة، إنَّما الشأن في الرضا بالقضاء المؤلم المنافر للطبع.
الثاني عشر: أن يعلم أنّ رضاه عن ربِّه في جميع الحالات يثمر له رضا ربِّه عنه، فإذا رضي عنه بالقليل من الرِّزق رضي ربُّه عنه بالقليل من العمل. وإذا رضي عنه في جميع الحالات واستوت عنده، وجده أسرع شيءٍ إلى رضاه إذا ترضَّاه وتملَّقه.
الثالث عشر: أن يعلم أنَّ أعظم راحته وسروره ونعيمه في الرِّضا عن ربِّه في جميع الحالات، فإنَّ الرِّضا باب الله الأعظم، ومستراح العارفين، وجنَّة الدُّنيا. فجديرٌ بمن نصح نفسه أن تشتدَّ رغبته فيه، ولا يستبدل بغيره منه.
الرابع عشر: أنَّ السخط باب الهمِّ والغمِّ والحزن، وشتات القلب، وكسف البال، وسوء الحال، والظنِّ بالله خلاف ما هو أهله. والرِّضا يخلِّصه من ذلك كلِّه ويفتح له باب جنَّة الدُّنيا قبل جنَّة الآخرة.
الخامس عشر: أنَّ الرِّضا يوجب له الطُّمأنينة وبردَ القلب وسكونه وقراره، والسخط يوجب اضطراب قلبه ورَيبه وانزعاجه وعدم قراره.
السادس عشر: أنَّ الرِّضا يُنزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها. ومتى نزلت عليه السكينة استقام، وصلحت أحوالُه، وصلح باله. والسخط يُبعده منها بحسب قِلَّته وكثرته. وإذا ترحَّلت عنه السكينة ترحَّل عنه السُّرور والأمن والدَّعة والراحة وطيب العيش. فمِن أعظم نعم الله على عبده تنزيلُ السكينة عليه، ومن أعظم أسبابها: الرِّضا عنه في جميع الحالات.
السابع عشر: أنّ الرِّضا يفتح له باب السلامة، فيجعل قلبه سليمًا نقيًّا من الغشِّ والدَّغل والغلِّ. ولا ينجو من عذاب الله إلَّا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ. وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرِّضا. وكلَّما كان أشدَّ رضًا كان قلبه أسلم. فالخبث والدغل والغشُّ قرين السخط. وسلامةُ القلب وبرُّه ونصحه قرين الرِّضا. وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط، وسلامةُ القلب منه من ثمرات الرِّضا.
الثامن عشر: أن السخط يوجب تلوُّن العبد وعدمَ ثباته مع الله، فإنَّه لا يرضى إلَّا بما يلائم
(1)
طبعه ونفسه. والمقادير تجري دائمًا بما يلائمه وبما لا يلائمه. وكلَّما جرى عليه منها ما لا يلائمه سخطه، فلا يثبت له على العبوديَّة قدم. فإذا رضي عن ربِّه في جميع الحالات استقرَّت قدمُه في مقام العبودية. فلا يزيل التلوُّن عن العبد شيءٌ مثل الرِّضا.
التاسع عشر: أنَّ السخط يفتح عليه باب الشكِّ في الله وقضائه وقدره وحكمته وعلمه، فقلَّ أن سَلِم الساخط من شكٍّ يُداخل قلبه ويتغلغل فيه، وإن كان لا يشعر به. فلو فتَّش غاية التفتيش لوجد يقينه معلولًا مدخولًا، فإنَّ
(1)
الرِّضا واليقين أخوان مصطحبان، والشكُّ والسخط قرينان. وهذا معنى الحديث الذي في «الترمذي»
(1)
العشرون: أنّ الرِّضا بالمقدور من سعادة ابن آدم، وسخطُه من شقاوته، كما في «المسند» و «الترمذي»
(2)
من حديث سعد بن أبي وقَّاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِن سعادة ابن آدم استخارةُ الله عز وجل، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله. ومن شِقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم تركُ استخارة الله» .
فالرِّضا بالقضاء من أسباب السعادة، والتسخُّط على القضاء من أسباب الشقاوة.
الحادي والعشرون: أنَّ الرِّضا يوجب له أن لا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه، وذلك من أفضل خصائل الإيمان. أمَّا عدم أساه على الفائت
(1)
ليس فيه، وإنما أخرجه الحاكم (3/ 541) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 314) والبيهقي في «شعب الإيمان» (9528) وغيرهم، وهو ضعيف. وقد سبق تخريجه مفصلًا (1/ 168 - 169).
(2)
«مسند أحمد» (1444) و «جامع الترمذي» (2151)، وأخرجه أيضًا البزار (1178) والحاكم (1/ 518)، كلهم من حديث محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده. وإسناده ضعيف جدًّا، قال الترمذي:«حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث» ، بل هو منكر الحديث كما قال البخاري وغيره.
وله طريق آخر عند البزار (1179) وأبي يعلى (701) عن إسماعيل بن محمد بن سعد به، ولكنه واهٍ أيضًا.
فظاهر. وأمَّا عدم فرحه بما آتاه، فلأنَّه يعلم أنَّ المصيبة فيه مكتوبةٌ من قبل حصوله، فكيف يفرح بشيءٍ يعلم أنَّ له فيه مصيبةً منتظرةً
(1)
ولا بدَّ؟
الثاني والعشرون: أنَّ من ملأ قلبه من الرِّضا بالقدر، ملأ الله صدره غنًى وأمنًا وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبَّته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه. ومن فاته حظُّه من الرِّضا، امتلأ قلبه بضدِّ ذلك، واشتغل عمَّا فيه سعادته وفلاحه. فالرِّضا يفرِّغ القلب لله، والسخط يفرِّغ القلب من الله.
الثالث والعشرون: أنَّ الرِّضا يثمر الشُّكر، الذي هو من أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان. والسخط يثمر ضدَّه، وهو كفر النِّعم. وربَّما أثمر له كفر المُنعِم. فإذا رضي عن ربِّه في جميع الحالات، أوجب له ذلك شكرَه، فيكون من الراضين الشاكرين. وإذا فاته الرِّضا كان من الساخطين، وسلك سبيل الكافرين.
الرابع والعشرون: أنَّ الرِّضا ينفي عنه آفات الحرص والكَلَب على الدُّنيا، وذلك رأس كلِّ خطيئة، وأصلُ كلِّ بليَّة، وأساسُ كلِّ رزيّة؛ فرضاه عن ربِّه في جميع الحالات ينفي عنه
(2)
هذه الآفات.
الخامس والعشرون: أنَّ الشّيطان إنَّما يظفر بالإنسان غالبًا عند السخط والشهوة، فهناك يصطاده. ولا سيَّما إذا استحكم سخطه، فإنَّه يقول ما لا يرضي الربَّ، ويفعل ما لا يرضيه، وينوي ما لا يرضيه. ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم: «يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول إلا ما يُرضي
(1)
ع: «تنتظره» .
(2)
في ع زيادة: «مادَّة» .
الربّ»
(1)
، فإنَّ موت البنين من العوارض التي توجب للعبد التسخُّط على القدر، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّه لا يقول في مثل هذا المقام الذي يسخطه أكثر الناس، فيتكلَّمون بما لا يرضي الله عز وجل، ويفعلون ما لا يرضيه
(2)
= إلَّا ما يرضي ربَّه تبارك وتعالى.
ولهذا لمَّا مات ابن الفضيل بن عياضٍ رُئي في الجنازة ضاحكًا، فقيل له: تضحك وقد مات ابنك؟! فقال: إنَّ الله قضى بقضاءٍ فأحببتُ أن أرضى بقضائه
(3)
.
فأنكرت طائفةٌ هذا على الفضيل، وقالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بكى يوم موت ابنه، وأخبر أنَّ القلب يحزن والعين تدمع، وهو في أعلى مقامات الرِّضا. فكيف يعدُّ هذا في مناقب الفضيل؟
والتحقيق: أن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتَّسع لتكميل المراتب من الرِّضا عن الله والبكاء رحمةً للصبي، فكان له مقام الرِّضا ومقام الرحمة ورقَّة القلب. والفضيل لم يتَّسع لذلك، فغيَّبه مقام الرضا عن مقام الرحمة، فلم يجتمع له الأمران. والناس في ذلك على أربع مراتب.
أحدها: من اجتمع له الرِّضا بالقضاء ورحمة الطِّفل، فدمعت عيناه رحمةً والقلبُ راضٍ.
(1)
أخرجه البخاري (1303) ومسلم (2315) من حديث أنس.
(2)
ع: «يرضاه» .
(3)
أسنده ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله» (90)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (8/ 100)، وذكره القشيري في ترجمة الفضيل من «الرسالة» (ص 108).
الثاني: من غيَّبه الرِّضا عن الرحمة، فلم يتَّسع للأمرين
(1)
.
الثالث: من غيَّبته الرحمة والرقَّة عن الرِّضا فلم يشهده
(2)
.
الرابع: من لا رضا عنده ولا رحمة، وإنَّما كان حزنُه لفوات حظِّه من الميِّت. وهذا حال أكثر الخلق. فلا إحسان ولا رضا عن الرحمن. والله المستعان
(3)
.
