الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصيحة
كان الذهاب إلى الحج بحرا قبل خمس سنوات أو عشر أهون من حيث النفقات وأدعى للراحة البدنية، ولكن منذ ثلاث أو خمس سنوات تغير الحال فالعودة بحرا أصبحت أمرا مضرا ومهلكا لأن المشكلات التى يتعرض لها الذاهبون والآيبون بحرا فى مواقع الحجر الصحى زادت من النفقات بالإضافة إلى ضياع الوقت كما تتسبب فى التعب الجسمانى، فالحاج الذى يريد أن يعود بحرا فى حاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر وإلى نفقات من خسمين أو ستين قطعة ذهبية من ذات المائة، فضلا عن تخمين ما سيتعرض له من المحن والمشاق.
حتى لا يتعرض الحاج لكل هذه المصاعب والمتاعب منفقا نفقات زائدة يجب عليه أن يذهب إلى أداء الحج بحرا والعودة برا حتى لا يظل مدة طويلة فى الطريق كما أن الحجاج العائدين عن طريق البر لا يتعرضون لمشاق كثيرة ولا يتأخرون فى الطريق وبهذا ينالون شرف زيارة الآثار واجبة الزيارة.
وليس بقليل ما تتعرض له قوافل الزوار والتجار من مشاق عندما يذهبون من ينبع البحر إلى المدينة ومن المدينة إلى ينبع البحر، وكانت هذه القوافل قبل أربعمائة عام تذهب وتجئ عن طريق «ميناء الجار» ولا يقعون فى مخالب أشقياء العربان، ولكن لشدة الأسف استطاع العربان الذين يسكنون بجوار ينبع البحر أن يتغلبوا على العربان الذين يسكنون بجوار «ميناء الجار» .
ووفقوا فى جعل ميناءهم ممر القوافل، ولكن إن كان الذهاب إلى المدينة من ميناء «الجار» يستغرق أربعة أيام فالذهاب من ميناء «ينبع» يستغرق خمسة أيام، فضلا على ذلك ما يتعرض له المسافرون من متاعب ومخاوف، فالعربان الذين يسكنون فى ناحية «الجار» ليسوا من أهل الجفاء مثل عربان نواحى ينبع بل هم فى غاية الأنس والقناعة، وإذا أرست السفن مراسيها كما فى السابق فى ميناء الجار وانتقلت القوافل فى ذهابها وإيابها عن طريق منياء الجار، تكون قد نجت
من شرور عربان ينبع كما أنها قللت من النفقات، ويتوقف تحويل الطريق إلى ميناء «الجار» على إقامة عدة دكاكين وبعض المخازن ومواقع حراسة قوية وتأسيسها.
ولما كان ميناء «الجار» شبه جزيرة يستوعب كثيرا من السفن كان فى البداية ميناء مأمونا للفلائك التى ترد من ديار مصر والحبشة، لأنه يقع فى مكان مأمون من المخاطر وهو أقرب الموانى إلى المدينة المنورة.
قد ثبتت زيارة القبر النبوى بإجماع الأمة وذلك بالأدلة التى أتى بها مؤلف «الشفاء الشريف» القاضى عياض والإمام النووى ومن أجل فقهاء الحنفية ابن الهمام-عليهم الرحمة والسلام-حتى اقتنع بعض النحارير الأكابر بوجوب زيارته، زيارة القبور سنة بإرادة صاحب الشريعة «عليه أكمل التحية» ولما كان قبر السعادة سيد القبور كما هو معروف وثابت فزيارته تكون قد ثبتت بالإجماع، وإن كانت زيارة الرسول المشفق على أمته «عليه أعظم التحية» لأصحاب البقيع وشهداء أحد تومئ بأن زيارة القبور منحصرة للرجال إلا أن الآية الجليلة الآتية آمرة بزيارة قبر السعادة {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً} (النساء:64).
وبما أن هذه الآية الكريمة تشمل النساء أيضا ويستثنى فى هذه المسألة زيارة قبر الرسول الجليل؛ لذا يستحب العلماء الأعلام قراءة هذه الآية الكريمة عند زيارة القبر المصطفوى التى تستلزم المغفرة.
شد الرحال من قريب أو بعيد إلى المدينة المنورة بقصد زيارة مرقد السعادة خالصا لوجه الله، قد أكد بأحاديث «من زار قبرى» و «من جاءنى زائرا» لذا فزيارة القبور من جملة القربات وهذا برئ من الشبهات والزيارة وسيلة للقربة إذ ثبتت زيارة الرسول لشهداء أحد وهو مسافر من المدينة بالأقوال الصحيحة، وبناء على ذلك فمن يخرج إلى المدينة بأمل زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بنية خالصة، قد اتفق علماء الأسلاف أو مدققو الأخلاف على أن هذا العمل إحدى وسائل القربات إلى الله.
