الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
أن المرسل عنده أيضا ليس في رتبة واحدة، كما أن الضعيف ليس في رتبة واحدة.
وهذا بالطبع في مرسل غير الصحابي، أما مرسل الصحابي فإنه لم ينقل عنه فيه خلاف (1).
*
الأصل الخامس: القياس للضرورة
كان للإمام أحمد موقف حسن في القياس، فلم ينفِ القياس نفيًا باتّا، كما فعل الظاهرية الذين حكموا بالنصوص دون سواها، ولم يغال في القياس مغالاة العراقيين، وأخذ به وقرره عندما قال: لا يستغني أحد عن القياس.
قال ابن القيم: فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال نقلا عن الميموني: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة (2).
قال الشيخ أبو زهرة: وهي كلمة حق بالنسبة للمفتي الذي يتصدى للإفتاء، فإنه مضطر إليه لا محالة، لأن الناس يجدّ لهم من الحوادث ما يقتضي قياس غير منصوص على منصوص، ولا يستطيع الفقيه أن يجد شيئًا من ذلك، فإما ألا يفتي فيكون الناس في حرج شديد، ولا يعلمون أحكام الدين في أعمالهم، وإما أن يفتي، رفعًا للحرج، وإجابة لداعي الإرشاد والهداية (3).
(1)"أصول مذهب الإمام أحمد" صـ 338 - 339.
(2)
"إعلام الموقعين" 1/ 32، وانظر الرواية في "العدة" 4/ 1366، "المسودة" 2/ 710.
(3)
"ابن حنبل" لأبي زهرة صـ 315.
ومع هذا النقل عن الإمام أحمد، وأنه يحتج بالقياس؛ فقد رويت عنه رواية أخرى: أنه ينفي القياس. إذ جاء في رواية الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: يتجنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل، والقياس (1).
ونقل أبو الحارث عن الإمام أحمد؛ وقد ذكر أهل الرأي وردهم للحديث؛ فقال: ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الأثر ما يغنيك عنه؟ ! (2)
فظاهر هذا أن الإمام أحمد رضي الله عنه لا يرى العمل بالقياس، ولا يقول به، ما دام في الأثر ما يغني عنه أما إذا لم يجد فيصار للقياس للضرورة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: القياس الصحيح حق؛ فإن اللَّه بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالعدل، وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل، وما يعرف به العدل، وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك.
واللَّه ورسوله يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، وهذا هو القياس الصحيح (3).
وقال ابن القيم: وقد كان أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل، أو يقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره، ثم أشار إلى قول المزني، رحمه الله، بأن الفقهاء في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا وهلم جرا، استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم؛ قال: وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس، لأنه التشبيه بالأمور، والتمثيل عليها (4).
(1)"ابن حنبل" لأبي زهرة صـ 317
(2)
"الروايتين والوجهين - المسائل الأصولية" صـ 65، "العدة في أصول الفقه" 4/ 1280 - 1282، "التمهيد في أصول الفقه" 3/ 365 - 368.
(3)
"مجموع الفتاوى" 19/ 176.
(4)
"إعلام الموقعين" 1/ 203.
هل كان الامام يأخذ بالقياس بجميع أنواعه، أو يفرق بين هذِه الأنواع؟
قال القاضي أبو يعلى: القياس على ضربين: واضح وخفي، فالواضح ما وجد معنى الأصل في الفرع بكماله كعلة الربا في البر، فحملنا الأرز عليه، لأن فيه معنى البر من الكيل والجنس. والإمام أحمد قد استعمل هذا القياس في رواية ابن القاسم؛ فقال: لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلًا، قياسًا على الذهب والفضة.
أما الخفي فهو قياس غلبة الشبه، وصورته: أن يتجاذب الحادثة أصلان: حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف خمسة، والحادثة لا تجمع أوصاف واحد منهما، غير أنها بأحد الأصلين أكثر شبها مثل: إن كانت بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة أوصاف ففي هذا روايتان؛ إحداهما: ليس هذا بقياس أصلًا، والقياس ما وجد في الفرع أوصاف الأصل بكمالها، فإذا وجد بعضها في الفرع، لم يكن قياسًا. نص عليه الإمام أحمد، رحمه الله، في رواية أحمد بن الحسين بن حسان؛ فقال: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه، فهذا خطأ. قد خالفه في بعض أحواله، ووافقه في بعض، فإذا كان مثله في كل أحواله فأقبلت به وأدبرت به، فليس في نفسي منه شيء.
والرواية الثانية: أنه قياس صحيح، وتلحق الحادثة بأكثرهما ولا يؤخر حكمهما، وقد نبه أحمد على هذا في رواية حرب، في يهودي قذف يهودية؛ يتلاعنان؟ قال: ليس لهذا وجه، لأنه ليس عدلًا، واللعان إنما هو شهادة، وليس بعدل فتجوز شهادته. كأنه لم ير بينهما اللعان، فقد قاس اللعان على الشهادة في امتناعه من الكافر مع قلة شبهه بالشهادة، وكثرة