الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة الثانية
فى ذكر الروايات التى نقلت من الآثار الموثوقة والأخبار الصحيحة فى فضل
ورجحان المدينة المنورة على سائر الممالك
.
لا يخفى على أهل الرأى المخلصين أن التراب الطاهر الذى التصق بجسم نافع الكونين المحمدى فى المدينة المنورة أفضل من جميع بقاع الأرض وحتى من البيت الأعظم والعرش المعظم، ولأجل ذلك يفضل العلماء الأجلاء المضجع الجليل المقدس على السماء التى تفوق الأرض فى الأفضلية والرجحان.
وإن كان لا يشك فى أفضلية مكة المكرمة والمدينة المنورة على البلاد الأخرى ورجحانهما، إلا أن المسألة الأصلية فى رجحان أحدهما على الأخرى وترجيحها.
بعد أن اختلف علماء الأسلاف فى هذه المسألة كثيرا رأى عمر بن الخطاب وكثير من الذوات المحترمين من الأصحاب الكرام وعلماء البلدة المقدسة الطيبة تفضيل المدينة المنورة على مدينة مكة المعظمة وقال الإمام أحمد إن هذا الاختلاف فى الأماكن الأخرى من مكة المكرمة، لأن البقعة المحترمة (كعبة الله) أفضل من مرقد رسول الله.
وبهذا الحكم فضلت مكة المكرمة على المدينة المنورة، قد رأى الإمام مالك صواب القول الأول وقال إن المدينة أفضل من مكة المكرمة لأن التراب الذى يلتصق بجسم صاحب الرسالة محمد صلى الله عليه وسلم أشرف وأجل من رجحان جميع بقاع الأرض المنيرة، والفقرة الثانية من ادعائه أى أن التراب العاطر الذى يلتصق بجسم المصطفى صلى الله عليه وسلم مفضل على جميع البقاع الأرضية قد صدقت من قبل جميع الأئمة.
إن البلدة المقدسة البطحاء قد اكتسبت شرفا سابقا بالاستناد إلى حضرة إبراهيم
وابنه إسماعيل-عليهما صلوات الله-إلا أن مجاورة حافظة الجواهر والبر والفضل-عليه التحية-بالغدو والآصال عندما أسندت إليه الرسالة أضافت علوا وشرفا لهذه البلدة وإن كان هذا لا يقبل الإنكار إلا أن شرف مجاورة النبى صلى الله عليه وسلم قد زال بعد الهجرة، واكتسبت المدينة المنورة بالهجرة مزية حقيقية فوق العادة.
وإذا قيل، لماذا لم تنل الأشياء الأخرى التى جاورت النبى صلى الله عليه وسلم هذا الشرف ولعل الأفضلية ليست وقفا على الملاصقة بل إن هذه الأرض التى دفن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أصبحت جزءا من جسم الرسول ولأجل ذلك كسبت المدينة المنورة أفضلية ورجحانا على الأماكن الأخرى لأن الملك الموكل بعجن طينة الإنسان قد قسمها إلى ثلاثة أقسام فيضع أحدها فى رحم الأم عند سقوط النطفة ويضع الثانى فى الأراضى الخصبة التى سيعيش عليها فى حياته، ويلقى بالقسم الثالث فى المكان الذى سيدفن فيه، ومادام التراب الذى التصق بأعضاء النبى المكرم قد كان جزءا انفصل من جسمه فمرقد صاحب الرسالة المؤيد بالفيض النبوى، يرجح قطعا من حيث الشرف على مكة المكرمة. وهذا هو سر رجحان تراب المدينة المنورة العاطر الذى التصق بالجسم النبوى الميمون، من المدينة التى دفنت فيها الرحمة، وحكمة هذه الأفضلية ترجع إلى أن أجر ومثوبات الأعمال الصالحة فى إحداهما أكثر من الأخرى.