ولما كان الحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»
(1)
،دليلا كافيا على أن الذهاب إلى المدينة لزيارة مرقد الرسول وسيلة للقربات فإن الذين لا يعرضون سلامهم وصلاتهم على محبوب الله سبحانه وتعالى يكونون قد تركوا الأفضل ويستحقون الملامة وجديرون بالهجاء والمذمة لتركهم الواجب.
هناك اختلاف أيضا فى تعيين سبب شد الرحال لغير تلك المساجد المذكورة، قال بعض أئمة الرجال إن شد الرحال لزيارة غير هذه المساجد الثلاثة حرام، وقال بعضهم «إذا كانت الزيارة عن طريق النذر فهى حلال، ويقتضى النظر فى هذا الخصوص إلى نية المتعازم للسفر إذا كان القصد من شد الرحال أداء صلة الرحم أو الدين أو الأمور الخيرية جائز بل واجب، أما إذا لم يكن من الأمور الخيرية فحرام قطعيا
(2)
.
كان الحسن بن على «رضى الله عنهما» ينهى من يشاهده من الزوار بالقرب من قبر الرسول أن يقتربوا أكثر من ذلك، وكان الإمام زين العابدين يحذر من التقرب لقبر الرسول ذاكرا الحديث الذى يقول «لا تجعلوا قبرى عيدا ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنت»
(3)
(حديث شريف).
هذه الأقوال تحمل على عدم تجاوز حد الاعتدال، حتى أن الإمام مالك كان يكره الجلوس كثيرا بجانب مرقد السعادة، وكان الإمام زين العابدين فى أثناء زيارته لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم يقف بجانب العمود الذى يتصل بالروضة المطهرة ويصلى ويسلم وكأنه يومئ بأن المحل المذكور هو الجهة التى فيها رأس النبى الشريف، وكانت حجرات زوجات النبى المطهرات، قبل إلحاقها بالمسجد النبوى موقف زيارة
(1)
ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد 3/ 4،وعزاه لأحمد والبزار والطبرانى فى الكبير والأوسط من حديث ابى هريرة ورجال أحمد ثقات أثبات وكذلك روى من حديث أبى سعيد الخدرى، ومن حديث على، وابن عمر، وأبى الجعد الضمرى.
(2)
انظر فى المسألة: إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركش ص 267 وما بعدها.
(3)
رواه أبو يعلى وفيه حفص بن إبراهيم الجعفرى ذكره ابن أبى حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وبقية رجاله ثقات.
فكان الزائرون الواردون فى؟ صدر الإسلام يقفون فى ذلك المكان وهذا على قول أمام باب الحجرة المعطرة.
وسأل هارون بن موسى الهارونى جده علقمة قائلا: «من أين كان يزار قبر الرسول قبل أن تلحق دور النبى صلى الله عليه وسلم بمسجد الرسول؟» فأخذ الرد الآتى: «قد سد باب الحجرة المعطرة قبل وفاة السيدة عائشة-رضى الله عنها-فكان يزار القبر من أمام باب حجرة السيدة عائشة «وهذا منقول عن هارون، والواضح من الحديث ألا يعينوا لزيارة قبر الرسول وقتا خاصا كأوقات الأعياد، وكان اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور الأنبياء ويمضون أوقاتهم فى اللهو والطرب بجانب القبور. أو «عدم اللهو واللعب عند زيارة القبور وعقد مجالس الطرب والزينة» ،ويجب أن يؤول بأن الذين عزموا على زيارة قبر الرسول يجب عليهم أن يسلموا على النبى صلى الله عليه وسلم ويدعون له ثم يمضون بلا توقف وإن هذا التأويل أبلغ من توجيه الحافظ المنذرى وأحسن وهذا التأويل يعد أقوى الأقاويل من جهة التعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يجب على الزوار المسلمين أن يعرفوا أن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات والمستحبات المؤكدة، وأن يكثروا من شد الرحال لزيارته مرة بعد أخرى وبما أن العيد مرة واحدة فى السنة فلا يحصروا زيارة قبر الرسول لمرة واحدة فى العمر، بل عليهم أن يزوروه كلما استطاعوا ذلك وأن يعودوا دون أن يتوقفوا كثيرا فى حضور قبر الرسول عليه السلام.
قال أبو حنيفة لما كانت زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من أفضل المندوبات وأكثر المستحبات تأكيدا فالزيارة قريبة من الوجوب.
فالذين ينذرون بزيارة قبر الرسول يلزم عليهم الوفاء بنذورهم بناء على رأى الأئمة الشافعيين، وأما الذين ينذرون بزيارة القبور الأخرى فبناء على رأى بعضهم يجب الوفاء بنذورهم بالزيارة بينما الآخرون يرون عدم الوفاء بنذورهم ولكن القول الأول مرجح على القول الثانى
(1)
.
(1)
راجع فى المسألة: إعلام الساجد .. للزركش ص 267 وما بعدها.