الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» .
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام واحد.
ودلت الآية الأولى: {اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..} . على وجوب الجهاد في كل حال، وذلك ليس من صيغة الأمر عند القائلين بأن الأمر يقتضي الفعل فقط، وإنما من النص على العقاب، وإنكار التثاقل؛ لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجبا، لما كان هذا التثاقل منكرا. ثم إن الآية التي بعدها وهي {إِلاّ تَنْفِرُوا} فيها تهديد شديد، ووعيد مؤكد في ترك النفير، بعذاب أليم، ولا يكون العذاب أو العقاب إلا على ترك واجب، فوجب بمقتضى الآيتين النفير للجهاد والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم، على أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن قيل: المراد بهذه الآية الثانية وجوب النفير عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم.
وآية: {ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ} وإن دلت على خطاب كل المؤمنين، إلا أن المراد بها البعض، وخطاب الكل وإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن، وفي سائر أنواع الكلام، كقول بعضهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.
ثم إن فرضية الجهاد العينية المستفادة من هاتين الآيتين قد نسخت بما يدل على أن فرض الجهاد استقر كونه فرض كفاية؛ روى أبو داود عن ابن عباس قال: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً} و {ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ} -إلى قوله- {يَعْمَلُونَ} [التوبة 120/ 9 - 121] نسختها الآية التي تليها: {وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة 122/ 9]. وهو قول الضحاك والحسن البصري وعكرمة.
وقال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا التقدير فلا نسخ.
وتضمنت آية {إِلاّ تَنْصُرُوهُ} عتاب الله أيضا للمؤمنين بعد انصراف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك؛ لأن معناها كما عرفنا: إن تركتم نصره، فالله يتكفّل به؛ إذ قد نصره الله في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة.
وأبانت الآية في قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنا} فضل أبي بكر بسبب صحبته النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحلك الظروف وشدة الخوف، وتعرضه للقتل إن عثر المشركون عليه وعلى النبي، واختيار النبي له لعلمه بأنه من المؤمنين الصادقين، ولأن الظاهر يدل على كون الاختيار بأمر الله. ولتسميته بأنه {ثانِيَ اثْنَيْنِ} ولوصف الله تعالى أبا بكر بكونه صاحبا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الليث بن سعد: ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبي بكر الصديق.
وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله:
{إِلاّ تَنْصُرُوهُ} .
وفي قوله تعالى: {ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ} ما يدل على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن الخليفة لا يكون أبدا إلا ثانيا.
وجاء في السنة أحاديث صحيحة، يدل ظاهرها على أنه الخليفة بعده، وقد انعقد الإجماع على ذلك، ولم يبق منهم مخالف. روى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنخيّر أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان.
وجمهور أئمة السلف على تقديم عثمان على علي رضي الله عنهم أجمعين.
وتضمنت آية {إِلاّ تَنْصُرُوهُ} أيضا معجزتين هما: تأييد الله نبيه بجند من الملائكة في قوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها} والضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحماية الله نبيه في الغار من أذى المشركين في قوله:{إِذْ هُما فِي الْغارِ} والمراد غار ثور.
وقصة الهجرة ومعجزة الغار هي بإيجاز: لما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة، قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق؛ فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبيّتوه ورصدوه على باب منزله طوال ليلتهم، ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه
(1)
، ودعا الله أن يعمّي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض، فلما أصبحوا، خرج عليهم علي رضي الله عنه، وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فات ونجا.
وتواعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط، ويقال: ابن أريقط، وكان كافرا، لكنهما وثقا به، وكان دليلا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خوخة (ثغرة) في ظهر دار أبي بكر التي في بني جمح، ونهضا نحو الغار في جبل ثور.
وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه، ويريحها (يردّها) عليهما ليلا، فيأخذا منها حاجتهما. ثم نهضا فدخلا الغار.
(1)
وفي هذا مخاطرة وفضل كبير أيضا لسيدنا علي كرم الله وجهه، وهي طاعة عظيمة ومنصب رفيع.
وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام، ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم، فيعفّي آثارهما، فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار، فقال:
هنا انقطع الأثر، فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته
(1)
؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتله. فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة ناقة لمن ردّه عليهم، والخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مشهورة أيضا.
وقد روي من حديث أبي الدرداء وثوبان رضي الله عنهما: أن الله عز وجل أمر حمامة، فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردهم ذلك عن الغار.
روى البخاري عن عائشة قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدّيل هاديا خرّيتا
(2)
، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فهيرة والدليل الدّيلي، فأخذ بهما طريق الساحل، أي موضع بعينه، ولم يرد به ساحل البحر.
قال المهلب: وفي هذا من الفقه ائتمان أهل الشرك على السرّ والمال إذا علم منهم وفاء ومروءة، كما ائتمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المشرك على سرّه في الخروج من مكة وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق
(3)
.
(1)
هذا ثابت في صحاح السيرة، وإن لم يثبته أهل الحديث.
(2)
الخرّيت: الدليل الحاذق والماهر بطرق المفاوز.
(3)
تفسير القرطبي: 144/ 8 وما بعدها.