المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الصورة الأولىفى ذكر أحوال المدينة الأولى وأطوار سكانها القدماء وأحوالهم - موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - جـ ٣

[أيوب صبري باشا]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الصورة الأولىفى ذكر الأحوال الجغرافية للمدينة الميمونة

- ‌إخطار

- ‌الصورة الثانيةوجوب مراعاة حق جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الصورة الثالثةفى ذكر وبيان كيفية دفن من أدركه الأجل فى المدينة الطاهرة

- ‌منظومة

- ‌الصورة الرابعةتوضح وتبين كيف يستقبل شهر رمضان الشريف-مظهر الغفران-من قبلأطفال المدينة وكيف يكون رمضان فى مدينة طيبة

- ‌مطالعة

- ‌صورة أداء صلاة التراويح:

- ‌سبب إقامة موكب الشموع:

- ‌الصورة الخامسةفى بيان ترتيب وتشكيل موكب الشموع الذى اعتيد إجراؤه فى مسجد السعادةبعد صلاة التراويح

- ‌الصورة السادسةفى تعريف طريقة أداء صلاة الفجر وصلاة العيد فى شهر رمضان

- ‌صورة أداء صلاة الفجر:

- ‌صورة أداء صلاة العيد:

- ‌الصورة السابعةفى تعريف الهيئة الكاملة لمسجد السعادة فى الوقت الحالى

- ‌الصورة الثامنةفى بيان وذكر أبواب حجرة السعادة المعطرة أبوابها وقناديلها وشمعداناتها

- ‌سبب وتاريخ استخدام الأغوات فى الحجرة المنيفة

- ‌تعريف مقدار خدمة الفراشة الشريفة الجليلة:

- ‌مقام أبى بكر وعمر رضى الله عنهما:

- ‌صورة غسل حجرة السعادة

- ‌الخدمة الدائمة للخدم:

- ‌تأديب الأغوات المتهمين:

- ‌إخطار

- ‌صورة تسكين الأغوات:

- ‌خدمات خدم مسجد السعادة الدائمة والمؤقتة:

- ‌الخطباء والأئمة فى الحرم النبوى الشريف

- ‌مكبرو الحرم الشريف

- ‌سقاء والحرم الشريف

- ‌استطراد

- ‌الوجهة الثانيةوتعرف حكم شد الرحال إلى المدينة بغرض زيارة مسجد الرسولصلى الله عليه وسلم

- ‌الصورة الأولىذكر الأحاديث الشريفة التى وردت بخصوص شد الرحال لزيارة مسجدالرسول صلى الله عليه وسلم وآراء الفقهاء العظام

- ‌إخطار

- ‌نصيحة

- ‌الصورة الثانيةفى ذكر وبيان فضائل المسجد النبوى الشريف والمنبر اللطيف والروضة النبويةالمنيفة

- ‌رواية

- ‌إخطار مهم

- ‌إخطار

- ‌بيان المصلى النبوى وبيان حدوده

- ‌الوجهة الثالثةتحتوى على ثلاث صور فى تعريف أسماء المدينة الطاهرة وفضائلها

- ‌الصورة الأولىفى بيان أسماء المدينة المنورة الجميلة وألقابها الجليلة

- ‌حرف الهمزة:

- ‌1 - أثرب:

- ‌2 و 3 - أرض الله، أرض الهجرة:

- ‌4 و 5 - أكالة البلدان [ز]،أكالة القرى [ز]:

- ‌6 - الإيمان [ز]

- ‌حرف الباء:

- ‌7 و 8 - البارة [ز]

- ‌9 و 10 و 11 - ومن أسمائها الشريفة بحره، بُحيرة، بَحيرة

- ‌12 - بلاط [ز]:

- ‌13 - بلد [ز]:

- ‌14 - بيت الرسول، صلى الله عليه وسلم [ز]:

- ‌حرف التاء:

- ‌16،15 - تندر [ز] تيدر [ز]:

- ‌حرف الجيم:

- ‌20،19،18،17 - جابرة [ز] جبار، جبابرة [ز] جبّارة:

- ‌21 - جزيرة العرب [ز]:

- ‌حرف الحاء:

- ‌23 - الحبيبة:

- ‌24 - حرم:

- ‌26،25 - حرم رسول الله [ز]،حسنة:

- ‌حرف الخاء:

- ‌28،27 - خيره، خيره:

- ‌حرف الدال:

- ‌37،36،35،34،33،32،31،30،29 - الدار [ز] دار الأبرار، دارالأخيار [ز] دار الإيمان [ز] دار السلام [ز] دار السنة [ز] دار السلامة [ز] دارالفتح [ز] دار الهجرة:

- ‌38 - درع، الحصينة [ز]:

- ‌حرف الذال:

- ‌39 - ذات الحجر [ز]:

- ‌40 - ذات الحرار [ز]:

- ‌41 - ذات النخل [ز]:

- ‌حرف السين:

- ‌42 - سلق:

- ‌43 - و 44 سلق وسلق

- ‌45 - سيدة البلاد [ز]:

- ‌46 - شافية [ز]:

- ‌حرف الطاء:

- ‌50،49،48،47 - طابه، طيبه، طيبة، طائب [ز]:

- ‌كما أن مطيبه (51) وطبابا (52) من أسماء المدينة

- ‌حرف الظاء:

- ‌54،53 - ظيابا [ز] ظبابا:

- ‌حرف العين:

- ‌55 - عاصمة:

- ‌56 - عذراء:

- ‌57 - عراء [ز]:

- ‌حرف الغين:

- ‌60،59 - غراء [ز]:غالبه [ز]:

- ‌حرف الفاء:

- ‌61 - فاضحة [ز]

- ‌حرف القاف:

- ‌62 - قاصمة [ز]:

- ‌67،66،65.64،63 - قرية [ز] قرية الأنصار [ز] قبة الإسلام، قريةالرسول، قلب الإيمان [ز]

- ‌حرف الميم:

- ‌68 - مؤمنة [ز]:

- ‌69 - 103 مباركة [ز]

- ‌حرف النون:

- ‌106،105،104 - ناجية [ز] نبلاء [ز] نجر [ز]

- ‌حرف الهاء:

- ‌108،107 - هرزاء [ز] هز:

- ‌حرف الياء:

- ‌111،110،109 - يثرب، يندد [ز]:

- ‌الصورة الثانيةفى ذكر الروايات التى نقلت من الآثار الموثوقة والأخبار الصحيحة فى فضلورجحان المدينة المنورة على سائر الممالك

- ‌الصورة الثالثةفى ذكر الأحاديث الشريفة التى وردت فى حق الذين اختاروا الإقامة فىالمدينة الطاهرة والذين أحدثوا البدعة والمبدعين والذين يعاونونهم

- ‌الوجهة الرابعةتشمل خمس صور تفصل أوائل حال المدينة المنورة وسكانها القدماء

- ‌الصورة الأولىفى ذكر أحوال المدينة الأولى وأطوار سكانها القدماء وأحوالهم

- ‌الصورة الثانيةفى ذكر القبائل التى كانت فى أرض يثرب وقت أن هاجر إليها الأوسوالخزرج بن ثعلبة

- ‌سبب ظهور وقعة مالك بن عجلان وصورة ظهورها:

- ‌الصورة الثالثةفى ذكر بيان القرى والمحال التى أسسها أفراد قبائل بنى الأوس حول المدينة

- ‌الصورة الرابعةفى تعريف ووصف القرى والمنازل التى سكنها بعد تهيئتها أبناء قبائل الخزرجوجماعاتها فى جوار مدينة الرسول

- ‌الصورة الخامسةفى تعريف رؤية الملاحم التى ظهرت قبل الإسلام بين قبائل الأنصار الكريمةوالمعارك المشهورة

- ‌رواية

- ‌الوجهة الخامسةوتشمل ثلاث صور تعين إرسال مصعب ابن عمير إلى يثرب

- ‌الصورة الأولىفى ذكر بيعة السابقين من الأنصار للإسلام وفى دعوة مصعب بن عمير أهلالمدينة إلى الإسلام

- ‌حكمة

- ‌سبب كون النبى صلى الله عليه وسلم أنصاريا من الخزرج:

- ‌الصورة الثانيةفى هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى دار الأمن المدينة المنورة