السادس والعشرون: أنَّ الرِّضا هو اختيار ما اختاره الله لعبده. والسخط كراهة ما اختاره الله، وهذا نوع محادَّة، فلا يتخلَّص منه إلا بالرِّضا عن الله في جميع الحالات.
السابع والعشرون: أنَّ الرِّضا يُخرج الهوى من القلب، فالراضي هواه تبعٌ لمراد ربِّه منه، أعني المراد الذي يحبُّه ويرضاه، فلا يجتمع الرِّضا واتِّباع الهوى في قلبٍ أبدًا. وإن كان معه شعبةٌ من هذا وشعبةٌ من هذا، فهو للغالب عليه منهما.
الثامن والعشرون: أنَّ الرِّضا عن الله في جميع الحالات يثمر للعبد رضا الله عنه كما تقدَّم بيانه في الرِّضا به ربًّا، فإنَّ الجزاء من جنس العمل. وفي أثرٍ إسرائيليٍّ أنَّ موسى سأل ربَّه تبارك وتعالى عمَّا يدني من رضاه، فقال: «إنَّ
(1)
زاد في ع: «بل غيَّبه أحدهما عن الآخر» .
(2)
زاد في ع: «بل فني عن الرضا» .
(3)
انظر هذا التحقيق في حال الفضيل وتقسيم الناس في «مجموع الفتاوى» (10/ 47). ونقله المؤلف سماعًا منه في «زاد المعاد» (1/ 640 - 641) بأخصر مما هنا. وانظر: «روضة المحبين» (ص 407).
رضاي في رضاك بقضائي»
(1)
.
التاسع والعشرون
(2)
: أنَّ الرِّضا بالقضاء أشقُّ شيءٍ على النفس. بل هو ذبحها في الحقيقة، فإنَّه مخالفة هواها وطبعها وإرادتها. ولا تصير مطمئنَّةً قطُّ حتى ترضى بالقضاء، فحينئذٍ تستحقُّ أن يقال لها:{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30].
الثلاثون: أنَّ الرّاضي متلقٍّ
(3)
أوامرَ الرب الدينيَّةَ والقدريَّةَ بالانشراح والتسليم وطيب النفس والاستسلام، والساخطُ يتلقَّاها بضدِّ ذلك إلَّا ما وافق طبعه وإرادته منها. وقد بيَّنَّا أن الرِّضا بذلك لا ينفعه ولا يثاب عليه، فإنَّه لم يرض به لكون الله قدَّره وقضاه وأمر به، وإنَّما رضي به لموافقته هواه وطبعه، فهو إنَّما رضي بنفسه وعن نفسه، لا عن ربِّه.
الحادي والثلاثون: أنَّ المخالفاتِ كلَّها أصلُها من عدم الرِّضا، والطاعاتِ كلَّها أصلُها من الرِّضا. وهذا إنَّما يعرفه حقَّ المعرفة من عرف صفات نفسه وما يتولَّد عنها من الطاعات والمعاصي.
الثاني والثلاثون: أنَّ عدم الرِّضا يفتح باب البدعة، والرِّضا يُغلق عنه ذلك
(1)
«قوت القلوب» (2/ 41) و «القشيرية» (ص 454). وقد اختصره المؤلف هنا بحذف ما استُشكل منه، بل حكم عليه شيخ الإسلام من أجله أنه كذب. وسينقله المؤلف بتمامه في «الحادي والخمسين» ، فانظره (ص 551) مع التعليق عليه.
(2)
«أن الرضا عن الله
…
التاسع والعشرون» سقط من ع لانتقال النظر.
(3)
ع: «متملق» ، تصحيف.
الباب. ولو تأمَّلت بدع الروافض والنواصب والخوارج، لرأيتها ناشئةً عن
(1)
عدم الرِّضا بالحكم الكوني، أو الدينيِّ، أو كليهما.
الثالث والثلاثون: أنَّ الرِّضا مَعقِد نظام الدِّين ظاهرِه وباطنِه، فإنَّ القضايا لا تخلو من خمسة أنواعٍ
(2)
تنقسم قسمين دينيَّةً وكونيَّةً، وهي: مأمورات، ومنهيَّات، ومباحات، ونِعمٌ مُلِذَّة
(3)
، وبلايا مؤلمة. فإذا استعمل العبد الرِّضا في ذلك كلِّه فقد أخذ بالحظِّ الوافر من الإسلام، وفاز بالقدح المعلَّى.
الرابع والثلاثون: أنَّ الرِّضا يخلِّص العبد من مخاصمة الربِّ تعالى في أحكامه وأقضيته، فإن السخط عليه مخاصمةٌ له فيما لم يرضَ به العبد. وأصل مخاصمة إبليس لربِّه من عدم رضاه بأقضيته وأحكامه الدينيَّة والكونيَّة، فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكيَّة إلى الحقيقة الإبليسيَّة
(4)
.
الخامس والثلاثون: أنَّ جميع ما في الكون أوجبه مشيئة الله
(5)
وحكمته وملكه. فهو موجَب أسمائه وصفاته. فمن لم يرضَ بما قضى به ربُّه، لم يرض بأسمائه وصفاته، فلم يرض به ربًّا.
السادس والثلاثون: أنَّ كلَّ قدرٍ يكرهه العبد ولا يلائمه لا يخلو أن
(1)
ع: «من» .
(2)
غير محرر في الأصل ول، يشبه:«أنعام» ، فتصحَّف في ش إلى:«أقسام» .
(3)
كذا، ولم أجد «ألذَّ» بهمزة التعدية في المعاجم. وقد استعمله المؤلف أيضًا في «طريق الهجرتين» (1/ 120).
(4)
ع: «الشيطانية الإبليسية» .
(5)
ع: «أوجبته مشيئته» .
يكون عقوبةً على ذنب، فهو دواءٌ لمرضٍ لولا تدارك الحكيم إيَّاه بالدواء لترامى بالمريض
(1)
إلى الهلاك. أو يكونَ سببًا لنعمةٍ لا تُنال إلَّا بذاك المكروه، فالمكروه ينقطع ويتلاشى، وما ترتَّب عليه من النِّعمة دائمٌ لا ينقطع. فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرِّضا عن ربِّه في كلِّ ما يقضيه ويقدِّره.
السابع والثلاثون: أنّ حكم الربِّ ماضٍ في عبده، وقضاؤه عدلٌ فيه، كما في الحديث:«ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك»
(2)
، ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل الظُّلم والجور. وقوله:«عدل في قضاؤك» يعمُّ قضاء الذنب وقضاء أثره وعقوبته، فإنَّ الأمرين من قضائه عز وجل، وهو أعدل العادلين في قضائه بالذنب وفي قضائه بعقوبته.
أمَّا عدل العقوبة
(3)
فظاهر. وأمَّا عدله في قضاء الذنب
(4)
، فلأنَّ الذنب
(1)
ع: «به المرض» .
(2)
أخرجه أحمد (3712) وابن حبان (972) والحاكم (1/ 509) من حديث ابن مسعود في دعاء الهم والحزن المشهور. في إسناده أبو سلمة الجهني، وقد اختلف فيه هل هو موسى الجهني الثقة من رجال مسلم، أو رجل آخر مجهول؟ وله طريق آخر ضعيف، وشاهد من حديث أبي موسى بإسناد ضعيف أيضًا. انظر:«العلل» للدارقطني (819) و «الصحيحة» للألباني (199)، وتخريج محققي «المسند» (طبعة الرسالة)، و «أنيس الساري» (364).
والمؤلف صحَّح الحديث في «أعلام الموقعين» (1/ 325) و «الداء والدواء» (ص 481) وغيرهما من كتبه.
(3)
ع: «عدله في العقوبة» .
(4)
ع: «في قضائه بالذنب» .
عقوبةٌ على غفلته، وإعراضِ قلبه عن ربِّه ووليِّه
(1)
، ونقص إخلاصه
(2)
. وإلَّا فمع كمال الإخلاص
(3)
والإقبال على الله ــ سبحانه ــ وذكرِه يستحيل صدور الذنب، كما قال تعالى: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخَلِصِينَ
(4)
} [يوسف: 24].
فإن قلت: قضاؤه على عبده بإعراضه عنه، ونسيانِه إيَّاه، وعدمِ إخلاصه= عقوبةٌ على ماذا؟
قلت: هذا طبع النفس وشأنها، فهو سبحانه إذا لم يرد الخير بعبده خلَّى بينه وبين نفسه وطبعه وهواه. وذلك يقتضي أثره من الغفلة والنِّسيان، وعدم الإخلاص، واتِّباع الهوى. وهذه الأسباب تقتضي آثارها من الآلام وفوات الخيرات واللذَّات، كاقتضاء سائر الأسباب لمسبَّباتها وآثارها.
فإن قلت: فهلَّا خلقه على غير تلك الصِّفة؟
قلت: هذا سؤال فاسد، ومضمونه: هلَّا خلقه ملكًا لا إنسانًا؟
فإن قلت: فهلَّا أعطاه التوفيق الذي يتخلَّص به من شرِّ نفسه وظلمة طبعه؟
قلت: مضمون هذا السُّؤال: هلَّا سوَّى بين خلقه؟ ولِمَ خلق المتضادَّات والمختلفات؟ وهذا من أفسد الأسوِلة. وقد تقدَّم بيان اقتضاء حكمته وربوبيَّته وملكه لخلق ذلك.
