الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان له عهد فوقها ونقض العهد. أما من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى:
{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ} الآية،
وللحديث: «ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد، فعهده إلى مدته» قال ابن كثير: وهذا أحسن الأقوال وأقواها.
{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} سيروا آمنين أيها المشركون في الأرض مدة أربعة أشهر، والمراد حرية الانتقال مع الأمان هذه المدة دون قتال فيها، وأولها شوال، بدليل قول الزهري: إن براءة نزلت في شوال. ولا أمان لكم بعدها. والسياحة والسيح: الانتقال في الأرض بحرية {غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} أي لا تفوتونه من عذابه بالهرب والتحصن {وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ} مذلّهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، والخزي: الذل والفضيحة بما هو عار.
{وَأَذانٌ} إعلام {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} هو يوم العيد الأكبر وهو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الحجيج لإتمام مناسكهم، وإنما قيل: الأكبر من أجل قول الناس عن العمرة: الحج الأصغر {أَنَّ اللهَ} أي بأن الله بريء من عهود المشركين {وَرَسُولِهِ} بريء أيضا {فَإِنْ تُبْتُمْ} من الكفر {وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} عن الإيمان {وَبَشِّرِ} أخبر {بِعَذابٍ أَلِيمٍ} مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة. {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً} من شروط العهد والميثاق، فلم يقتلوا أحدا ولم يضروه. {وَلَمْ يُظاهِرُوا} يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} من الكفار {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ} أي إلى انقضاء مدتهم التي عاهدتم عليها {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} بإتمام العهود.
المناسبة:
كان هناك عهد عام بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي مكة وغيرهم على ألا يصدّ عن البيت الحرام أحد من الطرفين، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم، وكانت هناك أيضا عهود بينه عليه الصلاة والسلام وبين كثير من قبائل العرب إلى آجال معينة، فنقض كثير من المشركين عهودهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما اقتضى نزول البراءة من عهودهم.
التفسير والبيان:
نزلت آيات {بَراءَةٌ} الأولى في أهل مكة في السنة التاسعة، بعد أن عاهدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية سنة ست هجرية، فنقضوا العهد، إلا بني ضمرة وبني كنانة، فأمر المسلمون بالتبرؤ من عهود المشركين وإمهالهم أربعة
أشهر، فإذا انتهت هذه المدة قاتلوهم.
والمراد بالعهود: العهود المطلقة غير المؤقتة بزمن، ومن كان له عهد دون أربعة أشهر فتكمل له هذه المدة، وأما من عهده مؤقت بمدة فوق ذلك فأجله إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى:{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ} [براءة 4/ 9].
هذا أصح الأقوال الذي اختاره الطبري وابن كثير وغيرهما. قال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد دون أربعة أشهر؛ ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله:
{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ} .
وقد أمّر النّبي صلى الله عليه وآله وسلم-كما أوضحت-أبا بكر في السّنة التّاسعة أميرا على الحجّ، فلما سافر نزلت سورة براءة متضمّنة نقض عهد المشركين، فأرسل عليّا ليبلّغ ذلك النّاس يوم الحجّ الأكبر قائلا:«لا يؤدّي عني إلا رجل من أهل بيتي» . فلما اجتمع الناس بمنى يوم النّحر، قرأ عليهم علي آيات من أول سورة براءة، ثم قال-فيما رواه التّرمذي والنسائي وأحمد-: بعثت بأربع:
ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.
ومعنى الآية: {بَراءَةٌ} أي تبرؤ وتخلص، وهي براءة صادرة من الله ورسوله، واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين. وإنما نسبت البراءة لله ولرسوله لأنها تشريع جديد من الله، وأمر لرسوله بتنفيذه، وتنويه بمقامه ومكانته.
ونسبت المعاهدة بقوله: {عاهَدْتُمْ} للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين ينفذون أحكام المعاهدات، مع أن الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عقد العهد بوصفه قائد الأمّة. قال الجصّاص: البراءة: هي قطع الموالاة، وارتفاع العصمة، وزوال الأمان.
براءة إلى أهل العهد المشركين، وهم أهل مكة وخزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم من العرب، أي إن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم؛ لأنهم ما عدا ناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة نكثوا العهد، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا، لا يتعرض لهم.
وقوله: {فَسِيحُوا} عدول من الخبر إلى الخطاب، أي قل لهم: سيحوا، أي سيروا في الأرض آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين. وتبيّن بالآية أن هذه البراءة وهذا النّبذ إليهم، إنما هي بعد أربعة أشهر، وأن عهد المعاهدين باق إلى آخر هذه المدّة
(1)
.
وحددت لهم هذه المدّة ليفكروا في أمرهم، فيختاروا إما الإسلام وإما القتال، ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال، إذا أصرّوا على شركهم وعداوتهم. وهذا منتهى التّسامح والإنذار، حتى لا يتهم المسلمون بأخذهم فجأة على غرّة.
والأربعة الأشهر في رأي السيوطي هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم؛ لأنه روي عن الزّهري: أن براءة نزلت في شوال.