- ‌عربى

- ‌رواية

- ‌إخطار

- ‌ المعجزة

- ‌مسألة

- ‌إخطار

- ‌الصورة الثالثةفى بيان وقائع سنين الهجرة وتفصيلاتها الإجمالية

- ‌السنة الأولى للهجرة

- ‌سنة الأذان المحمدى:

- ‌أصول التسبيح فوق المآذن:

- ‌السنة الثانية للهجرة

- ‌السنة الثالثة الهجرية

- ‌ السنة الرابعة الهجرية

- ‌السنة الخامسة الهجرية

- ‌السنة السادسة الهجرية

- ‌السنة السابعة الهجرية

- ‌السنة الثامنة الهجرية

- ‌السنة التاسعة الهجرية

- ‌السنة العاشرة الهجرية

- ‌السنة الحادية عشرة الهجرية

- ‌الوجهة السادسةوتشتمل على إحدى عشرة صورة تعرف بالتفصيل توسيع وتجديد المسجدالشريف ودار فاطمة رضى الله عنها السعيدة

- ‌الصورة الأولىفى ذكر صورة طرح وتأسيس مسجد السعادة على صاحبه أفضل التحية

- ‌استطراد

- ‌ حديقة أولاد صفى

- ‌رأى ومطالعة

- ‌إخطار

- ‌الصورة الثانيةتبين توسيع مسجد السعادة وتحويل المحراب الشريف

- ‌إخطار

- ‌الصورة الثالثةفى ذكر الأماكن السعيدة التى صلى فيها من المسجد الشريف إمام محرابالملكوت-عليه السلام

- ‌مؤسس محراب مسجد السعادة:

- ‌نظم

- ‌الصورة الرابعةفى تعريف جزعة مسجد السعادة والمحل القديم لمحراب النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌إخطار

- ‌تنبيه

- ‌نعت شريف

- ‌الصورة الخامسةتبين سبب تأسيس منبر مسجد النبى وصورته وجزع ونحيب النخلة

- ‌مثنوى

- ‌استطراد

- ‌مثنوى

- ‌‌‌مثنوى

- ‌مثنوى

- ‌حكاية

- ‌استطراد

- ‌الصورة السادسةفى ذكر عدد المرات التى جدد فيها منبر السعادة وعدد المرات التى عمر

- ‌إخطار

- ‌الصورة السابعةفى بيان الأساطين التى ركزت فى مسجد السعادة فى عصر النبى السامى صلى الله عليه وسلم

- ‌كانت الأساطين الأصلية لمسجد السعادة ثمانية أعمدة موزونة متساوية، وقدزيد مؤخرا عدد أساطين المسجد الشريف المنيفة

- ‌1 - الأسطوانة المخلقة:

- ‌2 - أسطوانة عائشة:

- ‌3 - أسطوانة التوبة:

- ‌4 - أسطوانة السرير:

- ‌5 - أسطوانة المحرس:

- ‌6 - أسطوانة الوفود:

- ‌إخطار

- ‌7 - أسطوانة مربعة القبر:

- ‌8 - أسطوانة التهجد:

- ‌9 - محراب باب الجنائز:

- ‌الأبيات التى سطرت على الأساطين الأربع من الصف الأول:

- ‌الأسطوانة الأولى

- ‌الأسطوانة الثانية

- ‌الأسطوانة الثالثة

- ‌الأسطوانة الرابعة

- ‌الأسطوانة الخامسة

- ‌الأسطوانة السادسة

- ‌الأسطوانة السابعة

- ‌الأسطوانة الثامنة

- ‌الأسطوانة التاسعة

- ‌الأسطوانة العاشرة

- ‌الأسطوانة الحادية عشرة

- ‌الأسطوانة الثانية عشرة

- ‌استطراد

- ‌الصورة الثامنةفى ذكر وبيان المقام واجب الاحترام الذى يطلق عليه «الصفّة»

- ‌استطراد

- ‌أصحاب الصفة الذين أورد أبو نعيم أسماءهم الجميلة ومناقبهم الجليلة منبين هؤلاء:

- ‌كيفية إعاشة أصحاب الصفة:

- ‌الصورة التاسعةفى تعريف الحجرة النبوية المعطرة

- ‌حكاية

- ‌حكاية أخرى

- ‌الصورة العاشرةفى تعريف دار فاطمة-رضى الله عنها-السعيدة

- ‌الصورة الحادية عشرةفى تعريف كيفية إغلاق الأبواب التى تواجه مسجد النبى فى عصر السعادة