(1)
ع: «غفلته عن ربِّه وإعراض قلبه عنه» .
(2)
في ع زيادة: «استحق أن يضرب بهذه العقوبة لأن قلوب الغافلين معدن للذنوب، والعقوبات واردة عليها من كل جهة» . إقحام يأباه أسلوب المؤلف!
(3)
في ع زيادة: «والذكر» ، مع أنه سيأتي قريبًا.
(4)
بكسر اللام على قراءة أبي عمرو وغيره، وبها يتم استدلال المؤلف. انظر:«النشر» (2/ 295).
الثامن والثلاثون: أنّ عدم الرِّضا إمَّا أن يكون لفوات ما أخطأه ممَّا يحبُّه ويريده، وإمَّا لإصابة ما يكرهه ويسخطه. فإذا تيقَّن أنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلَّا فوات ما ينفعه وحصول ما يضرُّه.
التاسع والثلاثون: أنَّ الرِّضا من أعمال القلوب نظيرُ الجهاد من أعمال الجوارح في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما ذروة سنام الإيمان. قال أبو الدَّرداء: ذروة الإيمان: الصَّبر للحكم، والرِّضا بالقدر
(1)
.
الأربعون: أنَّ أوَّل معصيةٍ عُصي الله بها في هذا العالم إنَّما نشأت من عدم الرِّضا، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونًا مِن تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني مِن أمره بالسُّجود له. وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنَّة، حتى يضمَّ إليه الأكل من شجرة الحِمى. ثمَّ ترتَّبت معاصي الذرِّيَّة على عدم الصبر والرِّضا.
الحادي والأربعون: أنَّ الراضي واقفٌ مع اختيار الله له، معرضٌ عن اختياره لنفسه. وهذا من
(2)
قوَّة معرفته بربِّه ومعرفته بنفسه.
واجتمع وهيب بن الورد، وسفيان الثَّوريُّ، ويوسف بن أسباطٍ، فقال
(1)
وتمامه: «والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب» . أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (123 ــ رواية أبي نعيم)، وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (58)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 216)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (198)، من حديث يزيد بن مرثد عن أبي الدرداء. وهو مرسل، يزيد بن مرثد لم يسمع من أبي الدرداء.
(2)
في النسخ عدا ع: «مع» ، والظاهر أنه تصحيف، وفي ش عليه إشارة إلى الهامش، ولكن لسوء التصوير لم يظهر ما فيه.
الثوريُّ: قد كنت أكره موت الفَجأة
(1)
قبل اليوم، وأمَّا اليوم: فوددت أنِّي ميِّت. فقال له يوسف: ولِمَ؟ فقال: لِما أتخوَّف من الفتنة. فقال يوسف: لكنِّي لا أكره طول البقاء. فقال الثوريُّ: ولم تكره الموت؟ قال: لعلِّي أصادف يومًا أتوب فيه وأعمل صالحًا. فقيل لوهيبٍ: أيُّ شيءٍ تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئًا، أَحَبُّ ذلك إليَّ أحبُّه إلى الله. فقبَّل الثوريُّ بين عينيه وقال: روحانيّةٌ وربِّ الكعبة!
(2)
فهذا حال عبدٍ قد استوت عنده حالة البقاء والموت، ووقف مع اختيار الله له منهما
(3)
.
الثاني والأربعون: أن يعلم أنَّ منع الله سبحانه لعبده المؤمن به المحبِّ له عطاءٌ، وابتلاءَه إيَّاه عافية. قال سفيان الثوريُّ: منع الله عطاءٌ، لأنَّه يمنع عن
(4)
غير بخلٍ ولا عدمٍ
(5)
، فمَنْعه اختيارٌ وحسن نظرٍ
(6)
. وهذا كما قال
(7)
، فإنَّه
(1)
ورسمه يحتمل: «الفُجاءة» .
(2)
«قوت القلوب» (2/ 44 - 45) و «إحياء علوم الدين» (4/ 355).
(3)
زيد في ع: «وقد كان وهيب رحمه الله له المقام العالي من الرضا وغيره» .
(4)
ش، ن:«من» .
(5)
السياق في ع: «وذلك أنه لم يمنع من بخلٍ ولا عدم، وإنما نظر في حقِّ عبده المؤمن» ، تصرُّف وإقحام مخالف لمصدر المؤلف.
(6)
ذكره أبو طالب في «قوت القلوب» (2/ 45)، وهو وهم. وإنما قال ذلك أبو حبيب البدوي لسفيان، كما أسنده أبو نعيم في «الحلية» (7/ 6، 8/ 287 - 288). ولم أجد لأبي حبيب هذا ترجمة، ولا ذكره أحد غير أبي نعيم.
(7)
زيد في النسخ عدا ع: «المصنف رحمه الله» . ولعل المصنف كان قد عدَّل فيما كتبه أولًا أو زاد فيه في هامش نسخةٍ، فكتب هو أو بعضهم في آخره:«المصنف» تنبيهًا على أن التعديل منه، ثم دخلت كلمة «المصنف» في المتن خطأ في النُّسَخ اللاحقة.
سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له، ساءه ذلك القضاء أو سرَّه، فقضاؤه لعبده المؤمن عطاءٌ وإن كان في صورة المنع، ونعمةٌ وإن كان في صورة محنةٍ، وعافيةٌ
(1)
وإن كانت في صورة بليَّةٍ.
ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعدُّ العطاء والنِّعمة والعافية إلَّا ما التذَّ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه. ولو رزق من المعرفة حظًّا وافرًا لعَدَّ
(2)
نعمة الله عليه فيما يكرهه أعظمَ من نعمته عليه فيما يحبُّه، كما قال بعض العارفين
(3)
: يا ابن آدم، نعمة الله عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك فيما تحبُّ. وقد قال تعالى:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216].
وقال بعض العارفين: ارضَ عن الله في جميع ما يفعله بك، فإنَّه ما منعك إلَّا ليعطيك، ولا ابتلاك إلَّا ليعافيك، ولا أمرضك إلَّا ليشفيك، ولا أماتك إلَّا ليحييك، فإيَّاك أن تفارق الرِّضا عنه طرفة عينٍ فتسقط من عينه.
الثالث والأربعون: أن يعلم أنَّه سبحانه هو الأوَّل قبل كلِّ شيءٍ، والآخر
(1)
ع: «وبلاؤه عافية» .
(2)
(3)
لم أهتد إليه، ولا إلى العارف الآتي قولُه.
بعد كلِّ شيءٍ، والمظهر لكلِّ شيءٍ، والمالك لكلِّ شيءٍ، وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار، وليس للعبد أن يختار عليه، وليس لأحدٍ معه اختيار، ولا يشرك في حكمه أحدًا، والعبد لم يكن شيئًا مذكورًا، فهو سبحانه الذي اختار وجوده، واختار أن يكون كما قدَّره له وقضاه من عافيةٍ وبلاء، وغنًى وفقر، وعزٍّ وذلٍّ، ونباهةٍ وخمول، فكما تفرَّد سبحانه بالخلق تفرَّد بالاختيار والتقدير والتدبير، وليس للعبد شيءٌ من ذلك فإنَّ الأمر كلَّه لله. وقد قال تعالى لنبيه:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]. فإذا تيقَّن العبد أنَّ الأمر كلَّه لله، ليس له من الأمر قليلٌ ولا كثير= لم يكن له
(1)
معوَّل بعد ذلك غيرَ الرِّضا بمواقع الأقدار، وما يجري به من ربِّه الاختيار.
الرابع والأربعون: أنَّ رضا الله عن العبد أكبر من الجنَّة وما فيها، لأنَّه صفته والجنَّة خلقه، قال الله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72]. وهذا الرِّضا جزاءٌ على رضاهم عنه في الدُّنيا، فكما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء كان سببُه أفضلَ الأعمال.
الخامس والأربعون: أنَّ العبد إذا رضي به وعنه في جميع الحالات= لم يتخيَّر عليه المسائل، وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدِّره ويفعله به عن ذلك، وجعل له ذِكرَه في محلِّ سؤاله، بل يكون سؤاله له الإعانة على بلوغ رضاه
(2)
، فهذا يُعطى أفضلَ ما يعطاه سائل، كما جاء في الأثر المعروف: «من
شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»
(1)
، فإنَّ السائلين سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه، والراضون رضُوا عنه فأعطاهم رضاه عنهم، ولا يمنع الرِّضا سؤالَه أسباب الرِّضا، بل أصحابه ملحُّون في سؤالهم
(2)
ذلك.
السادس والأربعون: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يندب إلى أعلى المقامات، فإن عجز العبد عنه حطَّه إلى المقام الوسط، كما قال:«اعبد الله كأنَّك تراه» ، فهذا مقام المراقبة الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان، ثمَّ قال:«فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك» ، فحطَّه عند العجز عن هذا إلى مقام العلم باطلاعه
(3)
ورؤيته ومشاهدته لعبده
(4)
.
