الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة الأولى
فى ذكر أحوال المدينة الأولى وأطوار سكانها القدماء وأحوالهم
.
بما أن أحوال الأقوام التى سكنت أرض يثرب السعيدة قبل الطوفان وشأنهم مجهولة فى نظر التاريخ فالمؤرخون أخبروا فقط عن أحوال القبائل التى سكنت فى المدينة المنورة بعد الطوفان، تكاثر أحفاد حضرة نوح «عليه السلام» وانقسموا إلى اثنتين وسبعين فرقة وانسحبت كل فرقة إلى المكان الذى اختارته وهاجر شخص يسمى «يثرب بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام» أو «يثرب بن قائنة مهلائيل بن أدم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام» وعلى رواية «عملاق بن أرفخشذ بن سام» من الفرق التى تتحدث باللغة العربية مع أسرته إلى أرض يثرب وبعد أن ظل هناك فترة رحل إلى مكان يسمى «جحفة» من ملحقات المدينة المنورة.
كانت جحفة إلى ذلك الوقت مكانا لا اسم له، وعقب ورود يثرب بن عبيل فى ذلك المكان أخذت الأمطار تنزل بغزارة وظهر سيل كبير وأجحف بنى يثرب فقيل لذلك الموقع «جحفة» .
وأخبر المؤرخون أن هذه الهجرة تتزامن مع حكومة كنعان بن حام من نماردة بنى حام، إلا أن المرحوم منجم باشى
(1)
قد ذهب إلى أن الطوفان قد وقع فى سنة 679 وفى عهد إمارة فالغ بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح «عليه السلام» .
وبناء على تدقيقات المؤرخين الذين قبلوا الرواية الثالثة أى الذين رووا أن الهجرة إلى أرض يثرب قد حدثت أولا فى عهد عملاق بن أرفخشذ بن سام وعندما كثر أولاد وأحفاد عملاق بن أرفخشذ والذى كان يشتهر بضخامة جسمه،
(1)
أحمد بن لطف الله صاحب كتاب جامع الدول.
أظهر كل واحد منهم الكبر والغرور والنخوة وأخذوا يبنون منازل متينة هنا وهناك، فأوسعوا بلدة يثرب وعمروها، وحتى يزينوا أطرافها أخذوا يغرسون الأشجار حيثما وجدوا لذلك سبيلا ومنذ أن ظهر من بينهم رجال يعرفون فن الزراعة، استولوا بكتائبهم على بلاد الحجاز والشام وتوسعوا فى حدودهم فاستولوا على ممالك البحرين وعمان، مثيرين الفزع والدهشة.
وأخذوا يحكمون البلاد التى استولوا عليها وأهالى القرى والمدن بصورة وحشية وظالمة.
يروى المؤرخون عن العمالقة الذين اشتهروا بضخامة أجسامهم أنهم كانوا يعيشون ما يقرب من مائتى عام وأن الغزلان كانت تربى صغارها فى فتحات مآقيهم.
ووصل ظلم أحفاد عملاق بن أرفخشذ إلى أنهم حتى اشتهروا بين القبائل «بجبابرة العمالقة» وأضروا سكان البلاد التى حواليهم وأوقعوا فيهم الخسائر تحت سنابك خيولهم، وزاد جورهم وأذاهم تدريجيا حتى أن أطفالهم الذين يلوثون الوجود كانوا يشرعون فى البغى والشقاوة وهم مازالوا فى مهدهم.
واشتد عندئذ الكفر والشقاوة بين القبائل الوحشية التى تنتسب إلى جبابرة تسمى «سقل وفالح» والتى ظهرت حينئذ فأشعلت نيران الشر والقتال حتى أوشك الأهالى الضعاف على الفناء والاضمحلال من جراء الأعمال الدامية لهؤلاء، فأرسلوا الرسل إلى سيدنا داود-عليه سلام الله الودود-يستمدون منه العون فساق عليهم كتائب الصولة والقوة فقتل أكثر رجالهم وأعدمهم وأسر نساءهم وأطفالهم وكبلهم بالحديد.
