الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأوصاه بعليّ بن الفضل خيرا وتقدّم إلى علي وأوصاه (1). وودّعهما ودعا لهما.
قال أبو القاسم: ولمّا ودّعت الأهل وخرجت إلى القادسيّة سمعت حاديا يقول [الرجز]:
يا حادي الليل مليح الزجر
…
بشّر مطاياك بضوء الفجر
(قال) فسررت به واستحسنت ذلك الفأل، ووافيت مكّة.
ثم دخل أبو القاسم [213 ب] وأبو الحسن اليمن في أوّل سنة ثمان وستّين ومائتين. فأقاما باليمن يدعوان الناس سنتين مستترين. ثم ظهرت الدعوة باليمن سنة سبعين ومائتين.
قال أبو القاسم: واجتمعت بقوم يقال لهم بنو موسى، من الشيعة. فأخذت عليهم العهد. فقالوا لي: إنّ لنا إخوانا من الشيعة بعدن لاعة.
فقلت: إليها أرسلت.
وسرت معهم فأصبت دار شيعة.
وتزوّج أبو القاسم: ابنة أحمد بن عبد الله بن خليع [وكان] داعيا للمهديّ (2).
قال أبو القاسم: وبعثت بكتاب ومال كثير وطرائف وطراز إلى المهديّ. فلمّا وصل إليه وقرأ الكتاب، تمثّل بهذه الأبيات [الرجز]:
الله أعطاك التي لا فوقها
…
وكم أرادوا منعها وعوقها
عنك، ويأبى الله إلّا سوقها
…
إليك، حتى طوّقوك طوقها
(1*) وفشا أمر الدعوة باليمن، وابتنى أبو القاسم حصنا (2*) بجبل لاعة وملك صنعاء وفرّق الدعاة في نواحي اليمن وإلى سائر البلدان إلى اليمامة والبحرين والسّند والهند وناحية مصر والمغرب.
[قول ابن شدّاد الصنهاجي]
وقال الأمير عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعزّ بن باديس الحميري في كتاب «الجمع والبيان في أخبار القيروان ومن كان فيها وفي سائر المغرب من الملوك والأعيان» :
أوّل من أظهر الزندقة في الإسلام أبو الخطّاب (3*) محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان صاحب كتاب «الميدان» في نصرة الزندقة، وأبو سعيد [
…
] (4*) من أهل رامهرمز من كورة الأهواز، وكان من خرّميّة المجوس. فألقى هؤلاء إلى من اختصّوا به أنّ لكلّ شيء من العبادات باطنا، وأنّ الله ما أوجب على أوليائه ومن عرف الأئمّة والأبواب (5*) صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجّا، ولا حرّم
(1) في المخطوط: وأوصاه بي، والسياق يقتضي: به، أي بمنصور اليمن ابن حوشب.
(2)
أوقع سقوط «كان» ، فانيان في الخطأ ففهم أنّ تزوّج منصور اليمن بابنة ابن خليع كان القصد منه حمل أبيها على الدخول في الدعوة. وقد اختصر المقريزي كلام النعمان وفيه ذكر لوفاة ابن خليع في حبس اليعفري بسبب الدعوة.
(1*) البيتان لكثير عزّة (ديوانه، نشر إحسان عبّاس، بيروت 1971، 535).
(2*) في عيون الأخبار، 70، هو حصن «عبر محرم» .
(3*) في خصوص الخطّابيّة. انظر: المجالس والمسايرات، 84. وعيون الأخبار، 73. واتّعاظ الحنفاء، 48، هامش 4.
(4*) بياض بالأصل، وقال فانيان: لعلّه حسن بن بهرام الجنّابي. ولكنّ الجنّابي لا ينسب إلى رامهرمز. وفي الاتّعاظ، جاء عنوان كتاب ميمون بن ديصان: كتاب الميزان. وينقل ابن الأثير أيضا عن ابن شدّاد (الكامل 6/ 126) ولا يذكر أبا سعيد هذا، ولم يذكره المقريزي في الاتّعاظ، 50.
(5*) الباب مصطلح إسماعيليّ يعيّن مرتبة عالية في الدعوة.
