الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب: كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ
(باب كفرانِ العشير، وكفرٍ دونَ كفرٍ): قال ابن المنير: هذه الترجمة ونحوها تشتمل (1) على مقصودين: أحدهما: أن المعاصي لا توجب تخليدَ العصاة، ولا إلحاقَهم بالكفار. الثاني: وهو أهمهما (2): أن الكفر يتبعَّضُ كما يتبعض الإيمان، ومقصودُ البخاري أن يوفي (3) بصحة مذهبه في أن الإيمان يتبعَّض، ويلزم مثله من الكفر، وإن كنا لا نجيز أن يطلق على العاصي كافرًا لا كفرًا مقيدًا؛ كقوله:"يَكْفُرْنَ العَشِيرَ"، ويجوز أن يطلق الإيمان على بعضه من غير تقييد، وسيأتي الفرق.
* * *
باب: الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بارْتِكَابهَا إِلَّا بالشِّرْكِ
لِقَوْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
(باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك): هو من نمط ما تقدم.
قال (4) ابن المنير: تلطف البخاري في القول؛ لأنه (5) لما قرر بالتراجم
(1) في "ع": "تشمل".
(2)
في "ج": "أهمها".
(3)
في "ع": "يأتي".
(4)
في "ع": "وقال".
(5)
في "ع": "بأنه".
المتقدمة أن الطاعات داخلة في مسمى الإيمان، وأبعاضٌ له، توقع أن يقال: لو كان كذلك؛ لكانت المعاصي أبعاضًا للكفر، ولكان العاصي كافرًا كفرًا ناقصًا، فقرر أن المعاصي تدخل في مسمى الجاهلية، والجاهلية (1) كانت كفرًا، ولهذا يقال لمن خالف بعض المخالفة: فيك جاهلية، وكأن إطلاق الكفر على الإيمان (2)، إنما منعه الله فضلًا منه؛ لأن رحمته سبقت غضبه، فوسَّع في (3) باب الرحمة، وفسح في إطلاق الإيمان على الطاعات، ولم يفسح في باب الغضب، فلم يأذن في إطلاق الكفر على المعاصي، وإن كانت شُعبًا له، وعلاماتٍ (4) عليه، ويخشى منه التدرُّع إليه (5).
قلت: فيه نظر؛ فقد سمَّى الشارع آثارَ الكفر كفرًا، كما سمى آثار التصديق إيمانًا:"مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبيهِ فَقَدْ كَفَرَ"(6)، "اثْنَانِ في النَّاسِ هُمْ (7) بهِمَا كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ" (8)، "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ" (9)، "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (10).
(1)"والجاهلية" ليست في "ج".
(2)
في "ن" و"ع": "المؤمن".
(3)
"في" ليست في "ج".
(4)
"وعلامات" غير واضحة في "ج".
(5)
في "ج": "عليه".
(6)
رواه البخاري (6386)، ومسلم (62) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(7)
في "ن": "هما".
(8)
رواه مسلم (67) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(9)
رواه مسلم (68) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
(10)
رواه البخاري (6166)، ومسلم (66) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وإنما كانت هذه الأفعال من آثار الكفر؛ لأن الكافر لا يبالي ما فعل؛ إذ لا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا، فيكثر إقدامُه على المعاصي والمخالفات.
* * *
27 -
(30) - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَب، عَنِ الْمَعْرُورِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَا أَبَا ذَرٍّ! أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فَأَعِينُوهُمْ".
(المعرور): بعين وراءين (1) مهملات.
(أبا ذَر): بذال معجمة مفتوحة.
(بالرَّبَذَة): -بفتحات، وباؤها موحدة، وذالها معجمة-: موضع على ثلاثة مراحل من المدينة.
(إني سابَبْتُ رجلًا): هو بلالُ بن رباح المؤذنُ رضي الله عنه.
(فعيرته بأمه): هي حَمامَةُ، من مولَّدي مكةَ لبني جُمَح، وقيل: من مولَّدي السراة.
قال ابن المنير: وفيه دليل على أن نفيَ الولد الذي يحدُّ قاذفهُ يوجب
(1) في "ج": "وراء".