وقال آخرون كالزّمخشري والرّازي والقرطبي وابن كثير: هي الأشهر الحرم في قوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، وهذا هو القول الأصحّ في تقديري؛
لأن الإمام علي رضي الله عنه قرأ أوائل سورة براءة على الناس يوم النّحر في منى.
(1)
أحكام القرآن للجصاص: 77/ 3
وليس المراد بالأشهر الأربعة هي الأشهر الحرم المعروفة، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب كما ارتأى ابن جرير نقلا عن ابن عباس؛ لأن ذلك مخلّ بالنّظم القرآني، مخالف للإجماع؛ لأن حرمة هذه الأشهر قد نسخت، ومثل هذا القول يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. وإنما المراد أشهر التّسيير الأربعة المذكورة آنفا.
والحكمة في إعطاء براءة لعليّ رضي الله عنه لتبليغها: أن براءة تضمّنت نقض العهد الذي كان عقده النّبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت سيرة العرب ألا يحلّ العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلّم.
وتضمّنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين، وذلك في حالتين:
حالة انقضاء مدّة المعاهدة، فنؤذنهم أي نخبرهم بالحرب، وحالة نقض العهد منهم، أو خوف الغدر منهم، فننبذ إليهم عهدهم.
ثم قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ..} . أي واعلموا علم اليقين أنكم لن تفلتوا من عذاب الله بالهرب والتّحصن إن بقيتم على شرككم وعداوتكم، وإن أمهلكم، وهو مخزيكم أي مذلّكم في الدّنيا بالقتل، والآخرة بالعذاب في النّار، كما قال تعالى في مشركي مكة وأمثالهم:{كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} [الزّمر 25/ 39 - 26].
وبعد أن أعلن الله براءته من المشركين، أمر بإعلان هذه البراءة للناس قاطبة، فقال:{وَأَذانٌ مِنَ اللهِ..} . أي وإعلام من الله ورسوله بالبراءة من عهود المشركين إلى الناس جميعا، يوم الحجّ الأكبر وهو يوم النّحر الذي تنتهي
فيه فرائض الحجّ، وأفضل أيام المناسك، ويجتمع فيه الحجاج في منى لإتمام مناسكهم.
فليس بين البراءتين تكرار؛ لأن البراءة الأولى مختصة بالمعاهدين والنّاكثين العهد منهم، وأما الأذان بالبراءة فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين، ومن لم ينكث.
وسمّي الأكبر لأنه حجّ فيه أبو بكر، ونبذت فيه العهود. ويوم الحجّ الأكبر في رأي ابن عباس في رواية عنه، وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة، وهو مذهب مالك: هو يوم النّحر؛ لأن يوم النّحر فيه الحجّ كله؛ لأن الوقوف بعرفة في ليلته، والرّمي والنّحر والحلق والطّواف في صبيحته.
وهو في رأي عمر وعثمان، وابن عباس في رواية أخرى، وطاوس ومجاهد، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: يوم عرفة؛
لحديث مخرمة أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
وروي عن عطاء ومجاهد: الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر: العمرة. أي أنّ العمرة تسمّى الحجّ الأصغر.
وكان علي هو المخبر بنقض العهد، مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، كما تقدّم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال:«بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذنين بعثهم يوم النّحر يؤذّنون بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذّن ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ثم أكّد الله تعالى الاعلام أو التّبليغ الفوري فقال: {فَإِنْ تُبْتُمْ..} . أي قولوا لهم: فإن تبتم عن الشرك فهو خير لكم، أي أنفع لكم في الدّنيا والآخرة.
وإن توليتم عن الإيمان، وأعرضتم عن الإسلام، فاعلموا أنكم غير معجزي الله، أي فائتي عذابه، فلن تفلتوا منه، فإنه محيط بكم، ومنزل عقابه عليكم، ولا طاقة لكم بحربه في الدّنيا، ووعده لرسله وللمؤمنين بالنّصر عليكم.
وبشّر أيها الرّسول من أنكر رسالتك، ولم يؤمن بالله وملائكته بعذاب مؤلم شديد الألم في الآخرة. وهذا أسلوب تهكّمي واستهزاء إذ استخدم البشارة بالسّوء محل الإنذار.
ثم استثنى الله تعالى من مدّة التّأجيل بأربعة أشهر لأصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة: من له عهد مؤقت، فأجله إلى انتهاء مدة عهده التي عوهد عليها، فقال:{إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ..} . أي إن الإخبار بنقض العهد يسري على جميع المشركين إلا المعاهدين الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئا من شروط العهد، ولم يظاهروا-يعاونوا-عليكم عدوا، كبني ضمرة وبني كنانة {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ} وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، بشرط ألا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدا، أي يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمّته وعهده، وأكّد تعالى وجوب الوفاء بقوله:{إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} أي الموفين بعهدهم.
قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتمّ إليهم عهدهم.
وهذا دليل قاطع على حرمة المعاهدات في الإسلام، وأن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دامت مدّة المعاهدة قائمة، وأن العهد المؤقّت لا ينقض إلا بانتهاء وقته، وأن مراعاة شروط المعاهد من مظاهر التّقوى ومشتملاتها.