الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَإِنْ يُرِيدُوا} أي الأسرى. {خِيانَتَكَ} بما أظهروا من القول. {مِنْ قَبْلُ} قبل بدر بالكفر. {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} ببدر قتلا وأسرا، فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا. {عَلِيمٌ} بخلقه.
{حَكِيمٌ} في صنعه.
سبب النزول:
نزول الآية (67):
روى أحمد وغيره عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال:
يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه، فقام أبو بكر فقال: نرى أن نعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، فأنزل الله:
{لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} الآية.
وروى أحمد والترمذي والحاكم عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر، وجيء بالأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ الحديث.
وفيه: فنزل القرآن بقول عمر: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى} الآيات.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لم تحل الغنائم، لم تحل لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء، فتأكلها، فلما كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله:{لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} .
وأخرج ابن المنذر عن نافع عن ابن عمر قال: اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادهم، وقال عمر:
اقتلهم، فقال قائل: أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهدم الإسلام، ويأمره أبو بكر بالفداء، وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمر بقتلهم.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقول أبي بكر، ففاداهم فنزل:{لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} فقال رسول الله: إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر».
فهذه الروايات تدل بالاتفاق على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ برأي أبي بكر، وقبل الفداء من أسرى بدر، وتذكر الرواية الثانية والرابعة أن القرآن نزل تشريعه موافقا لرأي عمر، وتنفرد الرواية الثانية عند الترمذي أن نزول الآية كان بسبب أخذ الغنائم قبل أن تحل لهم.
وفي رواية خامسة عند ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن الأعمش عن ابن مسعود توضيح أكثر، يجعل الآراء ثلاثة، قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأصلك استبقهم واستأن بهم لعل الله عز وجل يتوب عليهم. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارا، فقال العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجبهم.
ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله، ثم خرج عليهم فقال: إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله عز وجل ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال:{فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم 36/ 14] وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة 118/ 5]. وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ،
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ} [يونس 88/ 10] ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً} [نوح 26/ 71].
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنتم اليوم عالة، أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتنّ منهم أحد، إلا بفداء أو ضرب عنق؟ قال ابن مسعود: فأنزل الله عز وجل:
{ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} الآيات
(1)
.
وتنفرد رواية سادسة ذكرها مسلم وأحمد عن عكرمة بن عمارة عن ابن عباس في وصف حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه أبي بكر بعد نزول الآية، وتصرح بأن الذين اختاروا الفداء كثيرون، قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر والتقوا، فهزم الله المشركين، وقتل منهم سبعون رجلا، وأسر سبعون رجلا، استشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا عضدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله عز وجل أنه ليس في قلوبنا موادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد، قال عمر: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا هو قاعد، وأبو بكر الصديق، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني، ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت؟
(1)
أسباب النزول للواحدي: ص 136 وما بعدها.