وكذا الحديث الآخر: «إن استطعت أن تعمل لله بالرِّضا مع اليقين
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (29881) وأحمد في «الزهد» (ص 123) والبيهقي في «الشعب» (569) عن مالك بن الحارث السُّلَمي ــ تابعي ثقة ــ قال: يقول الله تعالى.
وقد روي مرفوعًا، أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 115) والبيهقي في «شعب الإيمان» (567) من حديث عمر بن الخطاب بإسناد ضعيف جدًّا. وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (584) والبيهقي في «الشعب» (568) من حديث جابر، وإسناده ضعيف أيضًا. وروي نحوه من حديث أبي سعيد وأنس وغيرهما، ولكن أسانيدها واهية. وأصح شيء في الباب مرسل عمرو بن مرَّة الجَمَلي عند ابن أبي شيبة (29883) بإسناد حسن. انظر:«الضعيفة» للألباني (1335، 4989) و «أنيس الساري» (4758).
(2)
ع: «سؤاله» ، أي سؤال الله.
(3)
السياق في ع: «عن المقام الأول إلى المقام الثاني، وهو العلم باطلاع الله» .
(4)
زاد في ع: «في الملا والخلا» .
فافعل، فإن لم تستطع فإنَّ في الصبر [على ما تكره]
(1)
خيرًا كثيرًا»
(2)
، فرفعه إلى أعلى المقامات، ثمَّ ردَّه إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى. فالأوَّل مقام الإحسان، والذي حطَّه إليه مقام الإيمان، وليس دون ذلك إلَّا مقام الخسران.
السابع والأربعون: أنَّه صلى الله عليه وسلم أثنى على الراضين بمُرِّ القضاء بالحُكم والعلم والفقه والقرب من درجة النبوَّة، كما في حديث الوفد الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:«ما أنتم؟» فقالوا: مؤمنون، فقال:«ما علامة إيمانكم؟» فقالوا: الصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء، والرِّضا بمرِّ القضاء، والصِّدق في مواطن اللِّقاء، وترك الشماتة بالأعداء، فقال:«حكماء علماء، كادوا مِن فقههم أن يكونوا أنبياء»
(3)
.
الثامن والأربعون: أنَّ الرِّضا آخذٌ بزمام مقامات الدِّين كلِّها، وهو روحها وحياتها، فإنَّه روح التوكُّل وحقيقته، وروح اليقين، وروح المحبَّة، وصفة المحبِّ، ودليل صدق المحبَّة، وروح الشُّكر ودليله.
قال الربيع بن أنسٍ: علامة حبِّ الله: كثرة ذكره، فإنَّك لا تحبُّ شيئًا إلَّا
(1)
ما بين الحاصرتين من ع، وهو لفظ الحديث.
(2)
سبق تخريجه (1/ 168 - 169).
(3)
أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (9/ 279) والبيهقي في «الزهد الكبير» (970) وابن عساكر في «تاريخه» (1/ 199 - 201) من حديث علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي، عن أبيه، عن جدِّه الذي كان في ذلك الوفد. إسناده ضعيف، فإن علقمة مجهول، قال الذهبي: لا يُعرَف، وأتى بخبر منكر عن أبيه عن جدِّه. «ميزان الاعتدال» (3/ 108). وأقره الحافظ في «اللسان» (5/ 472).
أكثرت من ذكره. وعلامة الدِّين: الإخلاص لله
(1)
. وعلامة الشُّكر: الرِّضا بقدر الله والتسليم لقضائه
(2)
.
وقال أحمد بن أبي الحَواريِّ: ذاكرت أبا سليمان
(3)
في الخبر المرويِّ: «أوَّل من يدعى إلى الجنَّة الحمَّادون»
(4)
، فقال: ويحك! ليس هو أن تحمده على المصيبة وقلبك يتعصَّر
(5)
عليها، إذا كنت كذلك فارجع إلى الصابرين، إنَّما الحمد: أن تحمده وقلبك مسلِّمٌ راضٍ
(6)
.
فصار الرِّضا كالرُّوح لهذه المقامات والأساس الذي تنبني عليه، ولا
(1)
زيد في ع: «في السر والعلانية» ، إقحامٌ، ليس في المصادر.
(2)
أخرجه أبو إسحاق الخُتَّلي في جزء «المحبة لله» (32) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (ص 747) عن الربيع بن أنس عن بعض أصحابه. وفيه زيادة: «وعلامة العلم: خشية الله» .
(3)
هو الداراني.
(4)
أخرجه البزار (11/ 247) والطبراني في «الكبير» (12/ 19) وفي «الأوسط» (3033) وفي «الصغير» (288) والحاكم (1/ 502) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (5/ 69) والبيهقي في «شعب الإيمان» (4063، 4064، 4166، 4167) وغيرهم بأسانيد ضعيفة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (206) بإسناد صحيح عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير موقوفًا عليه من قوله. وانظر:«الضعيفة» (632).
وفي الباب حديث عمران بن الحصين موقوفًا: «إن خير عباد الله يوم القيامة الحمَّادون» . أخرجه أحمد (19895) وابن أبي شيبة (35837) بإسناد صحيح.
(5)
في الأصل وغيره: «يتعصَّى» ، والمثبت من ش أقرب، ويؤيده لفظ مصدر الخبر:«معتصر عليها» . وفي ع: «يتعصَّى عليك» ، وله وجه من حيث المعنى.
(6)
أسنده أبو نعيم في «الحلية» (10/ 10).
يصحُّ شيءٌ منها بدونه البتَّة.
التاسع والأربعون: أنَّ الرِّضا يقوم له مقام كثيرٍ من أنواع التعبُّدات التي تشقُّ على البدن، فيكون رضاه أسهل عليه، وألذَّ له، وأرفع في درجته.
وقد ذُكر في أثرٍ إسرائيليٍّ: أن عابدًا عبد الله دهرًا طويلًا، فأري في المنام: أنَّ فلانة الراعية رفيقتك في الجنَّة، فسأل عنها إلى أن وجدها، فاستضافها ثلاثًا ينظر إلى عملها، وكان يبيت قائمًا وتبيت نائمةً، ويظلُّ صائمًا وتظلُّ مفطرةً. فقال: أما لكِ عملٌ غير ما رأيت؟ قالت: ما هو والله غير ما رأيت
(1)
، لا أعرف غيره. فلم يزل يقول: تذكَّري، حتّى قالت: خُصَيلةٌ واحدةٌ هي فيَّ
(2)
: إن كنت في شدَّةٍ لم أتمنَّ أنِّي في الرخاء، وإن كنت في مرضٍ لم أتمنَّ أنِّي في صحَّةٍ، وإن كنت في شمسٍ لم أتمنَّ أنِّي في الظِّلِّ. قال: فوضع العابد يده على رأسه وقال: أهذه خُصيلة؟ هذه والله خصلةٌ عظيمةٌ يَعجِز عنها العبَّاد
(3)
.
وقد روي عن ابن مسعود: من رضي بما نزل من السماء إلى الأرض غفر له
(4)
.
(1)
زاد في ع: «أو قالت: إلا ما رأيت» .
(2)
زاد في ع: «وذلك أنِّي» .
(3)
أسنده أبو نعيم (8/ 193) عن عبد العزيز بن أبي روَّاد ــ من أتباع التابعين ــ بلاغًا. وذكره أبو طالب في «قوت القلوب» (2/ 39) ثم الغزالي في «الإحياء» (4/ 346).
(4)
«قوت القلوب» (2/ 39)، والمؤلف صادر عنه. وأخرجه هبة الله الطبري في «شرح السنة» (1705) وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 249) والبيهقي في «الزهد الكبير» (826) بنحوه، وإسناده ضعيف.
وفي أثرٍ مرفوعٍ: «مِن خير ما أُعطي العبد: الرِّضا بما قسم الله له»
(1)
.
وفي أثرٍ آخر: إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه
(2)
.
وفي أثرٍ: إنَّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يسأل ربَّه أمرًا إذا هم فعلوه رضي عنهم، فقال موسى: ربِّ إنّك تسمع ما يقولون، فقال:«قل لهم يرضون عنِّي حتَّى أرضى عنهم»
(3)
.
وفي أثرٍ آخر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «من أحبَّ أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده، فإنَّ الله ينزل العبدَ منه حيث ينزله العبدُ من نفسه»
(4)
.
(1)
«قوت القلوب» (2/ 39)، قال:«وروي عن محمد بن حويطب عن النبي صلى الله عليه وسلم» ، ولم أجد من أخرجه. ثم إن صحَّ فرواية محمد بن حويطب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، بل معضَلة. انظر:«الإصابة» (10/ 504).
(2)
«قوت القلوب» (2/ 39)، قال:«قد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا من طريق أهل البيت» . وذكره أيضًا الغزالي في «الإحياء» (4/ 288).
(3)
«قوت القلوب» (2/ 39) و «الإحياء» (4/ 345).
