الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالاشْتِغَالُ بِهِ أفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، إلا أنْ يَخَافَ عَلَى
ــ
3055 - مسألة: (وَالاشْتِغَالُ به أفْضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِل
نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ.
ــ
العِبادَةِ، إلا أن يَخافَ على نَفْسِه مُواقَعَةَ المَحْظُورِ بِتَرْكِهِ، فَيجِبُ) الناسُ في النِّكاحِ على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَخافُ على نَفْسِه [الوُقُوعَ في](1) المَحْظُورِ إن تَرَك النِّكاحَ، فهذا يَجِبُ عليه في قولِ عامَّةِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه إعْفافُ نفسِه، وصَرْفُها عن الحَرامِ، وطَرِيقُه النكاحُ. الثاني، مَن يُسْتَحَبُّ له، وهو مَن له شَهْوَةٌ يَأْمَنُ معها الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ، فهذا الاشْتِغالُ له (2) به أفضَلُ مِن التَّخَلِّي لنَوافِلِ العِبادةِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وظاهِرُ أقوالِ الصَّحابةِ، رضي الله عنهم، وفِعْلُهم. قال ابنُ مسعودٍ: لو لم يَبْقَ مِن أَجَلِي إلَّا عشَرةُ أيامٍ، وأعْلَمُ أَنِّي أموتُ في آخِرِها يَوْمًا، لِي فيهِنَّ طَوْلُ النِّكاحِ، لتَزَوَّجْتُ مَخافَةَ الفِتْنَةِ (3). وقال ابنُ عباسٍ لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ: تَزَوَّجْ، فإنَّ خَيرَ هذه الأمَّةِ أكثَرُها نِساءً (4). وقال إبراهيمُ بنُ مَيسَرَةَ: قال لي طاوسٌ: لَتَنْكِحَنَّ، أو لأقُولَنَّ لك ما قال عمرُ لأبي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ عن النِّكاحِ إلَّا عَجْزٌ أو فُجُورٌ (5). قال أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليبستِ العُزْبَةُ مِن أمْرِ الإسلامِ في شيءٍ، ومَن دَعاك (6) إلى غيرِ التَّزْويجَ، فقد دَعاك (6) إلى غيرِ
(1) في م: «موقعة» .
(2)
سقط من: م.
(3)
أخرجه سعيد، في سننه 1/ 139.
(4)
أخرجه البخاري، في: باب كثرة النساء، من كتاب النكاح. صحيح البخاري 7/ 4. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 243، 370.
(5)
أخرجه سعيد، في الموضع السابق.
(6)
في م: «دعا» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِسلامِ، ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ (1) كان قد تَمَّ أمْرُه. وقال الشافعيُّ (2): التَّخَلِّى لِعبادَةِ اللهِ أفْضَلُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى مَدَح يَحيى، عليه السلام، بقولِه تعالى:{وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (3). والحَصُورُ الذي لا يَأْتِي النِّساءَ، فلو كان النِّكاحُ أفْضَلَ لَما مَدَح بتَرْكِه. وقال اللهُ تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} (4). وهذا في مَعْرِضِ الذَّم. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان الاشْتِغالُ بالعِبادَةِ أفْضَلَ منه، كالبَيعِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ ورسولِه به، وحَثِّهِما عليه، وقولُه عليه الصلاة والسلام:«لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي» . وقولُ سعدٍ: لقد رَدَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على عثمانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أَذِنَ (5) له لَاخْتَصَينَا. مُتَفَقٌ عليهما. وعن أنسٍ قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بالباءَةَ، ويَنهَى عن التَّبتُّل نَهْيًا شَديدًا، ويقولُ:«تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَواه سعيدٌ (6). وهذا حَثٌّ على النِّكاحِ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ على تَرْكِه، يُقَربُه إلى الوُجوبِ،
(1) هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي، أبو نصر. الإمام العالم المحدث الزاهد الرباني، المشهور بالحافي. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء 10/ 469 - 477.
(2)
كذا ذكر هنا، ونص الإمام الشافعي في الأم 5/ 128، 129 إنما هو في القسم الثالث الذي لم تخلق فيه شهوة، أو ذهبت بعارض.
(3)
سورة آل عمران 39.
(4)
سورة آل عمران 14.
(5)
في م: «أحله» .