واستطاع أن ينجو بعض هؤلاء من الأبطال الذين بعثهم سيدنا داود منسحبين إلى قمم الجبال إلا أنهم عادوا بعد فترة إلى ناحية «جرف» وأخذوا فى ارتكاب الشقاوة كما فى السابق ولكن لحكمة ما ظهرت فى رقابهم دودة أودت بهم إلى دار البوار ما عدا امرأة تسمى «زهرة» وهكذا أصبحوا غذاء للنمل والثعابين.
ويروون أن المقبرة التى تحت سفوح الجبل مقابر هؤلاء الأشقياء. و «زهرة» التى نجت رقبتها من الداهية الدهياء التى أصيب بها هؤلاء القوم تعرضت لمرض الدودة الذى تعرض له قومها وتلفت، وكان يتوطن على أرض يثرب شخص آخر بعد انقراض هؤلاء القوم، وكثر أولاد هذا الشخص وأحفاده وانتشروا فى البلاد المجاورة حتى استولوا على البلاد الحجازية كلها وحكموا إلى التاريخ الذى أغرق فيه كليم الله-عليه السلام-الفراعنة فى بحر القلزم ولما كان هؤلاء قد تجرءوا على إضرار أهالى الممالك المجاورة وإزعاجهم بإيقاع أنواع الظلم والدناءة عليهم وبما أن موسى-عليه السلام-كان مكلّفا بمهنة تأديب جبابرة الحجاز وتنكيلهم، بعد أن اضمحل جبابرة مصر والشام. أرسل إلى أرض يثرب بمقدار كاف من الجنود وأوصى قيادة تلك الحملة بتعليمات خاصة فى أن يقتلوا جميع الرجال والذكور الذين بلغوا سن البلوغ وسبى طوائف النساء والأطفال وأسرهم وبعد أن ودع هؤلاء الجنود انتقل إلى إقليم البقاء.
وقد وصل الجنود الذين أرسلهم سيدنا موسى بعد فترة إلى ساحة يثرب الفياضة وأشعلوا دائرة القتال.
وتغلبوا-بعون الله وعنايته-على مشركى العمالقة وبناء على التعليمات التى معهم كبلوا من استطاعوا أن يمسكوا بهم من الأطفال والنساء بالسلاسل جعلوا الذكور علفا لحد السيف.
وكان ضمن الأسرى ابن حاكم الحجاز أرقم بن أرقم ولما كان هذا فتى فى غاية الحسن والجمال قرروا أن يعرضوه إلى عتبة كليم الله.
وأخذوه حيا إلى الشام حتى يعملوا وفق رأى القضاء الذى سيصدر من قبل العتبة النبوية.
وعندما وصلوا إلى الشام مغادرين المدينة استقبلهم الأهالى بكل احترام وتوقير وبعد أن أخبروهم بموت موسى قالوا «يا غزاة الدين» !! إذا ما قلنا بأنا لم نرض ولم نسرّ من خدماتكم لا نكون قد كذبنا لأنكم قد أذنبتم بمخالفتكم أوامر الله
ورسوله وبتأخير قتل ابن الأرقم تحركتم خلاف إرادة الوحى النبوى، ومن هنا نخاف أن ندخل العصاة والمذنبين فى بلادنا! اذهبوا بعد الآن حيثما شئتم، ولما كانت البلاد الحجازية أفضل البلاد فمن رأينا أن تعودوا إلى أرض يثرب وأن تقضوا حياتكم هناك إلى آخر أعماركم وأن تستقروا هناك.
وأراد الجنود أن يقنعوا أهل الشام بعرض أفكارهم وقراراتهم بخصوص ابن أرقم ولكنهم لم يوفقوا واضطروا أن يعودوا إلى يثرب وبعد فترة وصلوا إلى موضع يقال له «زهرة» وبعد مرور زمن نزلوا فى المدينة المنورة ونصبوا خيامهم فى محل قريب من «زغابة»
(1)
.