(4)
«قوت القلوب» (2/ 39). وأخرجه أبو يعلى (1865) والطبراني في «الأوسط» (2501) والحاكم (1/ 495) والبيهقي في «الشعب» (525) من حديث جابر بن عبد الله بإسناد ليِّن، فيه عُمر مولى غُفرة، متكلَّم فيه. وله شاهد من حديث أبي هريرة عند البزار (10062) وابن عدي في «الكامل» (6/ 220) وأبي نعيم في «الحلية» (6/ 176)، ولكنه ضعيف أيضًا، فيه صالح المُرِّي، قاصٌّ واهي الحديث. وشاهد آخر عند أبي نعيم أيضًا (8/ 216) من حديث مبارك بن فَضالة عن الحسن عن سَمُرة مرفوعًا. وفي إسناده لين مع الخلاف المشهور في سماع الحسن من سمرة. وهو عند ابن المبارك في «الزهد» (849) من الطريق نفسه موقوف على سمرة من قوله، وهو أشبه. وأخرجه أحمد في «الزهد» (ص 297) موقوفًا على التابعي الجليل مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير رحمه الله بإسناد صحيح.
وانظر: «الضعيفة» (5427، 6205) و «الصحيحة» (2310).
وفي أثرٍ آخر: من رضي من الله بالقليل من الرِّزق، رضي الله منه بالقليل من العمل
(1)
.
وقال بعض العارفين: أعرف في الموتى عالَمًا ينظرون إلى منازلهم في الجنان في قبورهم، يُغدى عليهم ويُراح برزقهم من الجنَّة بكرةً وعشيًّا، وهم في غمومٍ وكروبٍ في البرزخ لو قُسِمت على أهل بلدٍ لماتوا أجمعين. قيل: وما كانت أعمالهم؟ قال: كانوا مسلمين مؤمنين، إلَّا أنَّهم لم يكن لهم من التوكُّل ولا من الرِّضا نصيبٌ
(2)
.
وفي وصيَّة لقمان لابنه: أوصيك بخصالٍ تقرِّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت
(3)
.
(1)
«قوت القلوب» (2/ 40). وأخرجه ابن أبي الدنيا في «الفرج بعد الشدة» (1) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (9531) ــ وابن شاهين في «فضائل الأعمال» (307) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 320) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه عبد الله بن شبيب، ذاهب الحديث. وله طريق آخر في «الموضح» للخطيب (1/ 459)، لكنه أوهى من سابقه، فيه أحمد بن خالد الباهلي المعروف بـ «غلام خليل» الزاهد القاصُّ، متَّهم بالوضع، وقيل إنه كان يسرق الحديث من عبد الله بن شبيب السابق ذكرُه.
(2)
«قوت القلوب» (2/ 9، 40)، ونسبه إلى سهل التستري.
(3)
«قوت القلوب» (2/ 40).
وقال بعض العارفين: من يتوكَّل على الله ويرضى
(1)
بقدر الله، فقد أقام الإيمان، وفرَّغ يديه ورجليه لكسب الخير، وأقام الأخلاق الصالحة التي تُصلح للعبد أمرَه
(2)
.
الخمسون: أن الرِّضا يفتح باب حسن الخلق مع الله ومع الناس، والسخط يفتح باب سوء الخلق مع الله ومع الناس، فإنَّ حسن الخلق من الرِّضا وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجةَ الصائم القائم
(3)
، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
الحادي والخمسون: أنّ الرِّضا يثمر سرورَ القلب بالمقدور في جميع الأمور، وطيبَ النفس وسكونها في كلِّ حالٍ، وطمأنينةَ القلب عند كلِّ مفزعٍ مَهْلَعٍ من أمور الدُّنيا، وبردَ القناعة، واغتباطَ العبد بقَسْمه من ربِّه، وفرحَه بقيام مولاه عليه، واستسلامَه لمولاه في كلِّ شيءٍ، ورضاه منه بما يجريه عليه، وتسليمَه له الأحكام والقضايا، واعتقادَ حسن تدبيره وكمالِ حكمته؛ ويُذهب عنه شكوى ربِّه إلى غيره وتبرُّمَه بأقضيته. ولهذا سمَّى بعض العارفين الرِّضا: حسن الخلق مع الله
(4)
، فإنَّه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه، وحذفَ فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه، فلا يقول: ما أحوجَ الناسَ إلى مطرٍ! ولا يقول: هذا يومٌ شديد الحرِّ وشديد البرد، ولا يقول:
(1)
كذا في النسخ مرفوعًا غير مجزوم، تبعًا للمصدر المنقول منه.
(2)
«قوت القلوب» (2/ 40) ونسبه إلى لقمان أيضًا.
(3)
إشارة إلى حديث عائشة مرفوعًا: «إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم» . وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه (3/ 29).
(4)
«قوت القلوب» (2/ 41).
الفقر بلاءٌ، والعيال همٌّ وغمٌّ، ولا يسمِّي شيئًا قضاه الله وقدَّره باسمٍ مذمومٍ إذا لم يذمَّه الله؛ فإنَّ هذا كلَّه ينافي رضاه.
قال عمر بن عبد العزيز: أصبحتُ وما لي سرورٌ إلَّا في مواقع القدر
(1)
.
وقال ابن مسعود: الفقر والغنى مطيَّتان ما أبالي أيُّهما ركبت، إن كان الفقر فإنَّ فيه الصبر، وإن كان الغنى فإنَّ فيه البذل
(2)
.
وقال ابن أبي الحواريِّ [لأبي سليمان]
(3)
: إنَّ فلانًا قال: وددت أنَّ الليل أطول ممَّا هو، فقال: قد أحسن وقد أساء؛ أحسن حيث تمنَّى طوله للعبادة، وأساء إذ أحبَّ
(4)
ما لم يحبَّه الله
(5)
.
وقال عمر بن الخطَّاب: ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحت وأمسيت مِن شدَّةٍ أو رخاء
(6)
.
(1)
«قوت القلوب» (2/ 40). وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (7/ 362) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (10) والبيهقي في «شعب الإيمان» (225) بنحوه، وسيأتي لفظه قريبًا.
(2)
«قوت القلوب» (2/ 40). وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (566) وابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (479) والبيهقي في «الشعب» (9502) بمعناه، وإسناده حسن.
(3)
ما بين الحاصرتين من ش، ولم يرد في سائر النسخ، ولعل ناسخ ش أضافه من «قوت القلوب» مصدر المؤلف. وجاء في ع والمطبوعات مكانه:«أو قيل له» ، والظاهر أنه أُقحم ليستقيم سياق الخبر. وأبو سليمان هو الداراني.
(4)
السياق في ع: «للعبادة والمناجاة، وأساء حيث تمنَّى ما لم يُرِدْه الله وأحبَّ» ، إقحام مخالف لمصدر النقل.
(5)
«قوت القلوب» (2/ 40). وأسنده أبو نعيم في «الحلية» (9/ 258).
(6)
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (425) وأبو داود في «الزهد» (103) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (30) من رواية أبي مِجْلَز عن عمر، وهي مرسلة.
وقال يومًا لامرأته عاتكة ــ أخت سعيد بن زيدٍ ــ وقد غضب
(1)
: واللهِ لأسوأنَّك! فقالت: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام، بعد أن
(2)
هداني الله؟ قال: لا، فقالت: فأيُّ شيءٍ تسوؤني به إذًا؟
(3)
تريد أنّها راضيةٌ بمواقع القدر، لا يسوؤها منه شيءٌ إلَّا صرفها عن الإسلام، ولا سبيل له إليه.
وقال الثوريُّ يومًا عند رابعة: اللهمَّ ارضَ عنَّا، فقالت: أما تستحيي أن تسأله الرِّضا وأنت غير راضٍ عنه؟ فقال: أستغفر الله. ثمَّ قال لها جعفر بن سليمان: متى يكون العبد راضيًا عن الله؟ فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنِّعمة
(4)
.
وفي أثرٍ إلهيٍّ: ما لأوليائي والهمِّ بالدُّنيا؟ إنَّ الهمَّ يُذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم
(5)
.
وقيل: أكثر الناس همًّا بالدُّنيا أكثرهم همًّا في الآخرة، وأقلُّهم همًّا بالدُّنيا أقلُّهم همًّا في الآخرة. فالإيمان بالقدر والرِّضا به يُذهب عن العبد الهمَّ والغمَّ والحزن
(6)
.
(1)
في ع زيادة: «عليها» ، وليست في مصدر المؤلف.
(2)
في النسخ عدا الأصل، ل:«إذ» ، والمثبت منهما موافق لمصدر المؤلف.
(3)
كذا في «قوت القلوب» (2/ 40)، والصواب أن هذه القصة جرت لعمر مع امرأة أبي عبيدة بن الجرَّاح. انظر:«أخبار المدينة» لابن شَبَّة (3/ 53 - 54) و «تاريخ دمشق» (69/ 79).
(4)
«قوت القلوب» (2/ 40).
(5)
«قوت القلوب» (2/ 40)، ذكره بقوله:«وفي أخبار داود» .
(6)
«قوت القلوب» (2/ 40)، ذكر فيه الجملة الثانية ما عدا قوله:«والرضا به» على أنها حديث مرفوع. انظره في «العلل المتناهية» (1/ 150) و «الضعيفة» (804).