عليهم شيئا من المحرّمات، وأباح لهم نكاح الأمّهات والأخوات. وقال: إنّما هذه العبادات عذاب على الأمّة وأهل الظاهر، وهي ساقطة عن الخاصّة، وإنّ آدم وجميع الأنبياء كذّابون محتالون طلّاب الرئاسة- ولمّا كان في أيّام بني العبّاس اشتدّت شوكتهم مع أبي الخطّاب وأصحابه لانتحالهم التشيّع لبني هاشم، وحماهم بنو العبّاس. فلمّا قامت البيّنة عليهم في الكوفة، وأنّ أبا الخطّاب أسقط العبادات [214 أ] وحلّل المحرّمات، أخذه عيسى بن موسى الهاشميّ مع سبعين من أصحابه فضرب أعناقهم. وتفرّق باقيهم في البلاد فصار منهم جماعة في نواحي خراسان والهند وصار أبو شاكر ميمون [بن ديصان] بن سعيد الغضبان إلى بيت المقدس مع جماعة من أصحابه وأخذوا في تعليم الشعبذة والنارنجات ومعرفة الزّرق (1) وصفة النجوم والكيمياء، وإظهار الزهد والورع. ونشأ لأبي شاكر ميمون ابن يقال له عبد الله القدّاح، وعرّفه هذه النحلة وإظهار التشيّع. وكان قد ثار في أيّام المأمون مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وادّعوا التشيّع في الكرج (2) وفي أصبهان. وكان من جملتهم رجل يعرف بمحمّد بن الحسين بن جهار لختان (3)
ويلقّب بديدان، وكان بنواحي الكرج وأصبهان له حال واسعة، وكان يبغض العرب. وسمع عبد الله بن ميمون القدّاح به فسار إليه. وكان عبد الله يتعاطى الطبّ وعلاج العين ويقدح (1*) الماء النازل بها، ويظهر أنّه يفعل ذلك حسبة وقربة إلى الله تعالى، فطار له بهذا اسم في نواحي أصبهان والجبل. وسمع به ديدان فأحضره، وأظهر له عبد الله مساويء العرب فأحبّه، وأخذ منه مالا عظيما. وخرج عبد الله القدّاح إلى سواد الكوفة ومعه المال، وبثّ الدعاة، ومات. وقام ابنه أحمد مقامه وبثّ الدعاة، واستدعى رجلا من أهل الكوفة يقال له رستم أبو الحسين بن الكرخين بن حوشب بن زادان النجّار. وكان هذا الرجل من الإماميّة يقول بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. وكانوا يرصدون من يرد المشاهد بالعراق وكربلاء، فمن كان لهم فيه طمع استدعوه. وورد عليهم أبو الحسن محمد بن الفضل (2*) من أهل جيشان من أرض اليمن فدخل، وهو يبكي، على الحسين بن علي رضي الله عنه، فصبروا عليه حتّى خرج من زيارته، وأخذ الداعي بيده فقال له: قد رأيت ما كان منك من البكاء
(1) الزّرق مفرده: زرقة وهي «خرزة يؤخّذ بها الرجال.
والتأخيذ: حبس السواحر أزواجهنّ عن غيرهنّ من النساء» (اللسان: زرق وأخذ). وفي الكامل، 6/ 126:
والزور عوض: والزرق. أمّا النارنجات أو النيرجات كما في الفهرست لابن النديم، ص 373 فهي أعمال السحر والطلاسم. وفي اللسان (نرج):«النّيرج: أخذ تشبه السّحر، وليست بحقيقته. والأخذة: رقية أو خرزة تؤخذ بها النساء الرجال» .
(2)
في الأصل: الكرخ. والصحيح: الكرج بفتحتين والجيم وهي، حسب ياقوت، مدينة بين أصبهان وهمذان. وهي قراءة فانيان والشيّال.
(3)
في المخطوط: جهان بحبار، بدون تنقيط. وأخذنا بقراءة-
- برنارد لويس: أصول
…
158 حيث قال إنّه اسم فارسي غريب عن المؤلّفين العرب، وأنّه اسم الرجل الذي موّل الحركة الباطنيّة.
