الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أنا برئ من كل مسلم بين ظهراني المشركين» ثم قال:
ثم أراد الله تعالى أن يبين فضل المهاجرين والأنصار على غيرهم، ويوضح مالهم في الآخرة، بعد أن ذكر حكمهم في الدنيا فهم متواصلون بينهم، وهذا ثناء عليهم، فلا تكرار، فقال:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..} .
أي إن الله تعالى يخبر عنهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، دون من لم يهاجر وأقام بدار الشرك، مع حاجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى هجرته، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة التامة والصفح عن ذنوبهم إن كانت، وبالرزق الكريم في الجنة: وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، الدائم المستمر الذي لا ينقطع أبدا.
هؤلاء الأصناف الثلاثة هم السابقون المقربون كما قال تعالى: {وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} .
وأما الصنف الرابع
وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية، فهم المشار إليهم بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ..} . أي والذين تأخر إيمانهم وهجرتهم عن الهجرة الأولى، وبعد أن قويت شوكة المسلمين، وهاجروا إلى المدينة، وجاهدوا مع السابقين لهم، فأولئك منكم، أي أنهم كالمهاجرين الأولين والأنصار، في الموالاة والتعاون والتناصر والفضل والجزاء، فهؤلاء الأتباع لهم في الدنيا، على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، النصرة، وهم مع المتقدمين في حسن الجزاء والعاقبة في الآخرة، فهم تبع لمن سبقهم، لذا قال تعالى:
{وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية [الحشر 10/ 59]
وفي الحديث المتفق عليه المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «المرء مع من أحب»
وفي الحديث الآخر الذي رواه الطبراني والضياء عن أبي قرصافة: «من أحب قوما فهو منهم»
وفي رواية «حشره الله في زمرتهم» .
وفي جعل الصنف الرابع من جملة الأصناف الثلاثة السابقة بقوله {فَأُولئِكَ مِنْكُمْ} دليل على فضل السابقين على اللاحقين، كما أن في الآية قدرا مشتركا بين الصنف الأول والأخير وهو الهجرة والإيمان، مما يدل على الترغيب فيهما.
ثم ذكر الله تعالى ولاية الرحم والقرابة بعد ولاية الإيمان والهجرة، فقال:
{وَأُولُوا الْأَرْحامِ..} . أي أصحاب القرابة التي تربط بينهم رابطة الدم، والآية عامة تشمل جميع القرابات، سواء أكانوا من ذوي الفروض أم العصبات (القرابة من جهة الأب) أم الأرحام (القرابة من جهة الأم) في اصطلاح علماء الفرائض، هؤلاء بعضهم أولى ببعض أي أجدر وأحق من المهاجرين والأنصار الأباعد بالتناصر والتعاون والتوارث في دار الهجرة، في كتاب الله، أي في حكم الله الذي كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة الأرحام.
فولاية الرحم أهم من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها السابق، والقريب المؤمن أولى بقريبه الرحم من المؤمن المهاجر والأنصاري البعيد القرابة، فتكون الآية مخصصة ما سبقها. أما القريب الكافر فيقطع الكفر صلته بقريبه.
وتكون الأخوة في النسب والدم، والأخوة في الله أولى في حكم الله من مجرد الأخوة الدينية.
ثم ختم الله الآية بقوله: {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي إن الله عليم بكل الأشياء، وعلمه واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدنيوية والأخروية، وبكل ما شرعه في هذه السورة من أحكام في السلم والحرب والغنائم والأسرى والعهود والمواثيق والولاية العامة والخاصة بين المؤمنين وصلة الأرحام، وهو إشارة إلى أن جميع أحكام السورة محكمة غير منسوخة ولا منقوضة وكلها حكمة وصواب وصلاح، وليس فيها شيء من العبث، ونظير ذلك قوله تعالى:{وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ} [الأعراف 52/ 7].
لكن آية {وَأُولُوا الْأَرْحامِ} نقل عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد: أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا. ويؤيدهم
حديث صحيح متواتر: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .
فالإرث الذي كان بسبب النصرة والهجرة صار منسوخا، فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة، وقوله:{فِي كِتابِ اللهِ} المراد منه السهام المذكورة في آيات المواريث في سورة النساء. وهذا ما ذهب إليه الشافعية، فلا إرث لذوي الأرحام بالمعنى الضيق عند علماء الفرائض كالخال والخالة والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، وليس لهم نصيب، والعصبات أولى بعضهم ببعض؛ لأن الفروض عينت. وقال الحنفية: يثبت الإرث لذوي الأرحام بنص هذه الآية، وذلك إذا لم يوجد أحد من العصبات.
وأما من نفي كون آية {وَأُولُوا الْأَرْحامِ} ناسخة لما تقدمها، فإنه فسر المراد بالولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم، وتكون الآية الأولى لبيان أن رابطة الإسلام أقوى من رابطة النسب، والثانية لبيان مكانتهم وأنهم المؤمنون حقا، والثالثة لبيان أن المتأخرين في الإيمان والهجرة لهم حكم من تقدمهم، وأن التناصر بالقرابة أيضا مطلوب.
ويكون المراد من آية أولي الأرحام أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة الوهم في أن الولاية محتملة للولاية بسبب الإرث، قال الرازي: وهذا أولى؛ لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز
(1)
.
(1)
تفسير الرازي: 213/ 15