وذُكر عند رابعةَ وليٌّ لله قُوته من المزابل، فقال رجل
(1)
: ما ضرَّ هذا أن يسأل الله أن يجعل قوته
(2)
في غير هذا؟ فقالت: اسكت يا بطَّال! أما علمت أنَّ أولياء الله هم أرضى عنه من أن يتخيَّروا عليه أن ينقلهم من معيشةٍ حتَّى يكون هو الذي يختار لهم
(3)
.
وفي أثرٍ إسرائيلي: أنَّ موسى سأل ربَّه عمَّا فيه رضاه، فأوحى إليه:«إن رضاي في كرهك، وأنت لا تصبر على ما تكره» ، فقال: يا ربِّ دلَّني عليه، فقال:«إنَّ رضاي في رضاك بقضائي»
(4)
.
وفي أثرٍ آخر: أنَّ موسى قال: يا ربِّ، أيُّ خلقك أحبُّ إليك؟ فقال: مَن إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأيُّ خلقك أنت عليه ساخطٌ؟ قال: من يستخيرني في أمرٍ فإذا قضيت له سخط قضائي
(5)
.
وفي أثرٍ آخر: أنا الله لا إله إلّا أنا، قدَّرت المقادير، ودبَّرت التدبير، وأحكمت الصُّنع، فمن رضي فله الرِّضا منِّي حتى يلقاني، ومن سخط فله
(1)
في ع زيادة: «عندها» ، وهي في المصدر كذلك.
(2)
ع: «رزقه» خلاف مصدر النقل.
(3)
«قوت القلوب» (2/ 40).
(4)
«قوت القلوب» (2/ 41)، ولفظه في «القشيرية» (ص 454):«إنك لا تطيق ذلك» . وقد حكم شيخ الإسلام على هذا الأثر بأنه كذب، لأن موسى من أولي العزم من الرسل، فكيف يقال: إنه لا يطيق عملًا ــ أو لا يصبر على عملٍ ــ يَرضى الله به عنه؟! انظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 687).
(5)
«قوت القلوب» (2/ 41).
السخط حتى يلقاني
(1)
.
الثاني والخمسون: أنَّ أفضل الأحوال الرغبةُ في الله ولوازمُها، وذلك لا يتمُّ إلا باليقين والرِّضا عن الله. ولهذا قال سهلٌ: حظُّ الخلق من اليقين على قدر حظِّهم من الرِّضا، وحظُّهم من الرِّضا على قدر رغبتهم في الله
(2)
.
الثالث والخمسون: أنّ الرِّضا يخلِّصه من عيب ما لم يَعِبْه الله، ومِن ذمِّ ما لم يذمَّه. فإنَّ العبد إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب وذمَّه بأنواع الذم، وذلك قلَّة حياءٍ من الله، وذمٌّ لما لا ذنب له، وعيبٌ لخلقه؛ وذلك يُسقط العبدَ من عينه. ولو أنَّ رجلًا صنع لك طعامًا وقدَّمه إليك فعِبتَه وذممته، لكنت متعرِّضًا لمقته وإهانته، ومستدعيًا منه أن يقطع ذلك عنك. وقد قال بعض العارفين: إنَّ ذمَّ المصنوع وعيبَه إذا لم يذمَّه صانعه غيبةٌ له وقدحٌ فيه
(3)
.
الرابع والخمسون: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله الرِّضا بالقضاء، كما في «المسند» و «السُّنن»
(4)
: «اللهمَّ بعلمك الغيبَ، وقدرتك على الخلق، أحيني
(1)
ملفَّق من أثرين متتابعين في «قوت القلوب» (2/ 41). وقوله: «حتى يلقاني» ، كذا في النسخ في الموضعين، ولفظ مطبوعة المصدر:«حين يلقاني» .
(2)
«قوت القلوب» (2/ 41).
(3)
«قوت القلوب» (2/ 42).
(4)
«مسند أحمد» (18325) ــ وليس فيه موضع الشاهد ــ و «سنن النسائي» (1305، 1306)، أخرجه أيضًا أبو يعلى (1624) وابن حبّان (1971) والحاكم (1/ 524) وغيرهم من حديث عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.
وموضع الشاهد فيه: «وأسألك الرِّضا بعد القضاء» قد ورد في بعض الروايات بلفظ: «الرِّضا بالقضاء» ، والأول أصحُّ. وقد روي موضع الشاهد أيضًا من حديث فَضالة بن عبيد في «السنة» لابن أبي عاصم (436) و «المعجم الكبير» للطبراني (18/ 319) و «الأوسط» له (6091)، وإسناده جيِّد.
إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى. وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرّة عينٍ لا تنقطع. وأسألك الرِّضا بعد القضاء. وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك في غير ضرَّاءَ مضرَّةٍ، ولا فتنةٍ مضلَّةٍ. اللهمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين».
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سأل الرِّضا بعد القضاء لأنَّه حينئذٍ يتبيَّن حقيقة الرِّضا. وأمّا الرِّضا قبله فإنَّما هو عزمٌ على أنَّه يرضى به إذا أصابه، وإنَّما يتحقَّق الرِّضا بعده
(1)
.
قال البيهقيُّ
(2)
: وروِّينا في دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ إنِّي أسألك الصحَّة، والعفَّة، والأمانة، وحسن الخلق، والرِّضا بالقدر» .
الخامس والخمسون: أنَّ الرِّضا بالقدر يخلِّص العبد من أن يُرضي
(1)
انظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 37) و «الاستقامة» (2/ 86 - 87). وقد سبق نحوه من كلام أبي عثمان الحيري (ص 485).
(2)
في «شعب الإيمان» (1/ 375) عقب الحديث (192). وقد أسنده هو نفسه (8181)، ومن قبله ابنُ أبي عمر العدني في «مسنده» (المطالب العالية - 3347) والبخاري في «الأدب المفرد» (307) والبزار (كشف الأستار - 3187) والطبراني في «الكبير» (14/ 50) من حديث عبد الله بن عمرو. وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، فيه ضعف، وقد اختُلف عليه في إسناده.
النّاس بسخط الله. وأن يذمَّهم على ما لم يؤته الله، وأن يحمدهم
(1)
على ما هو محض فضل الله، فيكون ظالمًا لهم في الأوَّل
(2)
مشركًا بهم في الثاني
(3)
. فإذا رضي بالقضاء تخلَّص من ذلك
(4)
.
وقد روى عمرو بن قيسٍ المُلائيُّ عن عطيَّة العَوفي عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمَّهم على ما لم يؤتك الله. إنَّ رزق الله لا يجرُّه حرص حريصٍ، ولا يردُّه كره كارهٍ. وإنَّ الله بحكمته جعل الرَّوح والفرح في الرِّضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط»
(5)
. وقد رواه الثَّوريُّ عن منصورٍ عن خيثمة عن ابن مسعودٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
(6)
.
(1)
الأصل: «يحملهم» ، وفي هامشه:«لعله: يحمدهم» .
(2)
في ع زيادة: «وهو رضاهم وذمُّهم» ، ولا إخالها من المؤلف، إذ الظلم في ذمِّهم على ما لم يؤته الله. وأما إرضاؤهم بسخط الله فليس ظلمًا لهم، بل هو أشبه بالشرك بهم.
(3)
في ع زيادة: «وهو حمدهم» .
(4)
ع: «تخلَّص من ذمِّهم وحمدهم، فخلَّصه الرضا من ذلك كلِّه» .
(5)
أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (ص 68 - 69) وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 106، 10/ 41) والبيهقي في «الشعب» (203) من طريق أبي عبد الرحمن محمد بن مروان السُّدِّي عن عمرو بن قيس به. إسناده تالف، فالسدي هذا هو السدي الصغير، متروك الحديث بالاتفاق، بل متهم بالكذب. وانظر:«الضعيفة» (1482).
(6)
أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (204) بإسناد حسن غريب عن الثوري به. وهو مرسل، فإن خيثمة لم يسمع من ابن مسعود. وقد روي أيضًا عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وهو أشبه. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (ص 433).
السادس والخمسون: أنَّ الرضا يفرِّغ قلبَه ويُقلُّ همَّه وغمَّه، فيتفرَّغ لعبادة ربِّه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدُّنيا وهمومها وغمومها. كما ذكر ابن أبي الدُّنيا
(1)
عن بشر بن بشَّارٍ المُجاشعيِّ ــ وكان من العابدين ــ قال: قلت لعابدٍ: أوصني، قال: ألقِ نفسك مع القَدَر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرُغ قلبُك وأن يقلَّ همُّك، وإيَّاك أن تسخط ذلك، فيحلَّ بك السخط وأنت عنه في غفلةٍ لا تشعر به.
وقال بعض السلف: ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيبٍ من العيش، فإنَّ التدبير والاختيار يكدِّر على الناس عيشهم
(2)
.
وقال أبو العبَّاس بن عطاءٍ: الفرحُ
(3)
في تدبير الله لنا، والشقاء كلُّه في تدبيرنا.
وقال سفيان بن عيينة: من لم يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقديره لنفسه
(4)
.
وقال أبو العبَّاس الطُّوسي: من ترك التدبير عاش في راحة
(5)
.
