الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرف النُّفوس دخولها في رقِّهم
(1)
…
والعبد يحوي الفخر بالمتملِّك
والذي حسَّن استشهاده بقوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} في هذا الموضع إرادةُ هذا المعنى، وأنه سبحانه صاحب دعوة الحقِّ لذاته وصفاته. وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابًا، فإنَّه يستحقُّها لذاته، فهو أهلٌ أن يُعبد وحده، ويُدعى وحده، ويُقصد ويُشكر ويُحمد، ويُحبَّ ويُرجى ويُخاف، ويُتوكَّل عليه، ويستعان به، ويستجار به، ويلجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهيَّة الحقُّ له وحده. ومن قام بقلبه هذا معرفةً وذوقًا وحالًا صحَّ له مقام التبتُّل والتجريد المحض.
وقد فسَّر السلف رضي الله عنهم دعوةَ الحقِّ بالتوحيد والإخلاص فيه والصِّدق، ومرادهم هذا المعنى، فقال عليٌّ: دعوة الحق: التّوحيد، وقال ابن عباسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدُّعاء بالإخلاص، والدُّعاء الخالص لا يكون إلّا لله
(2)
. ودعوة الحقِّ هي: دعوة الإلهيَّة وحقوقها وتجريدها وإخلاصها.
قال
(3)
: (وهو على ثلاث درجاتٍ.
الدرجة الأولى:
تجريد الانقطاع عن الحظوظ واللُّحوظ إلى العالم خوفًا أو رجاءً أو مبالاةً بحالٍ).
قلت: التّبتُّل يجمع أمرين: اتِّصالًا وانفصالًا، لا يصحُّ إلَّا بهما.
(1)
م: «رقِّه» .
(2)
زِيد في ش، م:«وحده» . وهذه الأقوال من «معالم التنزيل» (4/ 305). وأخرج الطبري (13/ 486) منها قول علي وابن عباس.
(3)
«المنازل» (ص 25).
فالانفصال: انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الربِّ منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله خوفًا منه، أو رغبةً فيه، أو مبالاةً وفكرًا فيه بحيث يَشْغَل قلبَه عن الله تعالى. والاتِّصال لا يصحُّ إلّا بعد هذا الانفصال. وهو اتِّصال القلب بالله وإقبالُه عليه وإقامةُ وجهه له حبًّا وخوفًا ورجاءً وإنابةً وتوكُّلًا.
ثمّ ذكر الشّيخ رحمه الله ما يعين على هذا التّجريد وبأيِّ شيءٍ يحصل فقال
(1)
: (بحسم الرجاء بالرِّضا، وقطع الخوف بالتسليم، ورفض المبالاة بشهود الحقيقة).
يقول: إنَّ الذي يحسم مادَّة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرِّضا بحكم الله عز وجل وقَسْمُه لك، ومن رضي بحكم الله وقسمه لم يبقَ لرجاء الخلق في قلبه موضع.
والذي يحسم مادَّة الخوف هو التسليم لله، فإنَّ من سلَّم لله واستسلم له، وعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنَّه لن يصيبه إلَّا ما كتب الله له= لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضًا، فإنَّ نفسه التي
(2)
يخاف عليها قد سلَّمها إلى وليِّها ومولاها، وعلم أنَّه لا
(3)
يصيبها إلَّا ما كتب لها، وأنَّ ما كتب لها لا بدَّ أن يصيبها؛ فلا معنى للخوف من غير الله بوجهٍ.
(1)
«المنازل» (ص 25).
(2)
في النسخ عدا م، ن، ع:«الذي» .
(3)
م، ش، ع:«لن» .