الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ثمَّ ينزل القلب
منزل الاعتصام
. وهو نوعان: اعتصامٌ بالله، واعتصامٌ بحبل الله. قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى:{بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحج: 78].
والاعتصام افتعالٌ من العصمة، وهو التمسُّك بما يَعصمك ويمنعك من المحذور المخوف، فالعصمة: الحمية، والاعتصام: الاحتماء، ومنه سمِّيت القِلاع: العواصم، لمنعها وحمايتها.
ومدار السعادة الدنيويَّة والأخرويَّة على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلَّا لمن استمسك بهاتين العصمتين.
فأمَّا الاعتصام بحبله فإنَّه يعصم من الضّلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، فإنَّ السائر إلى الله كالسائر على طريقٍ نحو مقصده، فهو محتاجٌ إلى هداية الطريق والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلَّا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدَّليل كفيلٌ بعصمة الضلالة
(1)
وأن يهديه إلى الطريق، والعُدَّة والقوَّة والسِّلاح بها تحصل له السلامة من قُطَّاع الطريق وآفاتها؛ و
الاعتصامُ
(2)
بحبل الله
يوجب له الهداية واتِّباع الدليل، والاعتصامُ بالله يوجب له القوَّة والعدَّة والسِّلاح والمادَّة التي يسلم بها في طريقه.
ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم
(1)
أي: بعصمته من الضلالة.
(2)
ع: «فالاعتصام» .
كلِّهم إلى هذا المعنى، فقال ابن عبّاسٍ: تمسَّكوا بدين الله
(1)
.
وقال ابن مسعودٍ: هو الجماعة
(2)
. وقال: عليكم بالجماعة، فإنَّها حبل الله الذي أمر به، وإنَّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خيرٌ ممَّا تحبُّون في الفُرقة
(3)
.
وقال مجاهدٌ وعطاءٌ: بعهد الله. وقال قتادة والسُّدِّيُّ وكثيرٌ من المفسِّرين
(4)
: هو القرآن
(5)
.
قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ هذا القرآن هو حبل الله، وهو النُّور المبين، والشِّفاء النّافع، وعصمةُ من تمسَّك به، ونجاة من تبعه»
(6)
.
(1)
لم أجده مسندًا، والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» للبغوي (2/ 78) هنا وفي الآثار الآتية.
(2)
أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 644) وكذا ابن المنذر (1/ 319) من طريق الشعبي عن ابن مسعود، وهو لم يُدركه وإنما بينهما ثابت بن قطبة من ثقات أصحاب ابن مسعود، كما في الأثر الآتي.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (38492) والطبري (5/ 648) وابن بطَّة في «الإبانة الكبرى» (184) والحاكم (4/ 555) وغيرهم من طرق عن الشعبي عن ثابت بن قُطبة عن ابن مسعود.
(4)
ع: «أهل التفسير» .
(5)
انظر: «تفسير الطبري» (5/ 644 - 646).
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة (30630) والحاكم (1/ 555) والبيهقي في «شعب الإيمان» (1786) من طريق إبراهيم الهَجَري ــ وهو ضعيف ــ عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا. وأخرجه عبد الرزاق (6017) وسعيد بن منصور (7 - التفسير) والدارمي (3358) والطبراني في «الكبير» (9/ 139) من الطريق نفسه موقوفًا على ابن مسعود من قوله، وهو أشبه. وانظر:«السلسلة الضعيفة» (6842).
وقال عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في القرآن: «هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تلتبس به الألسن، ولا تشبع منه العلماء»
(1)
.
وقال مقاتل
(2)
: بأمر الله وطاعته، ولا تفرَّقوا كما تفرَّقت اليهود والنصارى.
وفي «الموطَّأ»
(3)
من حديث مالكٍ عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمرَكم، ويسخط لكم قيل وقال، وإضاعة
(1)
أخرجه الترمذي (2906) وابن أبي شيبة (30629) والدارمي (3374) بإسناد فيه روايان مجهولان عن الحارث الأعور ــ وهو ضعيف ــ عن عليٍّ مرفوعًا، ولذا قال الترمذي:«هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال» . وله طريقان آخران عن الحارث عند أحمد (704) والدارمي (3375)، ولكن ليس فيه موضع الشاهد. وانظر:«الضعيفة» (1776).