- ‌الوجهة السابعةتجمع خمس صور تبين وتظهر عدد المرات التى جددت فيها حدود المسجدالنبوى

- ‌الصورة الأولىفى ذكر توسيع مسجد الرسول لأول مرة

- ‌الصورة الثانيةفى ذكر كيفية تجديد مسجد السعادة وتوسيعه للمرة الثانية

- ‌مقصورة مسجد السعادة

- ‌الصورة الثالثةفى ذكر كيفية تجديد مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وتوسيعه للمرة الثالثة

- ‌مطالعة

- ‌صورة أداء صلاة الجنازة فى مسجد السعادة وسبب منعه

- ‌استطراد

- ‌موازنة تاريخية

- ‌الصورة الرابعةفى تعريف تجديد مسجد السعادة وكيفية توسيعه للمرة الرابعة

- ‌إخطار

- ‌الصورة الخامسةفى تعريف الحجرة المعطرة والقبور الثلاثة المنورة

- ‌الشكل الأولقبر النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌الشكل الثانىقبر النبى صلى الله عليه وسلم/قبر عمر بن الخطاب رضى الله عنهقبر أبى بكر الصديق رضى الله عنه

- ‌الشكل الثالثقبر النبى صلى الله عليه وسلم/قبر أبى بكر الصديق رضى الله عنهقبر عمر بن الخطاب رضى الله عنه

- ‌الهيئة المرئية للقبور الثلاث المقدسة فوق الأرض:

- ‌شبكة قبر السعادة

- ‌رواية

- ‌الوجهة الثامنةوتحتوى على تسع صور وتشمل تفصيلاتعن علامات رأس النبى الشريف ومقام جبريل الأمين السامى

- ‌الصورة الأولىفى ذكر علامة الجهةالتى يوجد فيها رأس الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌إخطار

- ‌الصورة الثانيةترى وتعرف علامة جهة وجه النبى اللطيف

- ‌الصورة الثالثةفى تعريف مقام جبريل الأمين وتعيينه

- ‌الصورة الرابعةفرش حجرة السعادة وتعميرها وتجديدها

- ‌ذيل

- ‌حكاية

- ‌الصورة الخامسةفى تعريف ستارة الحجرة المعطرة

- ‌أصول تعليق ستارة قبر السعادة وتجديدها

- ‌الصورة السادسةفى تعريف صورة تخليق(1)حجرة السعادة

- ‌الصورة السابعةفى بيان وتعريف قناديل الحجرة الشريفة

- ‌غريبة

- ‌الصورة الثامنةفى تعريف الشبكة الشريفة التى تحيط بالحجرة المعطرة ودار فاطمة-رضى اللهعنها-السعيدة

- ‌ القصيدة

- ‌ القطعة

- ‌الصورة التاسعةفى ذكر قبة حجرة السعادة

- ‌الوجهة التاسعةوتحتوى على ثمانى صور

- ‌الصورة الأولىفى تعريف المصاحف الشريفة والأجزاء القرآنية اللطيفة وكتب الأدعيةالموجودة فى الخزينة النبوية

- ‌أجزاء القرآن الشريفة:

- ‌الدلائل(1)الشريفة

- ‌الصورة الثانيةفى تعريف وذكر وتفصيل جنس الأشياء النفيسة ومقدار الأشياء المحفوظة فىداخل حجرة السعادة المشحونة بالنور

- ‌عدد

- ‌الأشياء المتنوعة

- ‌عدد

- ‌عدد

- ‌عدد

- ‌الصورة الثالثةفى ذكر وبيان جنس ومقدار الأشياء التى تبرع بها والتى علقت فى داخلالحجرة المعطرة التى تعدل الجنة

- ‌الصورة الرابعةفى ذكر وتعريف أطقم البخور والسكات من الفضة والذهب والمحفوظة فىداخل الحجرة المعطرة والتى تخرج كلما اقتضت الحاجة إليها

- ‌الصورة الخامسةفى ذكر تفصيل الشمعدانات والأشياء الأخرى المحفوظة فى داخل حجرةالسعادة جنسها ومقدارها والتى تستخدم كلما دعت الحاجة إلى استعمالها