وقال الرواة الذين أيدوا الإمام مالك فى رجحان المدينة المنورة على مكة المكرمة فى ضمن إثبات مدعاه-قال مؤلف كتاب الوفاء-نقلا عن كعب الأحبار عندما أراد الله القادر المطلق أن يخلق ويوجد نور صاحب الرسالة الأقدس أمر جبريل الأمين أن يجهز ويهيئ العنصر المحمدى اللطيف-عليه أفضل التحية- وجد جبريل الأمين قبضة من التراب الأبيض وأحضره، ولما كان هذا التراب الطاهر موقع مرقد سيد البشر خمر وعجن جبريل ذلك التراب بماء الجنة الزلال وعرف أنه عنصر محبوب الله-عليه أجمل التحايا-وامتلأ عجبا إذ تأمل أهمية قدره وجلالة وعظمة وفضل جوهره، ولم يكن سكان عالم السماء حتى ذلك الوقت قد سمعوا حتى اسم أبى البشر-عليه سلام الله الأكبر.
وقال ابن جرير ونقل فى إثبات مدعاه أن كل شخص يدفن فى المكان الذى خلق منه وذلك من مقتضى الحكم الإلهى. ما قاله ابن سيرين إننى إذا أقسمت أن الله-سبحانه وتعالى-قد خلق النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر من نوع من تراب ثم ردهم إلى نفس التراب أكون قد أقسمت يمينا صادقا.
ونقل ما قاله ابن عباس آتيا بالحديث الشريف إن الطين العطر النبوى من تراب الكعبة المعظمة التى تمثل سرة الأرض. وقال العلماء الكرام إن الله-سبحانه وتعالى-عندما خاطب السماوات والأرض. {اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} (فصلت 11).
فأول من لبى الخطاب الإلهى من الأرض أرض موقع الأنور الكعبة ومن السماء المكان الذى يحاذى البيت الأكرم ومع ذلك فإن التراب المطهر الذى استجاب من موقع الكعبة المعظمة كان التراب الذى اختلط بالعنصر النبوى وبالمادة اللطيفة المصطفوية، ثم انفصل عن أرض الغبراء المبسوطة من تراب الكعبة المكرمة ثم بسط وفرش وعلى هذه الرواية يقتضى الأمر أن يدفن ماء وطين- عليه سلام الله المعين-فى داخل الكعبة ودفنه فى تراب المدينة المنورة العاطرة أى دفن صاحب الرسالة فى مكان بعيد عن مكة المعظمة وإفراده يظهر عظمته وفضله وأنه متبوع وليس بتابع.
عندما تموجت مياه طوفان نوح وهاجت المياه فوق ذروة الكعبة فصلت الطينة الطاهرة النبوية ونقلت إلى المكان الذى يرقد فيه سيد الأنام الآن وهكذا ثبت أن المرقد المقدس للنبى صلى الله عليه وسلم جزء من جسم النبى اللطيف، لأجل ذلك دفن فى هذا المكان فأصبح محل راحته مضجعه الأقدس الذى كان أصل طينته الطيبة.
ويثبت هذا المدعى ما يروى أن حضرة سليمان-على نبينا وعليه السلام- حينما مر من أرض يثرب محل مرقد السعادة قال إنه سيكون هنا مدفن ملك يثرب وبطحاء-عليه أفضل التحايا-وقد ترك ما يقرب من أربعمائة حبر من أحبار اليهود آراءا قوية فى هذا الخصوص.
وإن كان يلزم أن يتساوى فضل ومزية الحرمين من حيث مبدأ الخلقة إلا أن
فصل أمواج الطوفان المادة النبوية اللطيفة من بطن الكعبة وحملها إلى مضجع السعادة القدسية، وبهذا الفضل والمزية رجحت المدينة المنورة من حيث جيرتها لمرقد السعادة الذى يحتوى على الجسم اللطيف النبوى يقتضى تفضيلها على مكة المعظمة.
عندما توفى صاحب المقام المحمود-عليه سلام الله الودود-اختلف العلماء فى المكان الذى يلزم دفنه فيه-عليه السلام-عندئذ قال سيدنا على «إن المكان الذى قبضت فيه نفس الرسول النفيسة أجمل وأفضل من جميع الأماكن التى على وجه الدنيا» وكان أبو بكر الصديق فى هذا المجلس وقال «سمعت من فم سيد الأخيار نفسه» أن الأنبياء يدفنون فى المكان الذى يقبضون فيه» وقد وافقت آراء الأصحاب الكرام رأى المشار إليهما ومن هنا قرروا دفنه فى منزله اللطيف، إن سبب تأكد العلماء الكرام وجرأتهم على تفضيل المدينة المنورة على مكة المكرمة هو وقوفهم على هذا السر الجليل.