(2)
هو ابن حيَّان، لا ابن سليمان صاحب التفسير المطبوع، أسنده عنه ابن المنذر في «تفسيره» (1/ 319). والمؤلف صادر عن «معالم التنزيل» (2/ 78).
(3)
برواية أبي مصعب الزهري (2089). وهو في رواية يحيى بن يحيى للموطأ (2833) مرسل عن أبي صالح، لم يذكر أبا هريرة. وانظر:«مسند الموطأ» للجوهري (436).
المال، وكثرة السُّؤال». رواه مسلم في «الصحيح»
(1)
.
قال صاحب «المنازل»
(2)
: (الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته، مراقِبًا
(3)
لأمره).
ويريد بمراقبته الأمر القيام بالطاعة لأجل أنَّ الله أمر بها وأحبَّها، لا لمجرَّد العادة، أو لعلَّةٍ باعثةٍ سوى امتثال الأمر، كما قال طَلْقُ بن حبيب رضي الله عنه في التَّقوى: هي العمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله
(4)
، وترك معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله
(5)
.
وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه في كلام النبيِّ صلى الله عليه وسلم كقوله: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا
…
ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له»
(6)
، فالصِّيام والقيام هو الطّاعة، والإيمانُ: مراقبة الأمر، وإخلاص الباعث هو أن يكون الإيمان الآمرَ لا شيءٌ سواه، والاحتساب: رجاء ثواب الله. فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل.
(1)
برقم (1715).
(2)
(ص 16).
(3)
كذا في ع، وهو غير محرَّر في الأصل حيث يشبه:«مراقبةً» أو «مراقب» ، وإلى الثاني تصحَّف في سائر النسخ، ثم أُصلح في ش إلى المثبت، وهو لفظ «المنازل» .
(4)
«ترجو ثواب الله» من ع، وهو موضع الشاهد هنا. ولفظه في بعض المصادر:«رجاء رحمة الله» .
(5)
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (1343) وكذا هنَّاد (522) وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (30993) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (1/ 98) وأبو نُعيم في «الحلية» (3/ 64).
(6)
أخرجه البخاري (1901، 2014) ومسلم (760) من حديث أبي هريرة.
فصل
وأمَّا الاعتصام به فهو التوكُّل عليه والامتناع به، والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإنَّ ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد، والله يدفع عن الذين آمنوا
(1)
، فيدفع عن عبده المؤمن به
(2)
إذا اعتصم به كلَّ سبب يفضي إلى العَطَب ويحميه منه، فيدفع عنه الشُّبهاتِ والشّهوات، وكيدَ عدوِّه الباطن والظاهر، وشرَّ نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشرِّ بعد انعقادها بحسب قوَّة الاعتصام به وتمكُّنه، فينعقد في حقِّه أسبابُ العَطَب فيدفع عنه موجَباتِها ومسبَّباتِها، ويدفع عنه قَدَرَه بقدره، وإرادته بإرادته، ويعيذه به منه.
فصل
وأمّا صاحب «المنازل» رحمه الله فقال
(3)
: (الاعتصام بالله: الترقِّي
(4)
عن كلِّ موهومٍ
(5)
).
الموهوم عنده ما سوى الله، والترقِّي عنه: الصُّعود من شهود نفعه وضرِّه
(1)
مقتبس من قوله تعالى: {اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ} على قراءة أبي عمرو التي كانت سائدة في بلاد الشام زمن المؤلف. انظر: «النشر» (2/ 326).
(2)
«به» ساقطة من ع.
(3)
(ص 16).
(4)
ش: «هو الترقِّي» .
(5)
زِيد في هامش ش تتمة قوله: «والتخلُّص عن كلِّ تردُّد» مرموزًا له بـ (خ) أي: أنه ورد ذلك في نسخة.