(1)
في «الرضا عن الله بقضائه» (72)، ومن طريقه أسنده البيهقي في «الشعب» (214)، ولعله مصدر المؤلف فيه وفي الآثار والأقوال التالية. وأسنده أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (10/ 133).
(2)
أسنده البيهقي في «الشعب» (216) عن أبي العباس بن عطاء الأدمي الصوفي (ت 309)، وكذا قوله الآتي.
(3)
في الأصل وغيره: «الفرج» بالجيم، ولعل المثبت هو الصواب.
(4)
«الشعب» (217)، وأسنده أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (7/ 278).
(5)
«الشعب» (218)، وأسنده أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (10/ 213).
وقال بعضهم: لا تجد السلامة حتى تكون في التدبير كأهل القبور، وقال: الرِّضاء ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد
(1)
.
وقال عمر بن عبد العزيز: لقد تركَتْني هؤلاء الدعوات وما لي في شيءٍ من الأمور كلِّها أربٌ إلَّا في مواقع قدر الله، وكان كثيرًا ما يدعو: اللهم رضِّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحبَّ تعجيل شيءٍ أخَّرتَه، ولا تأخير شيءٍ عجَّلتَه
(2)
.
وقال: ما أصبح لي هوًى في شيءٍ سوى ما قضى الله عز وجل
(3)
.
وقال شعبة: قال لي يونس بن عبيدٍ: ما تمنَّيت شيئًا قطُّ
(4)
.
وقال الفضيل: الراضي لا يتمنَّى فوق منزلته
(5)
.
وقال ذو النُّون: ثلاثةٌ من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرِّضا، والصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء. وثلاثةٌ من أعلام التفويض: تعطيل إرادتك لمراده، والنظر إلى ما يقع من تدبيره لك، وترك الاعتراض على الحكم. وثلاثةٌ من أعلام التوحيد: رؤية كلِّ شيءٍ من الله، وقبول كلِّ شيءٍ عنه،
(1)
«الشعب» (216، 223) عن أبي العباس بن عطاء.
(2)
«الشعب» (224)، ومن قبله ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (46).
(3)
«الشعب» (225). وسبق أن نقله المؤلف (ص 549) من «قوت القلوب» بلفظ آخر، فثَمَّ تخريجه الموسَّع.
(4)
«الشعب» (226). وروي ذلك عن شيخه ابن سيرين أيضًا، كما في «المتمنِّين» لابن أبي الدنيا (63) و «المُجالسة» للدِّينَوَري (457).
(5)
«الشعب» (227)، وأسنده أيضًا ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (16) والسُّلَمي في «تفسيره» (1/ 279).
وإضافة كلِّ شيءٍ إليه
(1)
.
وقال بعض العارفين: أصل العبادة ثلاثةٌ: لا تردَّ من أحكامه شيئًا، ولا تسأَلْ غيره حاجة، ولا تدَّخِرْ عنه شيئًا
(2)
.
وسئل ابن سمعون عن الرِّضا؟ فقال: أن ترضى به مدبِّرًا ومختارًا، وترضى عنه قاسمًا ومعطيًا ومانعًا، وترضاه إلهًا ومعبودًا وربًّا
(3)
.
وقال بعض العارفين: الرِّضا ترك الاختيار، وسرور القلب بمرِّ القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم الله لها وعليها
(4)
.
وقيل: الراضي من لم يندم على فائتٍ من الدُّنيا، ولم يتأسَّف عليها
(5)
.
ولله القائل
(6)
:
العبد ذو ضجرٍ والربُّ ذو قدرٍ
…
والدَّهر ذو دولٍ والرِّزق مقسومُ
والخير أجمع فيما اختار خالقُنا
…
وفي اختيار سواه اللَّوم والشُّومُ
(1)
«الشعب» (228) بتصرُّف.
(2)
«الشعب» (229) عن أبي عبد الله سعيد بن بُريد النِّباجي الزاهد. وأسنده أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (9/ 313) والقشيري (462).
(3)
«الشعب» (230) باختصار وتصرف.
(4)
«الشعب» (231) عن ابن الفَرَجي الزاهد.
(5)
«الشعب» (232) عن أبي عثمان البِيكندي.
(6)
لم أعرفه، قال البيهقي في «الشعب» (250) والثعلبي في «تفسيره» (20/ 485): أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحبيب (ت 406)، قال: أنشدنيهما أبو الفوارس الطبري لبعضهم.
السابع والخمسون: أنَّه إذا لم يرض بالقدر وقع في لوم المقادير، إمَّا بقالبه، وإمَّا بقلبه وحاله؛ ولوم المقادير لومٌ لمقدِّرها. وكذلك يقع في لوم الخلق. والله والناسُ يلومونه، فلا يزال لائمًا ملومًا. وهذا منافٍ للعبوديَّة.
قال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين
(1)
، فما قال لي لشيءٍ فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلته؟ ولا قال لي لشيءٍ كان: ليته لم يكن، ولا لشيءٍ لم يكن: ليته كان. وكان بعض أهله إذا لامني يقول: «دعوه، لو قضي شيءٌ لكان»
(2)
.
وقوله: «لو قضي شيءٌ لكان» يتناول أمرين، أحدهما: ما لم يوجد من مراد العبد، والثاني: ما وُجد ممَّا يكرهه؛ يتناول فوات المحبوب وحصول المكروه، فلو قضي الأوَّل لكان، ولو قضي خلاف الآخر لكان.
فإذا استوت الحالتان بالنِّسبة إلى القضاء، فعبوديَّة العبد: أن يستوي عنده الحالتان بالنِّسبة إلى رضاه. وهذا موجَب العبوديَّة ومقتضاها، يوضِّحه:
الثامن والخمسون: أنَّه إذا استوى الأمران بالنِّسبة إلى رضا الربِّ تعالى، فهذا رضيه لعبده فقدَّره، وهذا لم يرضه فلم يقدِّره= فكمال الموافقة أن يستويا بالنِّسبة إلى العبد، فيرضى ما رضيه له ربُّه في الحالين.
(1)
ع: «عشرين سنة» ، خطأ.
(2)
الحديث بهذا السياق في «قوت القلوب» (2/ 42) و «الإحياء» (4/ 346). وطرفه الأول عند البخاري (2768، 6038) ومسلم (2309) بنحوه. وطرفه الأخير أخرجه أحمد (13418) وابن حبان (7179) غيرهما بأسانيد فيها ضعف، وقد سبق تخريجه (1/ 306 - 307).
التاسع والخمسون: أنَّ الله نهى عن التّقدُّم بين يديه ويدي رسوله في حكمه الدينيِّ الشرعيِّ، وذلك عبوديَّة هذا الأمر. فعبوديَّة أمره الكوني القدري: أن لا يتقدَّم بين يديه إلَّا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك، فيكون التقدُّم بأمره أيضًا الكونيِّ والديني. فإذا كان فرضُه الصبر، وندبُه ــ أو فرضُه ــ الرِّضا حتى ترك ذلك= فقد تقدَّم بين يدي شرعه وقدره.
الستُّون: أنَّ المحبَّة والإخلاص والإنابة لا تقوم إلَّا على ساق الرِّضا. فالمحبُّ راضٍ عن حبيبه في كلِّ حاله. وقد كان عمران بن حصينٍ استسقى بطنُه، فبقي ملقًى على ظهره مدَّةً طويلة لا يقوم ولا يقعد، وقد نُقب له في سريره موضعٌ لحاجته. فدخل عليه مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، فجعل يبكي لما رأى من حاله، فقال له: لم تبكي؟ فقال: لأنِّي أراك على هذه الحال العظيمة، فقال: لا تبكِ، فإنَّ أحبَّه إليَّ أحبُّه إليه. وقال: أخبرك بشيءٍ لعلَّ الله أن ينفعك به، واكتُمْ عليَّ حتَّى أموت، إنَّ الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلِّم عليَّ فأسمع تسليمها
(1)
.
ولمَّا قدم سعد بن أبي وقّاصٍ إلى مكَّة وقد كُفَّ بصره جعل الناس يهرعون إليه ليدعو لهم، فجعل يدعو لهم. قال عبد الله بن السائب: فأتيته
(1)
الخبر بهذا السياق في «قوت القلوب» (2/ 43). وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (461، 462) وابن سعد في «الطبقات» (5/ 194، 195) وابن أبي شيبة (35838) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (60، 61) والبيهقي في «الشعب» (9499، 9500) بنحوه إلى قوله: «فإنَّ أحبَّه إليَّ أحبُّه إلى الله» . وأما إخباره مطرِّفًا بتسليم الملائكة عليه، فقد صحَّ من وجه آخر في «صحيح مسلم» (1226/ 167، 168) وغيره.
وأنا غلام فتعرَّفتُ إليه فعرفني، فقلت: يا عمُّ، أنت تدعو للناس
(1)
، فلو دعوت لنفسك لردَّ الله عليك بصرك، فتبسَّم ثمَّ قال: يا بُنيَّ، قضاء الله عندي أحبُّ إليَّ من بصري
(2)
.
وقال بعض العارفين: ذنبٌ أذنبته، أنا أبكي منه منذ ثلاثين سنةً. قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيءٍ كان ليته لم يكن
(3)
.
