الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مذموم
(1)
. أمَّا إذا اشتغل عن الحزن بفرحٍ محمودٍ، وهو الفرح بفضل الله ورحمته، فلا معنى للحزن على فوات الحزن.
قال
(2)
: (وليست الخاصَّة من مقام الحزن في شيءٍ، لأنَّ الحزن فقدٌ، والخاصَّة أهل وجدانٍ).
وهذا إن أراد به أنّه لا ينبغي لهم تعمُّد الحزن فصحيحٌ، وإن أراد أنه لا يعرض لهم حزنٌ فليس كذلك، والحزن من لوازم الطبيعة، ولكنه ليس
(3)
بمقامٍ.
قال
(4)
: (الدرجة الثالثة من الحزن:
التحزُّن للمعارضات
دون الخواطر، ومعارضات القصود، واعتراضات الأحكام).
هذه ثلاثة أمورٍ بحسب الشُّهود والإرادة.
الأولى: حزن المعارضات، فإنَّ القلب يعترضه وارد الرجاء ــ مثلًا ــ فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف، وبالعكس، ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض، ويَرِد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة، فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنًا لا محالة.
(1)
«إذا اشتغل بفرح مذموم» سقط من النسخة التي قوبلت عليها ع، ولذا أشير فيها إلى الضرب عليه.
(2)
«منازل السائرين» (ص 20) إلى قوله: «في شيء» . وما بعده فمن كلام التلمساني في «شرحه» (ص 120).
(3)
في ع زيادة: «هو» .
(4)
«منازل السائرين» (ص 20)، ولفظه: «ولكن الدرجة الثالثة
…
». وكذا في ل. وفي الأصل كتبت: «لكن» ثم وضع عليها علامة الحذف (حـ).
وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر، بل من قبيل الواردات الإلهيَّة، فلذلك قال:(دون الخواطر)، فإنَّ معارضات الخواطر غير هذا.
وعند القوم هذا من آثار الأسماء والصِّفات، واتِّصال أشعَّة أنوارها بالقلب، وهو المسمَّى عندهم بالتجلِّي.
وأمّا (معارضاتُ القصود)، فهو أصعب ما على القوم، وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوقَ كلِّ ضرورةٍ، فإنَّ الصادق يتحرَّى في سلوكه كلِّه أحبَّ الطُّرق إلى الله، فإنّه سالكٌ به وإليه، فيعترضه طريقان لا يدري أيُّهما أرضى لله وأحبُّ إليه، فمنهم من يحكِّم العلم بجهده استدلالًا، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يَحكم له به القدرُ ويُخلي باطنه من المقاصد جملةً. ومنهم من يُلقي الكلَّ على شيخه إن كان له شيخٌ. ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدُّعاء، ثمَّ ينتظر ما يجري به القدر.
وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علمًا ومعرفةً، فإن أعجزهم قنعوا بالظنِّ الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران، قدَّموا أرجحهما مصلحةً. ولترجيح المصالح رتبٌ متفاوتةٌ، فتارةً تترجَّح بعموم النفع، وتارةً تترجَّح بزيادة الإيمان، وتارةً تترجَّح بمخالفة النفس، وتارةً تترجَّح باستجلاب مصلحةٍ أخرى بها لا تحصل من غيرها، وتارةً تترجَّح بأمنها من الخوف من مفسدةٍ لا تؤمَن في غيرها. فهذه خمس جهاتٍ من التّرجيح، قلَّ أن تُعدَم واحدةٌ منها.
فإن أعوزه ذلك كلُّه تخلَّى عن الخواطر جملةً، وانتظر ما يحرِّكه به محرِّك القدر، وافتقر إلى ربِّه افتقار مستنزلٍ ما يرضيه ويحبُّه، فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا خشيةَ أن تكون تلك الحركة نفسيةً
أو شيطانيةً، لعدم العصمة في حقِّه واستمرار المحنة بعدوِّه
(1)
ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثمَّ أقدم على الفعل. فهذا نهاية ما في مقدور الصَّادقين.
ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ولهذا قال الأوزاعيُّ وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيءٍ فانظروا ما عليه أهل الثغر ــ يعني أهل الجهاد ــ فإنَّ الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]
(2)
.
وأما (اعتراضات الأحكام)، فيجوز أن يريد به
(3)
الأحكامَ الكونيّة، وهو أظهر، وأن يريد به الأحكام الدِّينيّة، فإنَّ أرباب الأحوال يقع منهم اعتراضاتٌ على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه، فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب، وتلك الاعتراضات هي إراداتهم خلاف ما جرى لهم به القدر، فيحزن على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد به.
وإن كان المراد به الأحكام الدِّينية، فإنَّهم تعرِض لهم أحوالٌ لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدَّم، فلا يجدون بدًّا من القيام بأحكام الأمر، ولا بدَّ أن يحدث لهم نوع اعتراضٍ خفيٍّ أو جليٍّ بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، فيحزنون لوجود هذه المعارضة، فإذا قاموا بأحكام الأمر
(1)
م، ج، ن:«واستمرار المحنة كرة بعد كرة» .
(2)
ذكره ابنُ الجوزي في «زاد المسير» (6/ 285) عن ابن المبارك، ولم أجده مسندًا إليه. وإنما أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (9/ 3084) وابن عدي في «الكامل» (1/ 258) والثعلبي في «الكشف والبيان» (21/ 92) عن ابن عُيينة رحمه الله.
(3)
في هامش ع إشارة إلى أنه في نسخة: «بالأحكام» .
ورأوا أنَّ المصلحة في حقِّهم ذلك وحمدوا عاقبته حزنوا على تسرُّعهم إلى المعارضة. فالتسليم لداعي العلم واجبٌ، ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل، فيحزن على بقيتها فيه، والله أعلم.
* * * *