الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ وَالإجَابَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً عَلَيهَا، وَإنْ كَانَتْ
ــ
قد كان قال لها: «لَا تَسْبِقِيني بِنَفْسِكِ» . وفي رِوايَةٍ: «إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِيني» . فلم تَكُنْ لتَفْتَاتَ بالإِجابَةِ قبلَ إذنِه. الثاني، أنَّها ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كالمُسْتَشِيرَةِ له فيهما أو في العُدُولِ عنهما، وليس في الاسْتِشارَةِ دَلِيلٌ على تَرْجِيحِ (1) أحدِ الأمرَين، ولا مَيلٍ إلى أحَدِهِما، على أنَّها إنَّما ذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لتَرْجِعَ إلى قولِه ورَأيه، وقد أشارَ عليها بتَركِهِما، لما ذَكَر مِن عَيْبهما، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَدِّهَا لهما، وتَصْرِيحِها بمَنْعِهِما. ومِن وَجْهٍ آَخَرَ، وهو أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد سَبَقَهُما بخِطْبَتِها تَعْرِيضًا (2) بقولِه لها ما ذَكَرْنا، فكانت خِطْبَتُه لها مَبْنِيَّةً على الخِطْبَةِ السَّابقةِ، بخِلافِ ما نحن فيه. فإن لم يَعْلَمِ الحال فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ، لعُمومِ النَّهْي. والثاني، يَجُوزُ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإجابَةِ المُحَرِّمَةِ.
3078 - مسألة: (والتَّعْويلُ فِي الرَّدِّ والإِجابةِ عليها إن لم تَكُنْ
(1) سقط من: الأصل.
(2)
بعده في الأصل: «لها» .
مُجْبَرَةً، فَعَلَى الوَلِيِّ.
ــ
مُجْبَرَةً، وإن كانت مُجْبَرَةً، فعلى الوَلِيِّ) أمَّا إذا لم تَكُنْ مُجْبَرَةً؛ فلأنَّها أحَقُّ بنَفْسِها مِن وَلِيِّها، فإن أجابَ هو، وَرغِبَتْ عن النِّكاحِ، كان الأمْرُ أمرَها. فإن أجابَ وَلِيُّها فرَضِيَتْ، فهو كإجابَتِها، وإن سَخِطَتْ فلا حُكْمَ لإِجابَتِه؛ لأنَّ الحَقَّ لها. ولو أجابَ الوَلِيُّ في حَقِّ المُجْبَرَةِ، فكَرِهَتِ المُجابَ واخْتارَتْ غيرَه، سَقَط حُكْمُ إجابَةِ وَلِيِّها؛ لكَوْنِ اختِيارِها مُقَدَّمًا على اخْتِيارِه. وإن كَرِهَتْه ولم تَخْتَرْ سِواه، فيَنْبَغِي أن يَسْقُطَ حُكْمُ الإِجابَةِ أيضًا؛ لأنَّه قد أُمِرَ باسْتِثمارِها، فلا يَنْبَغِي له أن يُكْرِهَها على مَن (1) لا تَرْضاه. وإن أجابَتْ ثم رَجَعَتْ عن الإِجابَةِ وسَخِطَتْه، زال حُكْمُ الإِجابَةِ؛ لأنَّ لها الرُّجُوعَ. وكذلك إذا رَجَع الوَلِيّ المُجْبِرُ عن الإِجابةِ، زال حُكْمُها؛ لأنَّ له النَّظَرَ في أمْرِ مُوَلِّيَته، ما لم يَقَعِ العَقْدُ. وإن لم تَرْجِعْ هي ولا وَلِيُّها، لكنْ تَرَكَ الخاطِبُ الخِطْبَةَ، أو (2) أذِنَ فيها، جازت خِطْبَتُها؛ لما رُوِيَ في حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه نَهَى أن يَخْطُبَ الرجلُ على خِطْبَةِ أخِيه، حتى يَأذَنَ أو يَتْرُكَ. رَواه البخاريُّ (3).
(1) في الأصل: «ما» .
(2)
في م: «و» .