وإنه لا شك فى أن المحل الذى أحبه النبى صلى الله عليه وسلم سيكون أحب عند الله عن سائر الأماكن. ألا يرجح المحل الذى أحبه الله سبحانه وتعالى واختاره النبى صلى الله عليه وسلم على المكان الآخر؟ وفى هذه الحالة ألا يرجح مضجع السعادة المنيف على الكعبة المعظمة؟
قد دعا فخر الكونين-عليه أكمل التحايا-حينما كان يغادر مكة «يا إلهى مادمت أخرجتنى من مكان أحبه فأسكنى فى مكان تحبه!!» وإذا ما نظر إلى اتخاذ أرض يثرب بعد هذا الدعاء دار الهجرة النبوية بعد أن دعا قائلا «يا رب أسكنى فى بلاد تحبها» واختياره الإقامة لآخر عمره فى مدينة طيبة الشهيرة يظهر من هذا أن المدينة المنورة أحب إلى الله من البلاد الأخرى.
إنها تلك البلدة المقدسة قد هاجر إليها خلاصة الماء والتراب-عليه سلام الله خالق الأفلاك-وارتحل عن دنيانا فى هذه البلدة كما حرص أصحابه الكرام على الإقامة فيها، هل ينكر بعد كل هذا مزية رجحان هذه البلدة وأفضليتها على البلاد الأخرى؟
وقد رجح بعض العلماء مكة المكرمة على المدينة المنورة مستدلين بالأحاديث «إن مكة أحب بلاد الله إلى الله» و «إن مكة خير بلاد الله» ،وإن كان الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعى رأيا هذا الرأى وصدقا العلماء المشار إليهم إلا أن هذين الحديثين قد صدرا قبل أفضلية مكة المكرمة-عند سائر الأئمة-طالما كان صاحب المعجزات مقيما فى مكة المكرمة، وقالوا إن رجحان المدينة دار السكينة بعد الهجرة وفضلها قد ثبتا بعد الهجرة.
وإن كان ثبت تضاعف الأجر والمثوبة فى مكة المكرمة إلا أن هذا الأمر لا يقتضى أفضليتها، فمثلا يلزم للذين يذهبون إلى عرفات أن يصلوا خمس أوقات فى منى، ومع هذا فإن مكة المكرمة أكثر ثوابا وأجرا من الصلوات التى تؤدى فى منى وهذا الأمر محقق ومصدق لدى العلماء. ولأجل ذلك قال ابن عمر، إن تضاعف الثواب والأجر فى مكة ثابت ومع ذلك لا ترجح على المدينة دار السكينة وهكذا بين أن تضاعف الثواب لا يقتضى الأفضلية والرجحان وأن المفضول قد يرجح على الفاضل أحيانا.
وبناء على هذا الفهم الدقيق أجاب الإمام مالك على سؤال: أى الحرمين أولى بالمجاورة فى رأيك؟ فقال لهم بناء على رأيى إن المجاورة فى المدينة الطاهرة أولى من المجاورة فى مكة المقدسة وأوجب.
كيف لا تكون دار الهجرة المحترمة أفضل من مكة المكرمة وكيف لا تكون المجاورة فى تلك البلدة أحب وأجمل؟ وقد مر الجالس على سرير الأمراء المصطفى-عليه أكمل التحية-بكل شوارع تلك البلد. المباركة ذهابا وإيابا، بما أن جبريل الأمين نزل فى أكثر بقاعها باسطا أجنحته وأوصل الوحى الجليل ومن هنا قال الواقف على خفايا الحكمة-عليه بدائع التحية-المدينة خير من مكة والمدينة أفضل من مكة، وقد أخبر بهذا الحديث الصحيح عن لزوم تفضيل المدينة المنورة على مكة المعظمة نورها الله تعالى إلى يوم الآخرة.