الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشأن فالذين ينالون هذه السعادة من الأمور الطبيعية بالنسبة لهم أن يقوموا بأعمالهم بالوجد والحب والحرص الشديد على أداء أعمالهم على خير وجه؛ لذا يجتمع الفراشون بمسجد السعادة والآخرون من المخلصين والمحبين بعد أداء الصلوات المكتوبة كل صباح أمام مخزن الزيت
(1)
الكائن فى نهاية مسجد السعادة فيدعون حسب العادة.
وبعد إتمام الدعاء يذهبون فى تؤدة إلى الروضة المعطرة وهم يصلون ويسلمون وقد أخذ كل خادم إناء نحاسيا صغيرا ودستة من فتيل مزيت وبعد أن يعطوا لأربعة منهم إبريقا مزينا مملوءا بزيت الزيتون.
ولما كان فى أيادى أغوات الحراسة الذين يسيرون أمام الفراشين عصيان ذات كلاليب فكل واحد منهم ينزل القناديل الخاصة به وبعد أن يغير
(2)
الفراشون الذين بجانبهم فتائلها يعلقونها فى أماكنها، ثم يصلون صلاة الإشراق ويعودون إلى أماكنهم. وبعد أن ينتهى الفراشون من مسح القناديل وتغيير فتائلها والكناسون من كنس الحرم الشريف ينادى أحد الخدم الذين اجتمعوا أمام الباب الشامى «يا كناس» وكأنه يريد أن يبين لزملائه أن وقت كنس الحجرة المعطرة قد حان، ويسرع الكناسون للاجتماع أمام الباب الشامى من الحجرة المعطرة ويدخلون فى الحجرة المنيفة ويكنسونها وهم يوحدون ويهللون ثم يخرجون.
تأديب الأغوات المتهمين:
من مقتضيات الأصول المرعية أن يقف الأغوات كلهم من خبزيين والعجمى حسب رتبهم مصطفين بعد الانتهاء من خدماتهم فى تنظيف الحجرة اللطيفة والمسجد الشريف، كما سبق تحريره، وذلك لتأديب الأغوات المتهمين. ويأتى الأغا الذى كانت عليه نوبة الحراسة بالمتهمين فى الميدان وينسحب إلى مكانه وعندئذ يتقدم أحد ضباط الأغوات عدة خطوات ويقدم للمتهم بعض النصائح ثم يأمر بإحضار العصا كما أن استجواب المتهمين ومحاكمتهم يتمان فى مكان آخر
(1)
يقال لهذه الخزانة «خزانة التعمير» أيضا.
(2)
إن سرعة إنزال القناديل وتعليقها مرة أخرى مهارة خاصة بخدمة الحجرة المعطرة.
وعند ثبوت التهمة يتم إحضار المتهم وضربه من مقتضيات القانون القديم الخاص بالأغوات.
ولما يؤتى بالعصى يدخل المتهم بواسطة اثنين من الأغوات إلى خزانة الشموع التى تقع أمام الحجرة الشريفة وتدخل رجلاه فى الفلقة
(1)
ويؤخذ فى ضرب المتهم على رجليه والجهر بكلمة الشهادة عند الضرب بينما يقف الأغوات الآخرون خارج باب خزانة الشموع فى حالة انتباه.
ويأخذ المتهم الذى أدرجت رجلاه فى الفلقة فى الصياح والاستغاثة، وإذا وجد من يشفع له يخلى سبيله وإذا لم يوجد من يشفع يضرب إلى أن يقول «الفاتحة» ويغلق باب خزانة الشموع بعد الفاتحة، ويجلس الأغوات الذين عليهم نوبة الحراسة فوق صفة أصحاب الصفة متجهين إلى القبلة بينما يذهب الذين أنهوا نوبة حراستهم إلى تناول الطعام بعد أن يمسحوا ظهرهم على العمود الذى يقع فى الجهة اليمنى لمحراب التهجد وتقبيل أيادى الحراس السابقين.
تأسف: يجهل التاريخ وقت اختراع بدعة ضرب الأغوات وتأديبهم فى داخل مسجد السعادة ولما أصبح هذا النظام فى حكم القانون ولم تفترضه أية جهة فمثل هذا العمل يعد بدعة، خارجا عن دائرة الأدب، ومخالفا لأحكام الشريعة؛ فقد أحضروا للفاروق الأعظم فتى يستحق الضرب والتأديب، ولما كان عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-فى داخل المسجد أمر بأن يخرج المتهم خارج المسجد حيث يضرب ويؤدب، أما فى زماننا فإن الأمر تجاوز حد ضرب وتربية الأغوات بعضهم بعضا إلى ضرب شيوخ الخدمة وتأديب أى واحد منهم ارتكب هفوة حتى ولو كان أمام قبر الرسول دون خجل واستحياء، فيصرخ المضروبون ويولولون دون أن يراعوا الأدب فى المكان المقدس. وللأسف الشديد فإن السلوك الذى نهى عنه حضرة الفاروق قد أصبح بدعة مستحسنة بل أخذ حكم الطاعة والعبادة.
ذيل: سألت أحد أهالى المدينة الكرام قائلا: «إن الضرب فى داخل الحرم
(1)
الفلقه: عود يتصل به حبلان كانت تمسك بهما القدمان عند الضرب.
