الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فجاء التخفيف فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ..} . الآية قال: فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
وفي كلا الحالين يطالب المسلمون القلة بمقاومة الجماعة الأكثر منهم؛ لأن العبرة بالانضباط والصبر، والحزم والعزم، وصدق الإيمان، واتباع أوامر الله تعالى. وقوله:{وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ} تحذير للمؤمنين من الاعتماد على الإيمان وحده لتحقيق النصر والغلبة، فإنه لا بد مع الإيمان من أوصاف أخرى، أهمها الصبر والثبات، والإعداد المادي والنفسي الدائم، والمعرفة بحقائق الأمور، ومقاصد الجهاد.
وقد تكرر الأمر بالثبات فردا وجماعة والصبر في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في الثبات:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال 45/ 8] وقوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف 4/ 61] وقوله تعالى في الصبر: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران 200/ 3] وقوله: {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ} [الأنفال 46/ 8].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} على الأمر بقبول عقد الصلح والمهادنة أو المسالمة إن مال إليه العدو، وعلى الأمر بالتوكل على الله، أي تفويض الأمر فيما عقد من صلح إلى الله، ليكون عونا على السلامة، والنصر عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء. ونبه تعالى في آخر الآية بقوله:{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} على الزجر عن نقض الصلح؛ لأنه تعالى عالم بما يضمره العباد، وسامع لما يقولون.
وفي هذا دلالة واضحة على أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب، ويوجب
الوفاء بالمعاهدات والمصالحات، ويحرم المبادرة إلى الغدر والخيانة ونقض العهود.
وقد أثير خلاف حول هذه الآية، هل هي منسوخة أو لا؟ فقال قتادة وعكرمة: نسخها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة 5/ 9] وقوله:
{وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة 36/ 9] وقالا: نسخت براءة كل موادعة، حتى يقولوا: لا إله إلا الله. وقال ابن عباس الناسخ لها: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمد 35/ 47].
وقال جماعة: ليست بمنسوخة، لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان فيه المصلحة، فإذا رأى الإمام مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، وإن كانت القوة للمشركين، جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة.
وصالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم؛ على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم.
وصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها، فنقض صلحهم.
وقد صالح الضّمري (مخشي بن عمرو، من بني ضمرة بن بكر، في غزوة الأبواء) وأكيدر دومة (أكيدر بن عبد الملك، من كندة، ودومة: هي دومة الجندل، مدينة قريبة من دمشق) وأهل نجران. وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده.
وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل عاملة وسالكة.
والخلاصة كما ذكر ابن العربي: إذا كان للمسلمين قوة وعزة ومنعة فلا صلح،
وإن كان لهم مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه فلا بأس بالصلح.
(1)
وقد نقلت سابقا عن ابن كثير ترجيحه أن الآية غير منسوخة وغير مخصصة، ولا منافاة بينها وبين أوامر القتال، فهذه الأوامر عند الاستطاعة، والصلح عند العجز وقوة العدو وعدم التكافؤ بين قوتنا وقوته. وكذلك قال الجصاص: قد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاهد حين قدم المدينة أصنافا من المشركين منهم النضير وبنو قينقاع وقريظة، وعاهد قبائل من المشركين، ثم كانت بينه وبين قريش هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك، وذلك قبل أن يكثر المسلمون.
فلما كثر المسلمون لم يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف بقوله تعالى:
{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ويقاتل أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: {قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} . وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها حكم ثابت أيضا.
وعقد الصلح جائز غير لازم للمسلمين باتفاق العلماء، فيجوز نبذه إذا ظهرت أمارات الخيانة والنقض والغدر.
ويجوز-كما
ذكر ابن العربي -عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال، يبذلونه للعدو، بدليل موادعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب، على أن يعطيه نصف تمر المدينة، فقال له السعدان: إن كان هذا الأمر من قبل الله فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به، ولك فيه هوى، فسمع وطاعة، وإن كان الرأي والمكيدة، فأعلمنا به، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنما هو الرأي والمكيدة؛ لأني رأيت العرب قد رمتكم بقوس واحدة، فأردت أن أدفعها عنكم إلى يوم. فقال
(1)
أحكام القرآن: 69/ 3
السعدان: إنا كنا كفارا، وما طمعوا منها بتمرة إلا بشراء أو بقرى، فإذ أكرمنا الله بك، فلا نعطيهم إلا السيف، وشقّا الصحيفة التي كانت كتبت
(1)
.
ودلت آية: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ} على حكم من أحكام الصلح، وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح؛ لأن الحكم يبنى على الظاهر، كما يبنى الإيمان على الظاهر.
وأرشدت آية {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} إلى أن تألف القلوب الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يلطم اللطمة، فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وكانوا أشد خلق الله حميّة، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدّين.
والله تعالى أيّد نبيه بمناسبة الصلح مع المشركين في حالين: خاصة وعامة، وليس ذلك من قبيل التكرار، ففي الآية الأولى:{وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ} كفاية خاصة، وهي حال الخديعة، أي وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء. وفي الآية الثانية:{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ} كفاية عامة أي حسبك الله وكافيك وناصرك في كل حال.
واستدل أهل السنة بقوله تعالى: {وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} على أن أحوال القلوب والعقائد والإرادات والكرامات، كلها من خلق الله تعالى، بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام
(2)
.
ودلت هذه الآية أيضا على أن العرب كانوا قبل الإسلام في خصومة دائمة ومحاربة شديدة، يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، فلما آمنوا بالله
(1)
أحكام القرآن لابن العربي: 865/ 2
(2)
تفسير الرازي: 189/ 15
ورسوله واليوم الآخر، زالت الخصومات، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة.
وقد أيد الله رسوله بمعونته ونصرته وبالمؤمنين من المهاجرين، وهذه آية ربانية ومعجزة أخرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان فردا وحده يدعو إلى الإسلام، فأيده الله بتوفيقه، وحماه بالمؤمنين التابعين من حوله، في مكة والمدينة.
وأرشدت آية: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ} إلى أن الواجب على المسلمين الإقدام على الجهاد بروح وثابة عالية، وشجاعة فائقة، وصبر شديد، وعزيمة لا تلين، حتى إنه كان المسلم مطالبا في مبدأ الأمر بالصمود أمام العشرة من الأعداء، ثم خفف الله عنه، فاكتفي بمطالبته بالثبات أمام اثنين فقط.
وهذا بدليل قول ابن عباس المتقدم، فإن الثبات أمام العدو فرض على المسلمين، لا اختيار لهم فيه، ويحرم عليهم الانهزام أمام ضعفي العدد؛ لأن قوله تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ..} . وإن ورد بصيغة الخبر، فالمراد به الأمر، والأمر يقتضي الوجوب؛ لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به، لا في المخبر عنه. ونظرا لوجود التخفيف، فلا محالة-كما قال الجصاص-قد وقع النسخ عن المسلمين فيما كلفوا به أولا، ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم، ولا قلّ صبرهم، وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم، وهم المعنيون بقوله تعالى:{وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً}
(1)
.
ودل قوله: {بِإِذْنِ اللهِ} على أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله، أي إرادته.
ودل قوله: {وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ} على تأييد الله الصابرين وإعانتهم.
(1)
أحكام القرآن للجصاص: 71/ 3