الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بما فيها، فتسلمها سعد الدولة، ووفى لبكجور، وعظمت مملكة أبى المعالى عند ذلك، وقويت حرمته، وتمكنت دولته.
ذكر تولية سعد الدولة من قبل الخليفة وتلقيبه
«1»
كان سبب ذلك أن عضد الدولة البويهى لما ملك العراق بعد ابن عمه عز الدولة بختيار كاتبه أبو المعالى يبذل له الطاعة والدعوة، فتنجز له من الخليفة الطائع لله الخلع واللّقب بسعد الدولة، والولاية على ما بيده من الأعمال، وأرسل ذلك مع رسول، وخادم الخلافة. وكان جلوس الخليفة لذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وثلاثمائة.
ذكر خلاف «2» بكجور على الأمير سعد الدولة وما كان من أمره
قال: وأقام بكجور بحمص، وعمّرها أحسن عمارة، وأمّن أهلها وطرقاتها إلى أن وقع بينه وبين سعد الدولة في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. فسار بكجور إلى حلب وحاصرها، فبلغ ذلك ملك الروم، فسار لنصرة أبى المعالى ونزل «3» أنطاكية، وكان معه. مفرج [ابن دغفل بن الجراح، وكان بين مفرج وبكجور مودة، فكتب إليه مفرج]«4» يخبره بقصد الروم، فرحل عن حلب، وسار إلى حمص وأخذ ما أمكنه من أمواله، وكان العزيز صاحب مصر استدعى بكجورا
ليوليه الشام ودمشق لما اشتهر من شهامته، فتولى دمشق بعد خطب عظيم جرى له، واضطراب حال، ودخلت الروم حمص الدخلة الثانية بإذن سعد الدولة لأنه خاف أن يملكها بكجور بالمغاربة، وكان دخولهم إليها في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
وتسلم بكجور دمشق في يوم الأحد مستهل شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ثم وقع بين بكجور، وبين يعقوب بن كلّس الوزير، فقبض بكجور على وكلاء الوزير بدمشق، فاستحكمت العداوة بينهما، وأفسد الوزير نفس نزار صاحب مصر على بكجور، فبعث منيرا الخادم في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة لقصد بكجور، وإخراجه من دمشق من غير إظهار ذلك بل أظهر أنه قصد بإرساله طرد مفرج بن دغفل من دمشق، وجرى من الأمور ما أوجب خروج بكجور بأمواله وحرمه من دمشق. وكان خروجه في يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب سنة ثمان وسبعين. وسار بكجور إلى الرقة، وكان قد بعث غلامه وصيفا في سنة ست وسبعين وثلاثمائة إليها، فتسلمها من ديلمى، وكان بها من أصحاب عضد الدولة بعد وفاته، فلما دخلها بكجور راسل الطائع لله، فلم يجد عنده ما يؤثره، فأقام على الدعوة لنزار صاحب مصر، وبعث إليه نزار يقول: إنى ما أردت إخراجك من دمشق، وإنما أردت طرد ابن الجراح منها، وأبقى عليه ضياعه، وأمواله بها، وقوى أمر بكجور بالرقة، واشتد طمعه فى أخذ حلب من سعد الدولة وكاتب نزارا بذلك، وطلب إنجاده، فكتب نزار إلى والى طرابلس بالمسير إلى بكجور متى استدعاه،
وجمع بكجور العرب وكتب إلى نزار «1» والى طرابلس أن يوافيه بحلب، وكان سعد الدولة قد كاتب بسيل «2» ملك الروم يعلمه بذلك، ويطلب منه أن يأمر نائبه بأنطاكية، وسائر الثغور بإنجاده متى طلبهم، فكتب بسيل لهم بذلك، ثم أرسل سعد الدولة بكجور، وبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص، فقال لرسوله:«قل له الجواب ما تراه دون ما تسمعه» . ثم سار بكجور لحرب سعد الدولة، وتقدمت مقدماتها فتطاردا «3» ، فكان سعد الدولة يخلع على من أبلى من أصحابة، وينعم عليهم ويحملهم، وبكجور يكتب أسماء من أبلى من أصحابه لينظر فى أمرهم، فتغيرت لذلك قلوبهم. ثم كاتب سعد الدولة أعراب بكجور، وأطمعهم فعصوا «4» على بكجور ونهبوا سواده. ثم سار كل من العسكرين في يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إلى الآخر، والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لسعد الدولة وأصحابه على بكجور، فانهزم إلى حلب، واستولى القتل والأسر على غلمانه، واستخفى بكجور في بيت رحى بظاهر حلب، وتقلبت به الأحوال إلى أن استجار ببعض العرب، فحمله إلى سعد الدولة، فضرب عنقه، ثم سار سعد الدولة بعد أن أعاد الروم إلى بلادهم، وقصد الرقة، فنازلها وتحصن منه سلامة الرشيفى «5» غلام بكجور بحصن الرافقة، ومعه حرم بكجور
وأمواله، وابن المغربى كاتبه، فكاتبه سعد الدولة في تسليم الحصن، فبعث سلامة إليه يقول: أنا عبدك، ولكن لبكجور عندى صنائع تمنعنى من تسليم الحصن إلا أن أستوثق لحرمه وأولاده، فإن أمنتهم على أن يكون لك السلاح من أموالهم دون غيره سلمت لك الحصن، فأجابه سعد الدولة إلى ذلك، وحلف له وتسلم الحصن. ولما نزل أولاد بكجور، وحملوا أموالهم قال ابن أبى حصين قاضى حضرة سعد الدولة: إن بكجورا مملوكك لم تعتقه، وأولاده كذلك ولا مال لهم، ولا إثم عليك في أخذ أموالهم، فقبض عليهم عند ذلك، وأخذ الأموال، وهرب ابن المغربى إلى الكوفة، وكتب أولاد بكجور بذلك إلى العزيز نزار صاحب مصر، فكتب العزيز إلى سعد الدولة كتابا يهدده فيه ويقول: إن لم تطلق آل بكجور وأموالهم بعثت الجيوش لحربك. وأنفذ الكتاب مع فائق الصقلبى، فوصل إليه، وقد عاد من الرقة، وهو نازل بظاهر حلب. فلما وقف سعد الدولة على الكتاب غضب، وأحضر الرسول، وصفعه، وألزمه أن يأكل الكتاب فتناوله، ومضغه حتى فرغ منه، وقال له: عد إلى صاحبك، وقل له لا حاجة لك في إرسال الجيوش، فأنا سائر إليك، والخبر يأتيك من الرملة، وعزم سعد الدولة على قصد العزيز صاحب مصر، فعاجلته منيته.