وقال بعض السّلف: لو قُرض جسمي
(4)
بالمقاريض كان أحبَّ إليَّ مِن أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يقضه
(5)
.
وقيل لعبد الواحد بن زيدٍ: هاهنا رجلٌ قد تعبَّد
(6)
خمسين سنةً، فقصده فقال: حبيبي، أخبرني عنك، هل قنعتَ به؟ قال: لا. قال: فهل أنستَ به؟ قال: لا. قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا. قال: فإنَّما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم. قال: لولا أنِّي أستحيي منك لأخبرتك أنَّ معاملة خمسين سنةً مدخولة
(7)
. يعني أنَّه لم يقرِّبه فيجعله في مقام المقرَّبين، فيوجده مواجيد العارفين، بحيث يكون مزيده لديه: أعمال القلوب التي يُستعمَل بها
(8)
(1)
في ع زيادة: «فيُشفَون» ، وليست في مصدر النقل.
(2)
«قوت القلوب» (2/ 43)، ولم أجده مسندًا.
(3)
ع: «قلت لشيءٍ قضاه الله ليته لم يقضه أو ليته لم يكن» .
(4)
ع: «لحمي» خلافًا لمصدر النقل.
(5)
هذا والذي قبله من «قوت القلوب» (2/ 43).
(6)
في النسخ عدا ش، ع:«قعد» ، والمثبت موافق لمصدر النقل.
(7)
«قوت القلوب» (2/ 43) و «الإحياء» (4/ 350).
(8)
أي: يُتعامَل بها.
كلُّ محبوبٍ مطلوبٍ، لأنَّ القناعة به حال الموقن، والأنس مقام المحبِّ، والرِّضا وصف المتوكِّل. يعني: أنت عنده في مقام
(1)
أصحاب اليمين، فمزيدك عنده مزيد العموم من أعمال الجوارح
(2)
.
وقوله: «إنَّ معاملته مدخولة» يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها ناقصةٌ عن أعمال المقرَّبين التي أوجبت لهم هذه الأحوال.
الثاني: أنها لو كانت صحيحةً سالمةً لا علَّة فيها
(3)
، لأثمرت له الأنس والرِّضا والمحبَّة والأحوال العليَّة، فإنَّ الربَّ شكورٌ، إذا وصل إليه عمل عبده جمَّل به ظاهرَه وباطنَه، وأثابه عليه من حقائق المعرفة والإيمان بحسب عمله، فحيث لم يجد له أثرًا في قلبه من الأنس والرِّضا والمحبَّة استدلَّ على أنَّه مدخول غيرُ سالمٍ من الآفات
(4)
.
الحادي والستُّون: أنَّ أعمال الجوارح تضاعف إلى حدٍّ معلومٍ محسوب، وأمَّا أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها. وذلك أنَّ أعمال الجوارح لها حدٌّ تنتهي إليه وتقف عنده، فيكون جزاؤها بحسب حدِّها. وأمَّا أعمال القلوب فهي دائمةٌ متَّصلةٌ، وإن توارى شهود العبد لها.
مثاله: أنَّ المحبَّة والرِّضا حال المحبِّ الرّاضي، لا تفارقه أصلًا وإن
(1)
ش، ع:«طبقات» ، وإليه غُيِّر المثبت في الأصل.
(2)
«يعني
…
» إلخ مقتبس من تعليق المكي على الحكاية.
(3)
زيد في ع: «ولا غش» .
(4)
انظر كلام شيخ الإسلام الذي سبق أن نقله المؤلف (ص 309).
توارى حكمها، فصاحبها في مزيدٍ متَّصل، فمزيد المحبِّ الرّاضي متَّصلٌ بدوام هذه الحال له، فهو في مزيدٍ ولو فترت جوارحه. بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل القيام
(1)
.
فإن أنكرت هذا فتأمَّل مزيد نائمٍ بالله وقائم غافلٍ عن الله، فالله سبحانه ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم، لا إلى صور الأعمال، وقيمة العبد: همَّته وإرادته. فمن لا يرضيه غيرُ الله ــ ولو أعطي الدُّنيا بحذافيرها ــ له شأن، ومن يرضيه أدنى حظٍّ من حظوظها له شأن، وإن كانت أعمالهما في الصُّورة واحدة، وقد تكون أعمال هذا
(2)
أكثرَ وأشقَّ. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألةٍ وهي: هل للرِّضا حدٌّ ينتهي إليه أم لا؟ فقال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقاماتٍ لا حدَّ لها: الزُّهد، والورع، والرِّضا. وخالفه سليمان ابنه ــ وكان عارفًا حتى إنَّ من الناس من كان يقدِّمه على أبيه ــ فقال: بل من تورَّع في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الورع، ومن زهد في غير الله فقد بلغ حدَّ الزُّهد، ومن رضي عن الله في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الرِّضا
(3)
.
(1)
زاد في ع: «وأكلِه أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع» .
(2)
ع: «أعمال الملتفت إلى الحظوظ» .
(3)
أسند قوليهما ابن أبي الدنيا في «الرضاء عن الله بقضائه» (102) وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 258) بنحوه. والمؤلف صادر عن «قوت القلوب» (1/ 44).
وقد اختلفوا في مسألةٍ تتعلَّق بذلك، وهي أهل مقاماتٍ ثلاثةٍ، أحدهم: يحبُّ الموت شوقًا إلى الله ولقائه، والثَّاني: يحبُّ البقاء للخدمة والتقرُّب، والثالث قال: لا أختار شيئًا، بل أرضى بما يختار لي مولاي، إن شاء أحياني وإن شاء أماتني. فتحاكموا إلى بعض العارفين، فقال: صاحب الرِّضا أفضلهم، لأنَّه أقلُّهم فضولًا
(1)
.
ولا ريب أنَّ مقام الرِّضا فوق مقام الشّوق والزُّهد في الدُّنيا. بقي النظر في مقامَي الآخَرَين: أيُّهما أعلى؟ فرجَّحت طائفةٌ مقام من أحبَّ الموت، لأنَّه في مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبَّة لقائه؛ ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه
(2)
.
ورجَّحت طائفةٌ مقامَ مريد البقاء لتنفيذ أوامر الربِّ تعالى. واحتجُّوا بأنَّ الأوَّل محبٌّ لحظِّه من الله، وهذا محبٌّ لمراد الله منه، لم يشبع منه ولم يقض منه وطرًا.
قالوا: وهذا حال موسى ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه
(3)
، لا محبَّةً للدُّنيا، ولكن لينفِّذ
(4)
أوامر الله ومراضيه في الناس، فكأنَّه قال: أنت عبده وأنا عبده، وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره.
(1)
«قوت القلوب» (1/ 44). وزاد في ع: «وأقرب إلى السلامة» ، وليس في مصدر النقل.
(2)
جزء من حديث عبادة بن الصامت وأبي موسى المتفق عليهما، ورواه مسلم أيضًا عن عائشة وأبي هريرة. البخاري (6507، 6508) ومسلم (2683 - 2686).
(3)
كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (1339) ومسلم (2372).
(4)
ع: «لتنفيذ» .
وحينئذٍ فنقول في الوجه الثاني والستِّون
(1)
: حال الراضي المسلِّم ينتظم حاليهما جميعًا، مع زيادة التسليم وترك الاختيار، فإنَّه قد غاب بمراد ربِّه منه من إحيائه وإماتته عن مراده هو من هذين الأمرين. وكلُّ محبٍّ فهو مشتاقٌ إلى لقاء حبيبه، مؤثرٌ لمرضاته
(2)
؛ فقد أخذ بزمام كلٍّ من المقامين، واتَّصف بالحالين، وقال: أحبُّ ذلك إليَّ أحبُّه إليه، لا أتمنَّى غير رضاه، ولا أتخيَّر عليه إلَّا ما يحبُّه ويرضاه. وهذا القدر كافٍ في هذا الموضع. وبالله التوفيق.
فلنرجع إلى شرح كلامه
(3)
.
قال: (الثاني: سقوط الخصومة مع الخلق).
يعني: أنَّ الرِّضا إنَّما يصحُّ بسقوط الخصومة مع الخلق، فإنَّ الخصومة تنافي حال الرِّضا، وتنافي نسبة الأشياء كلِّها إلى من بيده أزمَّة القضاء والقدر. ففي الخصومة آفاتٌ:
أحدها: المنازعة التي تضادُّ الرضا.
الثّاني: نقص التوحيد بنسبة ما يخاصم فيه إلى العبد
(4)
دون الخالق
(5)
.
الثّالث: نسيان الموجِب والسبب الذي جرَّ إلى الخصومة. فلو رجع
(1)
كذا في النسخ. وفي المطبوعات: «الثاني والستين» .
(2)
ع: «لمراضيه» .
(3)
عن الرضا عن الله عز وجل، وأنه يصح بثلاثة شروط، أولها: استواء الحالات عند العبد، وهو الذي أطال المؤلف في شرحه من (ص 525) إلى هنا.
(4)
ع: «عبدٍ» .
(5)
زاد في ع: «لكل شيء» .