وكان فى ضمن الجنود أبناء بنى قريظة و «إخوته» بنو هذال وعمرو وصريخ ونضير بن النّحام ثم الخزرج بن الصريخ الذين يرتبط نسبهم بسلسلة نسب هارون عليه السلام.
ونزل هؤلاء فى أعالى المواقع التى تطلق عليها «مذينب ومهزول» .
وفى حالة الأخذ بما ورد فى هذه الرواية فإن أقوام بنى إسرائيل الذين سكنوا أرض يثرب بعد العمالقة، لا مفر أن يكونوا هم الجنود الذين لم يقبلهم الشاميون بعد ارتحال موسى.
مع أن الرواية المنقولة عن سيدنا أبى هريرة تكذب هذا القول وتجرحه إذ تفضل المشار إليه قائلا: «إن علماء بنى إسرائيل كانوا قد رأوا فى صفحات التوراة أن «أمير الأصفياء» -عليه أجمل التحايا-رسولنا الكريم سينقل إلى قرية كثيرة النخيل وسيهاجر إليها وأن اسمها يثرب وإنهم فكروا فى أن يجدوا هذه القرية وقرروا الإقامة فيها إذ خرجوا بعد واقعة «بخت نصّر» من الشام وتجولوا فى المدن التى تقع بين الشام واليمن مدينة بعد مدينة ولما رأوا أن المدينة المنورة هى المدينة التى تقع بين أشجار النخيل وأن اسمها يثرب فبقوا فى البلدة الطيبة منتظرين وقت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بينهم عدة أشخاص من حفدة هارون-
(1)
زغابة موقع يقع بين حرة زهرة وسافلة ويسمى «القف» ويقال لهذا الموقع فى زماننا مجمع السيول.
عليه السلام-ولم يبلغ عمر هؤلاء العلماء إلى عصر السعادة واستدعوا أولادهم فى حالة احتضارهم وأوصوهم قائلين: إذا أدركتم زمن ظهور نبى آخر الزمان فأسرعوا بتصديق نبوته وابذلوا أرواحكم فى سبيله واخدموه بكل إخلاص ويا لشدة الأسف أن الذين أدركوا منهم عصر السعادة حسدوا الأنصار السابقين للتصديق وظلوا فى الشقاوة الأبدية.
والذين يريدون أن يطلعوا على تفصيلات هذه الأمور نرجوهم أن يراجعوا الصفحة الثالثة والثمانين من كتاب «محمود السير» الذى طبع ونشر سنة 1288.
وذهب بعض المؤرخين إلى أن وجود بنى إسرائيل فى مدينة يثرب قبل العمالقة، وقالوا إن كليم الله-على نبينا وعليه التسليم-مر بيثرب بعد الحج ورأى بعض العلماء الذين كانوا فى معيته السامية أن منظر أرض يثرب الطيبة يوافق أوصاف دار الهجرة التى ذكرت فى التوراة بمدينة المصطفى واستدلوا بهذا على أنها المدينة المقدسة وسكنوا فى مكان يسمى «بنى قينقاع» ومع مرور الزمن أدخلوا سكان القرى المتجاورة من طوائف العرب فى دين موسى وإن كان هذا المؤرخ أيد مدعاه بهذا المقال ولكن بناء على حكم ما نقله ابن أبى شيبة مرفوعا عن النبى صلى الله عليه وسلم يقتضى أن تكون إقامة طوائف العماليق فى المدينة المذكورة أقدم من بنى إسرائيل، لأن موسى-عليه السلام-حينما مر مع أخيه هارون بيثرب أقام فوق قمة جبل أحد حتى يأمنا هجمات العمالقة، وهذا الخبر السديد يؤيد الأقوال التى تحكى توطن طائفة العمالقة فى يثرب قبل بنى إسرائيل.