(1*)«قدح الطبيب العين: أخرج منها الماء المنصبّ إليها من الداخل» . فهذا التفسير الحرفيّ لصفة «قدّاح» يخالف التفسير «الباطني» الذي يدلي به المعزّ في المجالس والمسايرات، 411:«هو الميمون المبارك السعيد، قادح زناد الحقّ، موري نور الحكمة» . وقد قالوا أيضا القدّاح هو باري القداح، أي السهام.
(2*) هو علي بن الفضل الجيشاني الذي مرّ ذكره في كلام النعمان، وكنية «أبو الحسن» - أو أبو الحسين كما في المخطوط- أوفق لعليّ منها لمحمّد.
والقلق على صاحب هذا القبر. فلو أدركته ما كنت تصنع؟
قال: كنت أجاهد بين يديه وأبذل مالي ودمي دونه.
فقال: أتظنّ أنّه ما بقي لله حجّة (1) بعد صاحب هذا القبر؟
قال: بلى، ولكن لا أعرفه بعينه.
قال: فتريده؟
قال: أي والله.
فسكت عنه الداعي. فقال له: ما قلت لي هذا القول إلّا وأنت عارف به.
فسكت [214 ب] الداعي، فقوي ظنّ ابن الفضل بأنّ الرجل يعرف الإمام والحجّة، فألحّ عليه، فقال له: دعني أفكّر، واطلب واصبر ولا تعجل، وأقم، فإنّ هذا الأمر لا يتمّ بالعجلة، ولا بدّ له من صبر.
(قال) فمضى الداعي إلى ابن القدّاح وعرّفه حال ابن الفضل فأخذه وجمع بينه وبين أحمد ابن القدّاح. وكان أحمد أبدا يقول للحسن بن حوشب (2): «هل لك في غربة في الله؟ » فيقول:
«الأمر إليك يا سيّدي» . فلمّا اجتمع بابن الفضل، قال له:«قد جاء [ما] كنت تريد يا أبا القاسم: هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن كثير المال ومن الشيعة، وقد أمكنك ما تريد، وثمّة خلق من الشيعة فاخرج وعرّفهم أنّك رسول المهديّ، وأنّه في هذا الزمان يخرج من اليمن، واجمع المال والرجال، والزم الصوم والصلاة والتقشّف» .
وجمع بينه وبين ابن الفضل وأخرجه معه وقال:
وخرجا إلى أرض اليمن، ونزل ابن حوشب بعدن، وفيها قوم يعرفون ببني موسى، وخبرهم عند ابن القدّاح. فلمّا قدم ابن حوشب اجتمعوا به وقالوا له: أنت رسول المهديّ ونحن إخوانك.
ولم يزل ابن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة من الإماميّة فيبادرون إليه ويقول بعضهم لبعض: دار الهجرة. فكثر عددهم واشتدّ بأسهم. وكانوا قد نفّذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف بالحلوانيّ والآخر يعرف بأبي سفيان. وتقدّموا إليهما بالوصول إلى أقاصي المغرب والبعد عن المدن والمنابر، وقالوا لهما:
ينزل كلّ واحد منكما بعيدا عن صاحبه وقولا: قد قيل لنا: اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها واكرباها (1*) حتى يجيء صاحب البذر. فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة تسمّى مرمجنّة، والآخر بسوجمار (2*)، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما. وماتا على قرب بينهما.
فقال ابن حوشب لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الشيعيّ- وقد كان هاجر إلى ابن حوشب-: «يا أبا عبد الله، أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلوانيّ وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك. فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك! » فخرج أبو عبد الله.
(1) الحجّة: مصطلح إسماعيليّ آخر بمعنى: الخليفة والنائب والوصيّ.
(2)
في المخطوط: للحسين، وهو الحسن بن فرح بن حوشب كما مرّ.
(1*) كرب الأرض (باب نصر): حفرها وقلبها.
(2*) سوق حمّاد في المخطوط، ونزل أبو سفيان ب «تالا» من أرض مرماجنّة. شرح الأخبار 3/ 412. وقد عرّفنا بسوجمار في عيون الأخبار، 85.