- ‌الصورة السادسةفى تعريف الأشياء الفضية النفيسة-جنسها ومقدارها-المحفوظة فى خزينةالحجرة المعطرة الجليلة

- ‌الصورة السابعةفى تعريف وتفصيل الستائر والأغطية التى تغطى أبواب حجرة السعادةوالمقامات المنيفة الأخرى مقدارها وأنواعها

- ‌الصورة الثامنةتبين وتعرض الشمعدانات والتعليقات والثريات

- ‌خلاصة

- ‌مسألة

- ‌إخطار

- ‌قطعة

الفصل: ‌الصورة الأولىفى ذكر أحوال المدينة الأولى وأطوار سكانها القدماء وأحوالهم

‌الصورة الأولى

فى ذكر أحوال المدينة الأولى وأطوار سكانها القدماء وأحوالهم

.

بما أن أحوال الأقوام التى سكنت أرض يثرب السعيدة قبل الطوفان وشأنهم مجهولة فى نظر التاريخ فالمؤرخون أخبروا فقط عن أحوال القبائل التى سكنت فى المدينة المنورة بعد الطوفان، تكاثر أحفاد حضرة نوح «عليه السلام» وانقسموا إلى اثنتين وسبعين فرقة وانسحبت كل فرقة إلى المكان الذى اختارته وهاجر شخص يسمى «يثرب بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام» أو «يثرب بن قائنة مهلائيل بن أدم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام» وعلى رواية «عملاق بن أرفخشذ بن سام» من الفرق التى تتحدث باللغة العربية مع أسرته إلى أرض يثرب وبعد أن ظل هناك فترة رحل إلى مكان يسمى «جحفة» من ملحقات المدينة المنورة.

كانت جحفة إلى ذلك الوقت مكانا لا اسم له، وعقب ورود يثرب بن عبيل فى ذلك المكان أخذت الأمطار تنزل بغزارة وظهر سيل كبير وأجحف بنى يثرب فقيل لذلك الموقع «جحفة» .

وأخبر المؤرخون أن هذه الهجرة تتزامن مع حكومة كنعان بن حام من نماردة بنى حام، إلا أن المرحوم منجم باشى

(1)

قد ذهب إلى أن الطوفان قد وقع فى سنة 679 وفى عهد إمارة فالغ بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح «عليه السلام» .

وبناء على تدقيقات المؤرخين الذين قبلوا الرواية الثالثة أى الذين رووا أن الهجرة إلى أرض يثرب قد حدثت أولا فى عهد عملاق بن أرفخشذ بن سام وعندما كثر أولاد وأحفاد عملاق بن أرفخشذ والذى كان يشتهر بضخامة جسمه،

(1)

أحمد بن لطف الله صاحب كتاب جامع الدول.

ص: 113

أظهر كل واحد منهم الكبر والغرور والنخوة وأخذوا يبنون منازل متينة هنا وهناك، فأوسعوا بلدة يثرب وعمروها، وحتى يزينوا أطرافها أخذوا يغرسون الأشجار حيثما وجدوا لذلك سبيلا ومنذ أن ظهر من بينهم رجال يعرفون فن الزراعة، استولوا بكتائبهم على بلاد الحجاز والشام وتوسعوا فى حدودهم فاستولوا على ممالك البحرين وعمان، مثيرين الفزع والدهشة.

وأخذوا يحكمون البلاد التى استولوا عليها وأهالى القرى والمدن بصورة وحشية وظالمة.

يروى المؤرخون عن العمالقة الذين اشتهروا بضخامة أجسامهم أنهم كانوا يعيشون ما يقرب من مائتى عام وأن الغزلان كانت تربى صغارها فى فتحات مآقيهم.

ووصل ظلم أحفاد عملاق بن أرفخشذ إلى أنهم حتى اشتهروا بين القبائل «بجبابرة العمالقة» وأضروا سكان البلاد التى حواليهم وأوقعوا فيهم الخسائر تحت سنابك خيولهم، وزاد جورهم وأذاهم تدريجيا حتى أن أطفالهم الذين يلوثون الوجود كانوا يشرعون فى البغى والشقاوة وهم مازالوا فى مهدهم.

