المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ} ونزلت - التفسير المنير - الزحيلي - جـ ١٠

[وهبة الزحيلي]

فهرس الكتاب

- ‌كيفية قسمة الغنائم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌تكثير المؤمنين ببدر في أعين المشركينوتقليل المشركين في أعين المؤمنين

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌ذكر الله والثبات أمام العدو والطاعة وعدم التنازع

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌وأول هذه الآداب والقواعد:

- ‌والأدب الثاني:

- ‌والأدب الثالث:

- ‌والأدب الرابع:

- ‌والأدب الخامس:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌تبرؤ الشيطان من الكفار وقت أزمة بدر وحين تهكم المنافقينبالمؤمنين

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (48):

- ‌نزول الآية (49):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إهلاك الكفار المشركين لسوء أعمالهمكإهلاك آل فرعون

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌معاملة من نقض العهد ومن ظهرت منه بوادر النقض

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (55):

- ‌نزول الآية (59):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الإعداد الحربي لقتال الأعداء بحسب الطاقة والاستطاعة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌ المناسبة

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إيثار السّلام وتوحيد الأمة وتحريضها على القتال

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (64):

- ‌نزول الآية (65):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌شرط اتخاذ الأسرى وقبول الفداء منهم وإباحة الانتفاع به

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (67):

- ‌نزول الآية (70):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أصناف المؤمنين في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى الإيمان والهجرة

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (73):

- ‌نزول الآية (75):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌أما المصنف الأول

- ‌وأما الصنف الثاني

- ‌وأما الصنف الثالث

- ‌وأما الصنف الرابع

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌سورة التوبة

- ‌تسميتها:

- ‌السبب في إسقاط التسمية من أولها:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌تاريخ نزولها:

- ‌ما اشتملت عليه السورة:

- ‌أضواء من التاريخ على صلح الحديبية:

- ‌نقض عهود المشركين وإعلان الحرب عليهم والبراءة منهم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌فرضية قتال مشركي العرب في أي مكان وجدوا

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌مشروعيّة الأمان

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التّفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أسباب البراءة من عهود المشركين وقتالهم

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌مصير المشركين إما التوبة وإما القتال

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌التحريض على قتال المشركين الناكثين أيمانهم وعهودهم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌اختبار المسلمين واتخاذ البطانة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌عمارة المساجد

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌فضل الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌ولاية الآباء والإخوان الكافرين وتفضيل الإيمان والجهاد علىثمانية أشياء

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌سبب نزول الآية: (23)

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌نصر المؤمنين في مواطن كثيرة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌أضواء من التاريخ على وقعة حنين:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌تحريم دخول المسجد الحرام على المشركين

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قتال أهل الكتاب

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌عقيدة أهل الكتاب (اليهود والنّصارى)

- ‌الإعراب:

- ‌لبلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النّزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌سيرة الأحبار والرهبان في معاملاتهم مع الناس

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (34):

- ‌نزول الآية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌عدد الشهور في حكم الله وقتال المشركين كافة وتحريم النسيء

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌التحريض على الجهاد والتحذير من تركهومعجزة الغار في الهجرة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (38):

- ‌نزول الآية (39)

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌النفر للجهاد في سبيل الله

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌تخلف المنافقين عن غزوة تبوك وقضية الإذن لهم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌الدليل على تخلف المنافقين بغير عذر وخطر خروجهم للقتال

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌انتحال المنافقين أعذارا أخرى للتخلف عن غزوة تبوكوفرحهم عند السيئة التي تصيب المؤمنين وترحهم عند الحسنة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (49):

- ‌نزول الآية (50):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌إحباط ثواب المنافقين على نفقاتهم وصلواتهموتعذيبهم في الدنيا والآخرة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌حلف المنافقين الأيمان الكاذبة وانتهازهم الفرصة للطعن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌مصارف الزكاة الثمانية

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌حدّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ:

- ‌هل تعطى الزكاة للكفار وآل البيت

- ‌مقدار ما يعطى للفقير والمسكين:

- ‌نقل الزكاة لفقراء بلد آخر:

- ‌وهل بقي سهم المؤلفة قلوبهم أو نسخ؟ رأيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌حكمة الزكاة:

- ‌إيذاء المنافقين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتصحيح مفاهيمهم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌بيان أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوكالإقدام على اليمين الكاذبة، وتخوفهم من نزول القرآن فاضحا لهم،واستهزاؤهم بآيات الله

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية (62):

- ‌نزول الآية (65):

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أوصاف المنافقين وجزاؤهم الأخروي