(3)
تقدم تخريجه في 11/ 791، 180، وصفحة 73.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وخِطْبَةُ الرجلِ على خِطبةِ أخيه (1) في مَوْضِعِ النَّهْي مُحَرَّمَة. قال أحمدُ: لا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يَخْطُبَ في هذه الحالِ. وقال أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ: هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ، وهذا نَهْيُ تَأدِيبٍ. ولَنا، ظاهِرُ النَّهْي، فإنَّ مُقْتَضاه التَّحْرِيمُ، ولأنَّه نَهْيٌ عن الإِضْرارِ بالآدَمِيِّ المَعْصُومِ، فكان على التَّحْرِيمِ، كالنَّهْي عنِ أكْلِ مالِه. فإن فَعَل فنِكاحُه صحيحٌ. نصَّ عليه أحمدُ فقال: لا يُفرَّقُ بينَهما. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ورُوِيَ عن مالكٍ، وداودَ، أنَّه لا يَصِحُّ. وهو قياسُ قولِ أبي بكر؛ لأنَّه قال في البَيعِ على بَيعِ أخِيه: هو باطِل. وهذا في مَعْناه؛ لأنَّه نِكاحٌ مَنْهِيٌّ عنه، فكان باطِلًا، كنِكاحِ الشِّغارِ. ولَنا، أنَّ المُحَرَّمَ لم يُقارِنِ العَقْدَ، فلم يُؤثِّرْ، كما لو صَرَّحَ بالخِطْبَةِ في العِدَّةِ.
فصل: ولا يُكْرَهُ للوَلِيِّ الرُّجُوعُ عن الإجابَةِ (2) إذا رَأَى المَصْلَحَةَ لها في ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لها، وهو نائِب عنها في النَّظرَ لها، فلم يُكْرَهْ له الرُّجُوعُ إذا رَأى المَصْلَحَةَ، كما لو ساوَمَ في بَيعِ دارها، ثم رَأى المَصْلَحَةَ لها (3) في تَرْكِها. ولا يُكْرَهُ لها أيضًا الرُّجُوعُ إذا كرِهَتِ الخاطِبَ؛ لأنَّه
(1) في م: «غيره» .
(2)
سقط من: م.
(3)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَقْدُ عُصر يَدُومُ الضَّرَرُ فيه، فكان لها الاحْتِياطُ لنَفْسِها، والنَّظرُ في خِطْبَتِها. وإن رَجَعا عن ذلك لغيرِ غَرَض، كُرِهَ؛ لما فيه مِن إخْلافِ الوَعْدِ والرُّجُوعِ عن القولِ، ولم يَحْرُمْ؛ لأنَّ الحَقَّ بعدُ لم يَلْزَمْهما (1)، كمَن ساوَمَ بسِلْعَتِه، ثم بدا له أن لا يَبِيعَها.
فصل: فإن كان الخاطِبُ الأوَّلُ ذِمِّيًّا، لم تَحْرُمِ الخِطْبَةُ على خِطْبَتِه. نصَّ عليه أحمدُ، فقال:«لا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أخِيه، ولا يُساومُ على سَوْمِ أخيه» . إنَّما هو للمُسْلِمينَ، ولو خَطَب على خِطْبَةِ يَهُودِي أو نَصْرانِيٍّ، أو سام على سَوْمِهما، لم يَكُنْ داخلًا في ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخْوَةٍ للمُسْلمِينَ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا يَجُوزُ أيضًا؛ لأنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ (2) الغالِبِ، لا لتَخْصيص المُسْلِمِ به. ولَنا، أنَّ لَفْظَ النَّهْي خاصٌّ في المسْلمينَ، وإلْحاقُ غيرِه به إنَّما يَصِحُّ إذا كان مثلَه، وليس الذِّمِّي كالمُسْلِم، ولا حُرْمَتُه كحُرْمَتِه، ولذلك لم تَجِبْ إجابَتُهم في دَعْوةِ الوَلِيمَةِ ونحوها. وقولُه: خَرَج مَخْرَجَ (2) الغالِبِ. قُلْنا: متى كان في المَخْصُوصِ بالذِّكْرِ (3) مَعْنًى يصْلُحُ أن يُعْتَبَرَ في الحُكْمِ، لم يَجُزْ حَذْفُه ولا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بدُونِه، والأخُوَّةُ الإسلامِيَّةُ لها تَأثِيرٌ في وُجُوبِ الاحْتِرامَ، وزِيادَةِ الاحْتِياطِ في رِعايَةِ حُقُوقِه، وحِفْظِ قَلْبِه، واسْتِيفاءِ (4) مَوَدَّتِه، فلا يَجُوزُ حَذْفُ ذلك.
(1) في النسختين: «يلزمها» . وانظر المغني 9/ 571.
(2)
في الأصل: «مجرى» .
(3)
سقط من: م.
(4)
كذا في النسختين، وفي المغني 9/ 572:«استبقاء» .