الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فحصرها، ونهب ما جاورها من البلاد، وخرّبها، وأثر في بلاد الروم أثارا عظيمة، ونال منهم من النهب والأسر والقتل شيئا كثيرا، ثم عاد إلى أذربيجان عند دخول الشتاء، وعاد إلى الرى، والله أعلم.
ذكر دخول السلطان طغرلبك الى بغداد والخطبة له بها، وانقراض الدولة البويهية
كان دخوله إليها يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان سبب ذلك أن المظفّر أبا الحارث ألب أرسلان التركى، المعروف بالبساسيرى، عظم أمره بالعراق، وطار اسمه في الآفاق، واستولى على البلاد، وعظمت هيبته في قلوب العباد، وخافه أمراء العرب، وخطب له على منابر العراق، ولم يبق لبنى بويه معه إلا مجرّد الاسم، ووقع بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله، من الوحشة ما قدمناه، فى أخبار الدولة العباسية، حتى بلغ الخليفة أنه يريد القبض عليه، فعند ذلك كاتب الخليفة السلطان طغرلبك، وهو بنواحى الرىّ يستنصر به، ويحثه على المسير إلى بغداد، وكان طغرلبك قد عاد إلى الرىّ، بعد عوده من غزو الروم، فرتب أمور الرى، وعاد إلى همذان في المحرّم من السنة، وأظهر أنه يريد الحجّ، وإصلاح طريق مكة، والمسير إلى الشام ومصر، وإزالة ملك المستنصر العبيدى عنها، وسار إلى حلوان، وانتشر أصحابه في طريق خراسان، فأجفل الناس إلى غربىّ بغداد، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهرها، وسمع الملك الرّحيم بقرب
السلطان طغرلبك من بغداد، فأصعد من واسط إليها، وفارقه البساسيرى بمراسلة الخليفة في معناه، كما ذكرناه، ووصل الملك الرحيم إلى بغداد، وأرسل طغرلبك إلى الخليفة يبالغ في إظهار الطاعة والعبودية، وإلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان، فأنكروا ذلك ونفروا منه، وراسلوا الخليفة، وقالوا: إنا فعلنا بالبساسيرى ما فعلناه، وهو كبيرنا ومقدمنا اتباعا لأمر أمير المؤمنين، ووعدنا أمير المؤمنين برد هذا الخصم، ونراه قد قرب منا، ولم يمنع من المجىء، وسألوا التقدم إليه في العود، فغولطوا في الجواب، وكان رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه، ويختار انقراض الدولة البويهية، ثم وصل الملك الرحيم إلى بغداد، وأرسل إلى الخليفة يظهر العبودية، وسأل تقرير قاعدته مع طغرلبك، وكذلك سأل من معه من الأمراء، فأجيبوا بأن المصلحة أن تدخل الأجناد خيامهم، من ظاهر بغداد، وينصبوها «1» بالحريم، ويرسلوا رسولا إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابوا إلى ذلك، وراسلوه، فأجابهم إلى ما سألوه، ووعدهم الإحسان إليهم، وتقدم الخليفة إلى الخطباء بجوامع بغداد بالخطبة للسلطان طغرلبك، فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان من السنة، وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول بغداد، فأذن له، وخرج وزير الخليفة، وروساء بغداد وأعيانها، وأمر الملك الرحيم للقائه، واستحلفه «2» الوزير للخليفة، وللملك الرحيم، ودخل بغداد في يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان، ونزل بباب
الشماسية ومعه ثمانية عشر فيلا، ودخل عسكره بغداد للامتياز، وشراء ما يريدونه من أهلها، وأحسنوا معاملتهم، فلما كان الغد، وهو يوم الثلاثاء، جاء بعض العسكر إلى باب الأزج، وأخذوا واحدا من أهله، فطلبوا منه تبنا، وهو لا يفهم عنهم ما يريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامة لهم، ورجموهم، وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك، فارتج البلد من أقطاره وأقبلوا من كل جهة، وقتل من الغز من وجد فى محال بغداد إلا أهل الكرخ، فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز بأذية بل حموهم:
وخرج عامّة بغداد، ومعهم جماعة من العسكر، يقصدون العسكر السلطانى، ولم يركب الملك الرحيم، ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخليفة، وأقاموا بها نفيا للتهمة عن أنفسهم، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم، وأما عسكر السلطان طغرلبك، فإنهم لما رأوا فعل العامّة وظهورهم من البلد قاتلوهم، ففل من الفريقين خلق كثير، وانهزمت العامة، ونهب الغز بعض الدروب، ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبى، وأرسل طغرلبك من الغز إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم وأصحابه، ويقول:«إن حضروا برئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور تيقّنت أن الذى جرى كان بوضعهم» ، فتقدم الخليفة إلى الملك الرحيم وأصحابه يقصد السلطان، فركبوا إليه، وأرسل الخليفه معهم رسولا يبرئهم عند السلطان، فلما وصلوا إلى جهة السلطان، أمر بالقبض على الملك الرحيم ومن معه، فقبضوا كلهم في آخر شهر رمضان، وحبسو، ثم حمل الملك الرحيم إلى قلعة السيروان، وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر
ما جرى، من قبض الملك الرحيم وأصحابه (ونهب)«1» بغداد، ويقول:«إنهم خرجوا إليك بأمرى، وأمانى، فإن أطلقتهم، وإلا فأنا أفارق بغداد» ، فأطلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الملك الرحيم، وأمرهم بالسعى في أرزاق يحصّلونها لأنفسهم، فتوجّه كثير منهم إلى البساسيرى، ولزموه، فكثر جمعه، وكان من أمره ما قدمناه وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين وانتشر الغز في سواد بغداد، فنهبوا من الجانب الغربى من تكريت إلى النيل «2» ، ومن الجانب الشرقى إلى النهروانات «3» ، وأسافل الأعمال، فأسرفوا في النهب حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط. إلى عشرة، والحمار بقيراطين إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلى أهله عنه، وضمن السلطان طغرلبك البصرة، والأهواز من هزار سب بن [تنكر]«4» بن عياض بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرّجان، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز، دون الأعمال التى ضمنها، وأقطع الأمير أبا على بن أبى كاليجار الملك قرميسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذّنوا في مساجدهم سحرا للصبح:«الصلاة خير من النوم» ، وأمر بعمارة دار الملك، فعمرت وزيد فيها، وانتقل إليها في شوال.