واشتد عندئذ الكفر والشقاوة بين القبائل الوحشية التى تنتسب إلى جبابرة تسمى «سقل وفالح» والتى ظهرت حينئذ فأشعلت نيران الشر والقتال حتى أوشك الأهالى الضعاف على الفناء والاضمحلال من جراء الأعمال الدامية لهؤلاء، فأرسلوا الرسل إلى سيدنا داود-عليه سلام الله الودود-يستمدون منه العون فساق عليهم كتائب الصولة والقوة فقتل أكثر رجالهم وأعدمهم وأسر نساءهم وأطفالهم وكبلهم بالحديد.

واستطاع أن ينجو بعض هؤلاء من الأبطال الذين بعثهم سيدنا داود منسحبين إلى قمم الجبال إلا أنهم عادوا بعد فترة إلى ناحية «جرف» وأخذوا فى ارتكاب الشقاوة كما فى السابق ولكن لحكمة ما ظهرت فى رقابهم دودة أودت بهم إلى دار البوار ما عدا امرأة تسمى «زهرة» وهكذا أصبحوا غذاء للنمل والثعابين.

ص: 114

ويروون أن المقبرة التى تحت سفوح الجبل مقابر هؤلاء الأشقياء. و «زهرة» التى نجت رقبتها من الداهية الدهياء التى أصيب بها هؤلاء القوم تعرضت لمرض الدودة الذى تعرض له قومها وتلفت، وكان يتوطن على أرض يثرب شخص آخر بعد انقراض هؤلاء القوم، وكثر أولاد هذا الشخص وأحفاده وانتشروا فى البلاد المجاورة حتى استولوا على البلاد الحجازية كلها وحكموا إلى التاريخ الذى أغرق فيه كليم الله-عليه السلام-الفراعنة فى بحر القلزم ولما كان هؤلاء قد تجرءوا على إضرار أهالى الممالك المجاورة وإزعاجهم بإيقاع أنواع الظلم والدناءة عليهم وبما أن موسى-عليه السلام-كان مكلّفا بمهنة تأديب جبابرة الحجاز وتنكيلهم، بعد أن اضمحل جبابرة مصر والشام. أرسل إلى أرض يثرب بمقدار كاف من الجنود وأوصى قيادة تلك الحملة بتعليمات خاصة فى أن يقتلوا جميع الرجال والذكور الذين بلغوا سن البلوغ وسبى طوائف النساء والأطفال وأسرهم وبعد أن ودع هؤلاء الجنود انتقل إلى إقليم البقاء.

وقد وصل الجنود الذين أرسلهم سيدنا موسى بعد فترة إلى ساحة يثرب الفياضة وأشعلوا دائرة القتال.

وتغلبوا-بعون الله وعنايته-على مشركى العمالقة وبناء على التعليمات التى معهم كبلوا من استطاعوا أن يمسكوا بهم من الأطفال والنساء بالسلاسل جعلوا الذكور علفا لحد السيف.

وكان ضمن الأسرى ابن حاكم الحجاز أرقم بن أرقم ولما كان هذا فتى فى غاية الحسن والجمال قرروا أن يعرضوه إلى عتبة كليم الله.

وأخذوه حيا إلى الشام حتى يعملوا وفق رأى القضاء الذى سيصدر من قبل العتبة النبوية.

وعندما وصلوا إلى الشام مغادرين المدينة استقبلهم الأهالى بكل احترام وتوقير وبعد أن أخبروهم بموت موسى قالوا «يا غزاة الدين» !! إذا ما قلنا بأنا لم نرض ولم نسرّ من خدماتكم لا نكون قد كذبنا لأنكم قد أذنبتم بمخالفتكم أوامر الله

ص: 115

ورسوله وبتأخير قتل ابن الأرقم تحركتم خلاف إرادة الوحى النبوى، ومن هنا نخاف أن ندخل العصاة والمذنبين فى بلادنا! اذهبوا بعد الآن حيثما شئتم، ولما كانت البلاد الحجازية أفضل البلاد فمن رأينا أن تعودوا إلى أرض يثرب وأن تقضوا حياتكم هناك إلى آخر أعماركم وأن تستقروا هناك.

