الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن الله عليم بأحوالكم وبما يكون في المستقبل من غنى وفقر، حكيم فيما يشرعه لكم من أمر ونهي، كالأمر بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم، والنهي عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد هذا العام، وهو أيضا حكيم فيما يعطي ويمنع؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره تعالى.
وهذا إخبار عن غيب في المستقبل، وقد تحقق الخبر، وأنجز الله وعده، فأسلم أهل اليمن وأهل جدة وجرش وغيرهم، وصاروا يحملون الأطعمة إلى مكة، وأسلم المشركون أنفسهم، ولم يبق منهم أحد يمنع من الحرم، وأتتهم الثروات والخيرات من كل مكان، وجاءتهم الغنائم وأموال الجزية التي كانوا يأخذونها من أهل الذمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
1 -
النص صريح في أن المشرك نجس، وفي أن المؤمن طاهر ليس بنجس.
لذا كان مذهب المالكية والحنابلة: إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم، وقال الشافعي: أحب إلي أن يغتسل.
روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بثمامة بن أثال يوما، فأسلم، فبعث به إلى حائط (بستان) أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«لقد حسن إسلام صاحبكم» وأخرجه مسلم بمعناه.
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر.
2 -
المشرك ممنوع من دخول المسجد الحرام، والمقصود به لدى الشافعية:
حرم مكة كله، سواء مساجدها وغيرها، فلا يمكن الكافر من دخول حرم مكة
(1)
. قال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين، وبخاصة في المسجد
(1)
إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي: ص 173 وما بعدها.
الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، كما دخل في المسجد ثمامة وأبو سفيان، وهما مشركان.
وقال المالكية: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، إلا في حالة العذر، كدخول الذمي المسجد للتقاضي أمام الحاكم المسلم. وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، واستدل بهذه الآية، ويؤيدهم قوله تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور 36/ 24] ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها، ولأن قوله عز وجل:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة
(1)
.
وأباح الحنفية للكافر دخول المساجد كلها في الحرم وغيره لحاجة أو لغير حاجة؛ لأن المقصود بالآية النهي عن حج المشركين واعتمارهم، كما تقدم بيانه.
فلا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان.
3 -
قال الرازي: لا شبهة في أن المراد بقوله: {بَعْدَ عامِهِمْ هذا} السنة التي حصل فيها النداء من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة
(2)
أي أن المنع يبدأ من السنة العاشرة.
4 -
الفضل المذكور في الآية مطلق، يشمل كل ما أغناهم الله به، وهو الأصح، وقيل: المراد به حمل الطعام إلى مكة من البلاد التي أسلم أهلها كجدة وصنعاء وحنين، فإنه سد حاجتهم وأغناهم عما في أيدي المشركين. وقيل: المراد به الجزية، وقيل: الفيء.
(1)
أحكام القرآن لابن العربي: 901/ 2، تفسير القرطبي: 104/ 8 وما بعدها.
(2)
تفسير الرازي: 26/ 16.
وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم، وقد وقع الأمر مطابقا لذلك الخبر، فكان معجزة.
وفي هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي ذلك التوكل، وإن كان الرزق مقدرا، وأمر الله وقسمه مفعولا، ولكنه علقه بالأسباب، لحمل الناس على العمل، والسبب لا ينافي التوكل، بدليل
ما أخرج البخاري من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا
(1)
» فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يعارضه الغدو والرواح في طلب الرزق.
وقوله تعالى: {إِنْ شاءَ} يدل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته، وذلك في قوله:{نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا..} . [الزخرف 32/ 43].
5 -
إقامة الكفار في ديار الإسلام:
بلاد الإسلام بالنسبة لدخول الكفار إليها وإقامتهم فيها ثلاثة أقسام:
الأول-الحرم المكي: يمنع الكافر من دخول الحرم المكي وهو قول الشافعية والحنابلة، عملا بظاهر الآية، فلا يسمح لكافر بدخول الحرم، ولو كان حاملا رسالة، وإنما يخرج إليه الإمام أو نائبه خارج الحرم ليسمع رسالته. وأجاز المالكية لغير المسلم دخول حرم مكة دون البيت الحرام بأمان لمدة ثلاثة أيام، أو بحسب الحاجة في تقدير المصلحة من قبل الإمام.
وأباح أبو حنيفة أيضا للكافر دخول الحرم بإذن الإمام أو نائبه، ثلاثة أيام بلياليها.
(1)
أي تغدو بكرة وهي جياع، وتروح عشية وهي ممتلئة الأجواف والبطون.
الثاني-الحجاز: وهو ما بين عدن إلى حدود العراق طولا، وما بين جدّه وما والاها من ساحل البحر إلى حدود الشام عرضا. يجوز للكافر دخولها بالإذن لمدة ثلاثة أيام فقط.
روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلما»
وفي رواية لمسلم: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» .
والمراد من جزيرة العرب في رأي الشافعية والحنابلة هو الحجاز خاصة، كما
حكى ابن حجر عن الجمهور، بدليل رواية أحمد:«أخرجوا اليهود من الحجاز» ولفعل عمر رضي الله عنه فيما رواه البخاري والبيهقي، حيث أجلى اليهود والنصارى من الحجاز فقط دون جزيرة العرب، وأقرهم في اليمن مع أنها من جزيرة العرب.
ولا يجوز عند المالكية لغير المسلم استيطان جزيرة العرب (الحجاز واليمن) لعموم الحديث السابق عن ابن عمر،
وحديث عائشة عند أحمد: «لا يترك بجزيرة العرب دينان»
وما أخرجه مالك في الموطأ عن الزهري مرسلا:
«لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» .
الثالث-سائر بلاد الإسلام: يجوز للكافر أن يقيم فيها بأمان، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن المسلم، فيجوز للكافر دخول المسجد واللبث فيه، وإن كان جنبا، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن فيهم الجنب، وقد ترجم البخاري: دخول المشرك المسجد
(1)
.
(1)
إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي: ص 318