الشريف يخالف الآداب السلوكية يا ترى ضرب الأغوات-كما سبق ذكره-يستند إلى دليل موثوق؟
«فأجابنى ذلك الرجل على هذا الوجه: «فى الواقع ضرب الإنسان فى داخل مسجد النبى سوء أدب! ولكن لضرب الأغوات وتأديبهم فى داخل المسجد فائدتان:
1 -
الفائدة الأولى: إنقاذ واحد من جماعات المسلمين-من الزوار، أو المجاورين-المتهم من الضرب. إذا جاء وقبل يد الضارب يجب أن تقبل شفاعة هذا الرجل ورجاؤه وإن كان رجلا قليل الشأن ويعفى عن المتهم.
2 -
الفائدة الثانية: أن يضرب المتهم فى داخل الأصناف فإذا ما ضرب المتهم خارج المسجد وفى مكان خفى فإن الأغوات قد يضربونه إلى أن يموت لما فطروا عليه من الرعونة والشدة! وإذا قال المتهم تحت الضرب وإننى لم أرتكب هذا الذنب، فإنكم تضربونى بدون وجه حق أو يخرج من فمه-كثيرا-ألفاظا مخلة بالآداب فيستمرون فى ضربه قائلين:«إنك تعصى من هو أعلى منك رتبة» .
قد شوهد تكرار الضرب حتى فى داخل المسجد عدة مرات!! وذات يوم قال شيخ الحرم شوكت باشا: «إن ضرب إنسان فى داخل مسجد السعادة مخل بالآداب. وبعد هذا اليوم فليبلغ عن كل من يرتكب جرما من قبل ضابطه ثم تشكل هيئة من ضباط الأغوات لاستجواب المتهم ثم يسجن ويؤدب ويضرب فى مكان مناسب» .
وألغيت عادة تأديب المتهمين بهذا الشكل داخل مسجد السعادة. وأراد ضباط الأغوات أن يبينوا خطأ رأى شوكت باشا وردهم لهذه الفكرة فقالوا: «إن زمرة الأغوات تتكون من طائفة العجمى فإذا ما ترك هؤلاء أحرارا يضلون كما يشاءون فيصعب الحفاظ على مسجد السعادة ولا سيما الحجرة المعطرة، فتقع الأمانات والأشياء النفيسة المباركة فى يد السفلة. ومن هنا يقتضى الأمر تربية هؤلاء ولا بد لهم أن يحترزوا من رؤسائهم» إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا شوكت باشا برأيهم. ولما أصبح عادل باشا شيخا للحرم، كرر الأغوات مطالبهم السابقة
ورجوا منه أن يسمح لهم بإجراء أحكام عاداتهم السابقة وأصروا عليه. فقال لهم عادل باشا موافقا: «اعملوا وتصرفوا وفق عاداتكم القديمة» والآن يتصرفون كما كانوا يتصرفون من قبل.
وعندما يقترب المساء وقبل حلول وقت صلاة المغرب بعشر دقائق يشير الموقدون إلى الفراش الذى عين لإيقاد الشموع والذى ينتظر تحت محفل المؤذنين فيعلن هذا الفراش بصوت مرتفع حلول الوقت قائلا: «بسم الله» وعندئذ يجتمع الخدمة كلهم وقد سمعوا الصوت عند شيخ الحرم النبوى ويقفون أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيرفع شيخ الحرم يده داعيا وفقا للأصول ويخرج من خزانة الشموع الشمعدانين الذهبيين فيعطى أحدهما لشيخ الحرم والآخر لنائب الحرم فيدخلان إلى حجرة السعادة، ويسيران فى داخل الحجرة المعطرة بكل أدب وتعظيم ويضع شيخ الحرم أحد الشمعدانين ناحية رأس النبى صلى الله عليه وسلم والآخر ناحية قدميه، وبعد أن يتمسحا بقبة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يخرجان. ثم يدخل شيخ الحرم إلى الحجرة الشريفة مرة أخرى بعد أن يعطى لشيخين شمعتين مدببتين لإيقاد قناديل الحجرة وإناء مدببا من النحاس
(1)
لكل واحد منهما.
ومن القوانين القديمة ومقتضياتها أن من يضع الشمعدان الذى يوضع بجانب رأس النبى صلى الله عليه وسلم هو شيخ الحرم وأن يدخله بذاته، كما أن الشمعدان الذى يوقد بجانب قدمى النبى صلى الله عليه وسلم يدخل من قبل نائب الحرم ويخرج كذلك. كما أن القوانين المرعية أن يحمل خازن خزانة الحرم فى أثناء ذلك مبخرة وينهمك شيخ الفراشين بالدعاء؛ إلا أن نقل المبخرة الذى يستوجب الفخر وإن كان خاصا بالخازن قد شوهد أحيانا قاضى المدينة المنورة ومدير الحرم السعيد قد حملاها متناوبين.
بعد أن يؤدى شيخ الحرم ونائب الحرم مهمتهما مصلين مسلمين يعودان متقهقرين أحدهما من يمين القبر والآخر من يساره، وبما أن الأشخاص المكلفين بإيقاد القناديل يؤدون مهمتهم ومعهم المشار إليهما، يؤذّن بعد ذلك وينصرف كل واحد إلى جهة لأداء الصلاة.
(1)
تهدى هذه الأوانى من قبل أصحاب الخيرات.