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أوصاف المؤمنين وجزاؤهم الأخروي

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌جهاد الكفار والمنافقين وأسبابه

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌نزول الآية {يَحْلِفُونَ بِاللهِ}:

- ‌نزول: {وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا}:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌كذب المنافقين وإخلافهم العهد والوعدقصة ثعلبة بن حاطب المزعومة

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن ثعلبة بن أبي حاطب أبطأ عنه

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌طعن المنافقين بالمؤمنين وعدم المغفرة لهم

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌فرح المنافقين المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌منع المنافقين من الجهاد والمنع من الصلاة على موتاهموالتحذير من الاغترار بأموالهم وأولادهم

- ‌الإعراب:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌قصة حديث الصلاة على عبد الله بن أبي:

- ‌استئذان زعماء المنافقين للتخلف عن الجهادوإقدام المؤمنين عليه

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌نفاق الأعراب واستئذانهم للتخلف عن الجهاد

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

- ‌أصحاب الأعذار المقبولة لعدم الجهاد

- ‌الإعراب:

- ‌البلاغة:

- ‌المفردات اللغوية:

- ‌سبب النزول:

- ‌المناسبة:

- ‌التفسير والبيان:

- ‌فقه الحياة أو الأحكام:

الفصل: {وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ} ونزلت

{وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ} ونزلت في أهل الكتاب: {قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.

وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن الحسن البصري قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام، لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن أهل الكتاب:{قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} الآية.

‌المناسبة:

بعد أن ذكر الله تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وإبعادهم عن المسجد الحرام، أعقبه ببيان حكم أهل الكتاب:

وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية. وفي ذلك توطئة للكلام عن غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ، حين طابت الثمار واشتد الحر، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين، وتمحيص المؤمنين.

‌التفسير والبيان:

لما كفر اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، لم يبق لهم إيمان صحيح، ولا شرع ولا دين، وإنما يتبعون أهواءهم؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بأصل دينهم، لقادهم ذلك إلى الإيمان برسالة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه، ولم يعد ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء؛ لأن الإسلام من عند الله، وختمت به الديانات، فلم يكف الإيمان بالبعض دون البعض، ما داموا قد كفروا بخاتم النبيين وأشرف المرسلين.

لهذا أمر الله بمقاتلة أهل الكتاب، إذا كانوا موصوفين بصفات أربع وهي:

ص: 173

1 -

إنهم لا يؤمنون بالله: فإن أكثر اليهود مشبّهة يعتقدون أن الإله جسم، والله منزه عن الجسمية والشبيه، فهم لا يؤمنون بوجود الله وتوحيده حقا، وجودا منزها عن التجسيم. والنصارى يعتقدون بالتثليث ثم التوحيد، فهم يقولون بوجود الأب والابن وروح القدس، ثم يعتقدون أن الإله حل في عيسى، فأصبح هو الرب، والله منزه عن الاتحاد والحلول في غيره، وعن الابن والشريك، فصاروا لا يؤمنون بوجود الإله الحق.

ثم إن اليهود يقولون: عزيز ابن الله، وكل من اليهود والنصارى {اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ} ، يشرّعون لهم العبادات ويحرّمون، ويطيعونهم في ذلك، فصاروا بمثابة الرب.

2 -

إنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على النحو الصحيح، فهم يعتقدون بأن الأرواح هي التي تبعث دون الأجساد، كالملائكة، وأن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون، وليس هناك متع مادية، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار معان روحية فقط كالسرور والهم، فهم لا يؤمنون بحياة كاملة مادية وروحية في عالم الآخرة، وهذا مناف لما أخبر به القرآن، ومن أنكر البعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن.

3 -

{وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ} : فهم لا يحرمون ما حرمه القرآن وسنة الرسول، ولا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى عليهما السلام، بل حرفوا التوراة والإنجيل، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم المنسوخ بحكم الإسلام، فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور.

4 -

ولا يدينون دين الحق: أي لا يعتقدون بصحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، وإنما يسيرون على وفق ما وضعه رجال الدين بحسب أهوائهم،

ص: 174

فبدلوا التوراة والإنجيل، ولم يعد أصل الدين المطابق للإسلام والموحى به إلى موسى وعيسى عليهما السلام هو المعمول به.

فقاتلوا هؤلاء الموصوفين بأنهم من أهل الكتاب، لتمييزهم عن المشركين في الحكم، فالمشركون يجب في حقهم القتال أو الإسلام، وأهل الكتاب يجب فيهم أحد خصال ثلاث: القتال أو الإسلام أو الجزية.