(6)
في: باب الترغيب في النكاح. سنن سعيد 1/ 139.كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 158، 245.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (1) التَّخَلِّيَ منه إلى التَّحريمِ، ولو كان التَّخَلِّي أفْضَلَ [لانْعَكَسَ الأمْرُ](2)، ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ، وبالغَ في العَدَدِ، وفَعَل ذلك أصحابُه، ولا يَشْتَغِلُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه إلَّا بالأَفْضَلِ، ولا يَجْتَمِعُ الصحابةُ على تَرْكِ الأفْضَلِ والاشْتِغالِ بالأدْنَى. ومِن العَجَبِ أنَّ مَن يُفَضِّلُ التَّخَلِّيَ لم يَفْعَلْه، فكيف أجْمَعوا على النِّكاحِ في فِعْلِه، وخالفوا في فَضْلِه! أفما (3) كان فيهم مَنْ يَتْبَعُ الأفْضَلَ عندَه ويَعْمَلُ بالأَوْلَى؟ ولأنَّ مَصالِحَ النِّكاحِ أكثَرُ؛ فإنَّه يَشْتَمِلُ على تَحْصِينِ الدِّينِ وإحْرازِه، وتَحْصِينِ المرأةِ وحِفْظِها والقِيامِ بها، وإيجادِ النَّسْلِ وتَكْثِيرِ الأمَّةِ، وتَحْقِيقِ مُباهاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وغيرِ ذلك مِن المَصالِحِ الرَّاجِحِ أحَدُها على نَفْلِ العِبادَةِ، فمَجْمُوعُها أَوْلَى. وقد رَوَينا في أخْبارِ المُتَقدِّمِينَ أنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لنبيٍّ لهم فَضْلَ عابدٍ لهم، فقال: أمَّا إنَّه لتارِكٌ لشيءٍ مِن السُّنَّةِ. فبَلَغ العابِدَ، فأتى النبيَّ (4) فسَألَه عن ذلك، فقال: إنَّك تَركْتَ التَّزْويجَ. فقال: يا نَبيَّ اللهِ، وما هو إلَّا هذا! فلمَّا رَأَى النبيُّ احْتِقارَه لذلك، قال: أرَأَيتَ لو تَرَك الناسُ كُلهم التَّزْويجَ، مَن كان يَقُومُ بالجِهادِ، ويَنْفِي العَدُوَّ، و (5) يقومُ بفرائِضِ الله وحُدُودِه؟. وأمَّا ما ذُكِرَ عن يَحيي، فهو شَرْعُه، وشَرْعُنا
(1) في الأصل: «ولا» .
(2)
في م: «لانعكست الأحكام» .
(3)
في م: «فما» .
(4)
سقط من: م.
(5)
في م: «أو» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بخِلافِه، فهو أَوْلَى. والبَيعُ لا يَشْتَمِلُ على مَصالِحِ النِّكاحِ، ولا يُقارِبُها. القسمُ الثالثُ، مَن لا شَهْوَةَ له؛ إمَّا لأنَّه لا شَهْوَةَ له كالعِنِّينِ، أو ذَهَبَتْ شَهْوَتُه لمَرَضٍ أو كِبَرٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُسْتَحَبُّ له النِّكاحُ؛ لما ذَكَرْنا. والثاني، التَّخَلِّى له أفْضَلُ؛ فإنَّه لا يُحَصِّلُ مَصالِحَ النِّكاحِ، ويَمْنَعُ زَوْجَتَه مِن التَّحْصِينِ بغيرِه، ويُضِرُّ بها بحَبْسِها على (1) نَفسِه، ويُعَرِّضُ نَفْسَه لواجِباتٍ وحُقُوقٍ لَعَلَّه لا يَقومُ بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعِبادَةِ بما لا فائِدَةَ فيه، والأخبارُ تُحْمَلُ على مَن له شَهْوَةٌ؛ لِما فيها مِن القَرائِنِ الدَّالَّةِ عليها.
فصل: وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بينَ القادِرِ على الإِنْفاقِ والعاجِزِ عنه، فإنَّه قال: يَنْبَغِي للرجلِ أن يَتَزَوَّجَ، فإن كان عندَه ما يُنْفِقُ أنْفَقَ، وإن لم يَكُنْ عندَه صَبَرَ، ولو تَزَوَّجَ بِشْرٌ كانَ قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم[كانَ يُصْبِحُ وما عندَهم شيءٌ، ويُمْسِي وما عندَهم شيءٌ (2). ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم](3) زَوَّجَ رجلًا لم يَقْدِرْ (4) على خاتَمِ حَديدٍ، ولا وَجَد إلَّا إزارَه، ولم يَكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجَه البخاريُّ (5). قال أحمدُ في رجلٍ قَلِيلِ
(1) في م: «عن» .
(2)
أخرجه البخاري، في: باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة، من كتاب البيوع، وفي: باب في الرهن في الحضر. . . .، من كتاب الرهن. صحيح البخاري 3/ 74، 186. والترمذي، في: باب ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذي 5/ 219، 220.
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
بعده في م: «إلا» .
(5)
تقدم تخريجه في 14/ 380.