وأراد الجنود أن يقنعوا أهل الشام بعرض أفكارهم وقراراتهم بخصوص ابن أرقم ولكنهم لم يوفقوا واضطروا أن يعودوا إلى يثرب وبعد فترة وصلوا إلى موضع يقال له «زهرة» وبعد مرور زمن نزلوا فى المدينة المنورة ونصبوا خيامهم فى محل قريب من «زغابة»

(1)

.

وكان فى ضمن الجنود أبناء بنى قريظة و «إخوته» بنو هذال وعمرو وصريخ ونضير بن النّحام ثم الخزرج بن الصريخ الذين يرتبط نسبهم بسلسلة نسب هارون عليه السلام.

ونزل هؤلاء فى أعالى المواقع التى تطلق عليها «مذينب ومهزول» .

وفى حالة الأخذ بما ورد فى هذه الرواية فإن أقوام بنى إسرائيل الذين سكنوا أرض يثرب بعد العمالقة، لا مفر أن يكونوا هم الجنود الذين لم يقبلهم الشاميون بعد ارتحال موسى.

مع أن الرواية المنقولة عن سيدنا أبى هريرة تكذب هذا القول وتجرحه إذ تفضل المشار إليه قائلا: «إن علماء بنى إسرائيل كانوا قد رأوا فى صفحات التوراة أن «أمير الأصفياء» -عليه أجمل التحايا-رسولنا الكريم سينقل إلى قرية كثيرة النخيل وسيهاجر إليها وأن اسمها يثرب وإنهم فكروا فى أن يجدوا هذه القرية وقرروا الإقامة فيها إذ خرجوا بعد واقعة «بخت نصّر» من الشام وتجولوا فى المدن التى تقع بين الشام واليمن مدينة بعد مدينة ولما رأوا أن المدينة المنورة هى المدينة التى تقع بين أشجار النخيل وأن اسمها يثرب فبقوا فى البلدة الطيبة منتظرين وقت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بينهم عدة أشخاص من حفدة هارون-

(1)

زغابة موقع يقع بين حرة زهرة وسافلة ويسمى «القف» ويقال لهذا الموقع فى زماننا مجمع السيول.

ص: 116

عليه السلام-ولم يبلغ عمر هؤلاء العلماء إلى عصر السعادة واستدعوا أولادهم فى حالة احتضارهم وأوصوهم قائلين: إذا أدركتم زمن ظهور نبى آخر الزمان فأسرعوا بتصديق نبوته وابذلوا أرواحكم فى سبيله واخدموه بكل إخلاص ويا لشدة الأسف أن الذين أدركوا منهم عصر السعادة حسدوا الأنصار السابقين للتصديق وظلوا فى الشقاوة الأبدية.

والذين يريدون أن يطلعوا على تفصيلات هذه الأمور نرجوهم أن يراجعوا الصفحة الثالثة والثمانين من كتاب «محمود السير» الذى طبع ونشر سنة 1288.

وذهب بعض المؤرخين إلى أن وجود بنى إسرائيل فى مدينة يثرب قبل العمالقة، وقالوا إن كليم الله-على نبينا وعليه التسليم-مر بيثرب بعد الحج ورأى بعض العلماء الذين كانوا فى معيته السامية أن منظر أرض يثرب الطيبة يوافق أوصاف دار الهجرة التى ذكرت فى التوراة بمدينة المصطفى واستدلوا بهذا على أنها المدينة المقدسة وسكنوا فى مكان يسمى «بنى قينقاع» ومع مرور الزمن أدخلوا سكان القرى المتجاورة من طوائف العرب فى دين موسى وإن كان هذا المؤرخ أيد مدعاه بهذا المقال ولكن بناء على حكم ما نقله ابن أبى شيبة مرفوعا عن النبى صلى الله عليه وسلم يقتضى أن تكون إقامة طوائف العماليق فى المدينة المذكورة أقدم من بنى إسرائيل، لأن موسى-عليه السلام-حينما مر مع أخيه هارون بيثرب أقام فوق قمة جبل أحد حتى يأمنا هجمات العمالقة، وهذا الخبر السديد يؤيد الأقوال التى تحكى توطن طائفة العمالقة فى يثرب قبل بنى إسرائيل.

ص: 117