وغاية قتالهم حتى يلتزموا الدخول في عهد مصحوب بأداء الجزية، وهم صاغرون أي ملتزمون الخضوع لأحكام الإسلام.

وكما أن قتال المشركين واجب إذا حاربوا المسلمين، كما تقدم بيانه عن ابن العربي

(1)

، كذلك قتال أهل الكتاب عند وجود مقتضيات القتال، كالاعتداء على المسلمين أو بلادهم أو أعراضهم أو فتنتهم عن دينهم أو تهديد أمنهم وسلامتهم، كما حصل من الروم، فكان ذلك سببا لغزوة تبوك، أو حسبما يرى الإمام من المصلحة الحربية معتمدا على التحركات المشبوهة، والاستعدادات الحربية، والحشود العسكرية على حدود دار الإسلام.

وقد سموا بأهل الكتاب؛ لأن لهم في الأصل كتابا سماويا، ويعتقدون في الجملة بالإله وبالبعث والحساب والرسل والشرائع والملل.

ويسمون أيضا «أهل الذمة» أي أهل العهد والميثاق الذي يوجب الإسلام معاملتهم بالعدل والمساواة بمقتضى ذمة الله ورسوله.

ويقال لهم أيضا «المعاهدون» لأنهم يقيمون في دار الإسلام بموجب عهد أو معاهدة معقودة بيننا وبينهم، ويجب تنفيذ أحكامها واحترامها من الجانبين، ويحرم ظلمهم وتكليفهم مالا يطيقون.

(1)

أحكام القرآن: 889/ 2

ص: 175

والصغار كما تقدم وذكر بعض الفقهاء كالشافعية وابن القيم: هو التزام الأحكام، وليس الإذلال والإهانة.

والجزية ليست من مبتدعات الإسلام، وإنما كانت معروفة لدى الفرس، وأول من سنّها كسرى أنو شروان، فعمل بها عمر حينما افتتح بلاد الفرس.

ولم يحدد القرآن مقدارها، فاختلف الفقهاء في تقديرها، فقال الشافعي:

هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، لما

روى أبو داود وغيره عن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية. قال الشافعي: وهو أي الرسول المبيّن عن الله تعالى مراده. وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز. وتؤخذ في آخر السنة.

وقال المالكية: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق (الفضة)، الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا، لا يزاد ولا ينقص على ما فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره.

وقال الحنفية: مقدار الجزية اثنا عشر درهما على الفقراء، وأربعة وعشرون درهما على الأوساط، وأربعون درهما على الأغنياء. وتؤخذ في أول السنة.

ويعامل المجوس في أخذ الجزية معاملة أهل الكتاب، قال ابن المنذر:

لا أعلم خلافا أن الجزية تؤخذ منهم.

روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» قال ابن عبد البر: يعني في الجزية خاصّة. وفي هذا القول دليل واضح على أنهم ليسوا أهل كتاب.

أما أهل الأوثان: فقال الشافعي رحمه الله وجمهور الفقهاء: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب على التخصيص، عربا كانوا أو عجما لهذه الآية، فإنهم هم الذين

ص: 176

خصّوا بالذكر، فتوجه الحكم إليهم دون سواهم؛ لقوله عز وجل:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة 5/ 9] ولم يقل: حتى يعطوا الجزية، كما قال في أهل الكتاب. فلا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب.

وقال الأوزاعي والمالكية: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذّب، عربيا أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا، كائنا من كان؛ إلا المرتد.

والجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالى قال: {قاتِلُوا الَّذِينَ} إلى قوله: {حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل، وقد أجمع العلماء على أن الجزية تؤخذ من الرجال الأحرار المقاتلين.

وإذا أعطوا الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا زروعهم ولا تجارتهم، إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقرّوا فيها وصولحوا عليها، فحينئذ يؤخذ منهم العشر إذا باعوا أمتعة التجارة، وحصلوا على أثمانها، ولو كان ذلك في السنة مرارا، إلا في حملهم الطعام: الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة على التخصيص، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر، على ما فعل عمر.

ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، فإن أظهروا شيئا من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأدّب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدّى، ويجب عليه الضمان في مذهبي المالكية والحنفية.

وإن امتنعوا من أداء الجزية وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا، قوتلوا في رأي الجمهور غير الحنفية.

وإن قطعوا الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية، أي يطبق عليهم حكم آية المحاربة:{إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة 33/ 5].

ص: 177