الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقه الحياة أو الأحكام:
أثبتت الآيات أن أكثر اليهود وأكثر النّصارى مشركون؛ لأنهم نسبوا الابن لله، مقلّدين في ذلك من سبقهم من الكفار كمشركي العرب الذين كانوا يقولون:
الملائكة بنات الله، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق، ولعلّ هذا المذهب كان فاشيا فيهم، ثم انتهى.
وقال ابن العربي: في هذا دليل من قول ربّنا تبارك وتعالى على أن من أخبر عن كفر غيره-الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به-لا حرج عليه؛ لأنه إنما ينطق به على معنى الاستعظام له، والردّ عليه، فلا يمنع ذلك منه، ولو شاء ربّنا ما تكلّم به أحد، فإذا مكّن من إطلاق الألسن به، فقد أذن بالإخبار عنه؛ على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والرّدّ عليه بالحجّة والبرهان
(1)
.
وقد كذّبهم الله تعالى بقوله: {ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ} أي أنه قول ساقط باطل لا يتجاوز الفم، ولعنهم بقوله:{قاتَلَهُمُ اللهُ} قال ابن عباس: كلّ شيء في القرآن قتل فهو لعن.
ثم وصفهم تعالى بنوع آخر من الشّرك بقوله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا من دون الله والأكثرون من المفسّرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، مع أن التّوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بألا يعبدوا إلا إلها واحدا، وأنه لا إله إلا هو، تنزّه من أن يكون له شريك في الأمر والتّكليف أو التّشريع، وأن يكون له شريك في كونه مسجودا له أو معبودا، وأن يكون له شريك يستحقّ التّعظيم والإجلال.
(1)
أحكام القرآن: 913/ 2
ثم أخبر الله تعالى عن نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنّصارى، وهو سعيهم في إبطال دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإمعانهم في إخفاء أدلّة صحّة شرعه وقوّة دينه.
والمراد من النّور: الدّلائل الدّالّة على صحّة نبوّته.
أوّلها-المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده.
وثانيها-القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه كان أميّا.
وثالثها-أنّ حاصل شريعته تعظيم الله والثّناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النّفس عن حبّ الدّنيا أي الحرص عليها دون الآخرة، والتّرغيب في سعادات الآخرة، والعقل يدلّ على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه.
ورابعها-أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب، فليس فيه دعوة إلى غير الله، وإلى إصلاح حياة البشر
(1)
.
ثم إنه تعالى وعد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مزيد النّصر والقوة وإعلاء المنزلة، فقال:
{وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ} .
ثم بيّن الله تعالى بعد خيبتهم في إبطال دعوة الإسلام كيف يتمّ أمره بقوله:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ} .
وفي هذه الآية الأخيرة دلالة على أن رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تمتاز بكثرة الدّلائل والمعجزات على صحّتها، وهو الهدى، وأنها دين الحقّ المشتمل على الصّواب والصّلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدّنيا والآخرة، وأن دينه يعلو على كلّ الأديان، ويغلب كلّ الأديان، فلا دين يصمد أمام النّقاش العلمي والعقلي غير دين الإسلام. والتّاريخ على ممرّ الزّمان يؤكّد إنجاز هذه الوعود علانية في
(1)
تفسير الرّازي: 38/ 16 - 39