الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خيرا مما أخذ منكم من الفداء، ويغفر لكم ما كان منكم من الشرك والسيئات، والله غفور لمن تاب عن المعاصي، رحيم بالمؤمنين، فهو يمدهم بعنايته وتوفيقه وإسعاده.
قال ابن عباس: الأسرى في هذه الآية العباس وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:
آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحنّ لك على قومك، فنزلت هذه الآية.
وفي هذا حض على إعلان الإسلام وقبول دعوته. وإن يريدوا أي الأسرى خيانتك يا محمد بإظهار الإسلام والمسالمة، ثم نقض ما عاهدوك عليه، فلا تخف من خيانتهم، فإنهم قد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، ونقض ميثاقه الذي أخذه على البشر في قوله:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى} [الأعراف 172/ 7]، وأقام الأدلة الكونية والعقلية عليه، وآتاهم من العقل الذي يرشد المتأمل بحق إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى.
فأمكن منهم، أي فأمكنك منهم يوم بدر، وإن عادوا إلى الخيانة فسيمكّنك منهم، ويسلطك عليهم فتهزمهم.
والله عليهم بنو إياهم، حكيم في تدبيره وصنعه، فينصر المؤمنين على الكافرين.
وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بوعده بالنصر، ووعيده لهم بالهزيمة؛ لأن الله مطلع على كل شيء في الوجود، ومهيمن على جميع البشر، وقادر على تحقيق ما يريد.
فقه الحياة أو الأحكام:
آية: {ما كانَ لِنَبِيٍّ} نزلت يوم بدر، عتابا من الله عز وجل لأصحاب
نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. والمستفاد منها أنه ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان أي القتل والتخويف الشديد.
وهذه الآية إحدى موافقات الوحي لرأي عمر، وقد بلغت بضعا وثلاثين.
ولقد كان هذا الحكم مناسبا لبدء قيام الدولة الإسلامية، ولا شك أن لكل دولة في بداية تأسيسها أحكاما وظروفا وقتية، تستدعيها المصلحة واستكمال قيام الدولة، وهذا الحكم القتل المشروع للأسرى من الأعداء مجرمي الحرب، وليس التقتيل الداخلي للشعب بعد قيام الثورة مثلا.
ولم يكن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا اجتهادا واختيارا لأحد أمرين مشروعين: هما القتل وأخذ الفداء. فهو فعل لخلاف الأولى، وليس في ذلك مساس أصلا بعصمة الأنبياء عليهم السلام كما فهم بعضهم؛ لأن المساس بالعصمة يحصل إذا خالف النبي نصا صريحا أو أمرا قائما، ولم يكن هناك نص أو أمر سابق بالقتل، بدليل مشاورة الصحابة، إذ لا يجوز له بحال ترك حكم النص، وطلب الحكم من مشاورة الصحابة.
وأما بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيحتمل أن يكون بسبب الخطأ في الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وقد أقدم على البكاء لأجل هذا المعنى، بسبب حرصه الشديد على الإصابة فيما ارتاه، وموافقة اجتهاده حكم الله في المسألة.
وعلى كل حال، فقد قتل بعض أسرى بدر وهم اثنان أو ثلاثة وهم: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي، لكنه لم يحقق الإثخان في الأرض، وحاول بعض المستشرقين الطعن بذلك، فكيف لو قتل جميع الأسرى، وكان عددهم سبعين، فيهم العباس عم النبي وعقيل بن أبي طالب ابن عمه؟!
أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للناس: «إن شئتم أخذتم فداء
الأسارى، ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا وسلمتم» فقالوا: نأخذ الفداء، ويستشهد منا سبعون.
وإذا كان التخيير بين القتل وأخذ الفداء، فكيف وقع التوبيخ بقوله:
{لَمَسَّكُمْ} ؟ الجواب: أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع التخيير بعد ذلك.
وأما قوله تعالى: {لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} في أنه لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون، فأصح الأقوال-في رأي ابن العربي والقرطبي-في كتاب الله السابق: ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرمة على من قبلنا، فلما كان يوم بدر، أسرع الناس إلى الغنائم، فأنزل الله عز وجل:{لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} أي بتحليل الغنائم.
وبما أن هذه الآية في إحلال الغنيمة، واستحقاق العذاب بما اقتحموا فيها مما ليس لهم اقتحامه إلا بشرع، استنبط ابن العربي من ذلك بأن الآية دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما، مما هو في علم الله حلال، إنه لا عقوبة عليه، كالمرأة إذا قالت: هذا يوم حيضتي فأفطر، والصائم إذا قال: هذا يوم نوبتي في سفري فأفطر، ثم حدث الحيض والسفر فعلا، ورجح ابن العربي ألا كفارة في هذه الحالة؛ لأن حرمة اليوم ساقطة عند الله، فصادف هتك حرمة الصوم محلا لا حرمة له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو قصد وط ء امرأة قد زفّت إليه، وهو يعتقد أنها ليست بزوجة، فإذا هي زوجة. وهذا رأي أبي حنيفة. ومشهور مذهب المالكية والشافعي أن فيه الكفارة
(1)
.
والمعنى الراجح لقوله: {لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} في رأي الرازي: لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم.
(1)
أحكام القرآن: 872/ 2
وظاهر قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ} يقتضي أن تكون الغنيمة كلها ملكا للغانمين، وأن يكونوا مشتركين فيها على السواء؛ إلا أن قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ} المتقدم بيّن وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى مصارفه المذكورة. وفي الآية أيضا إباحة الغنائم التي كانت محظورة قبل ذلك،
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس من قبلكم» .
وأرشدت الآية: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى} إلى أنه يجب على المؤمنين ترغيب الأسرى في الإيمان. وتضمنت بشارة للمؤمنين باستمرار النصر على المشركين، ما داموا آخذين بأسباب النصر المادية والمعنوية.
روى البخاري عن أنس: «أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ترك فداء عمه العباس رضي الله عنه، وكان في أسرى المشركين يوم بدر، فقالوا: ائذن لنا، فنترك لابن أختنا
(1)
العباس فداءه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: والله لا تذرون منه درهما».
وكان فداء الأسير أربعين أوقية ذهبا، فجعل على العباس مائة أوقية (لأنه كان موسرا) وعلى عقيل ثمانين، فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ قال:
فأنزل الله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى: إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ} فقال العباس (بعد إسلامه): وددت لو كان أخذ مني أضعافها، لقوله تعالى:{يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ} .
وذكر ابن العربي أنه لما أسر من أسر من المشركين، تكلم قوم منهم بالإسلام، ولم يمضوا بذلك عزيمة، ولا اعترفوا به اعترافا جازما. ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين، ولا يبعدوا من المشركين، فنزلت الآية.
(1)
لأن جدته كانت أنصارية.