الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مذهب مالك رحمه الله.
وكان ابن القاسم كبير أصحاب مالك ورأسهم، مع الدين والزهد.
قال الحرث بن مسكين (1)، وذكر ابن القاسم:
كان في الزهد والورع شيئا عجيبا.
وسئل مالك عن ابن وهب وابن القاسم فقال:
ابن وهب رجل عالم، وابن القاسم فقيه.
وعن أسد بن الفرات: كان ابن القاسم يختم كلّ ليل ويوم ختمتين (2)، فترك لي حين جئته ختمة رغبة في إحياء العلم.
وتوفّي ابن القاسم في ليلة الجمعة لسبع مضين من صفر سنة إحدى وتسعين ومائة، ودفن بالقرافة قبالة قبر أشهب.
ورآه سحنون في نومه فقال: ما فعل الله بك؟
فقال: وجدت عنده ما أحببت.
قال: فما وجدته أفضل؟
قال: تلاوة القرآن.
قال: فالمسائل؟
فأشار بأصبعه يليّشها (3). فسأله عن ابن وهب فقال: هو في علّيين.
1438 - ابن المسجّف العسقلانيّ [583 - 636]
(4)
[25 أ] عبد الرحمن بن أبي القاسم بن غنائم بن يوسف، بدر الدين، أبو محمد، المعروف بابن المسجّف، العسقلانيّ.
ولد في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ومات بدمشق في [
…
] المحرّم سنة ستّ وثلاثين وستّمائة.
وقدم القاهرة وأقام بها.
1439 - عبد الرحمن ابن الأشعث [- 84]
[26 أ] عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عديّ بن ربيعة بن الحارث بن الأصغر، ابن الحارث الأكبر، ابن معاوية بن ثور بن مرفع بن معاوية بن ثور بن عفير بن عدي بن مرّة بن أدد بن زيد بن [منجب]، الكنديّ، أبو [
…
]، ابن أبي القاسم، ابن أبي محمّد.
أسلم جدّه الأشعث بن قيس سنة عشر بعد ما كان في الجاهليّة رئيسا مطاعا في كندة، فبقي في الإسلام وجيها في قومه، إلّا أنّه ارتدّ عن الإسلام بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتي به أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه أسيرا فأسلم. وزوّجه أبو بكر بأخته أمّ فروة بنت أبي قحافة، فولدت له محمد بن الأشعث.
فلمّا استخلف عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، خرج الأشعث مع سعد بن أبي وقّاص إلى العراق فشهد القادسيّة والمدائن وجلولاء ونهاوند، ونزل الكوفة في دار اختطّها.
ثمّ شهد تحكيم الحكمين. ومات بالكوفة سنة أربعين، وقيل اثنتين وأربعين.
وابنه محمد روى عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعائشة. وحدّث عنه الشعبيّ ومجاهد.
وخرّج له أبو داود والنسائيّ. وقتله المختار بن أبي عبيد الثقفيّ سنة سبع وستّين في محاربته لمصعب بن الزبير، وكان محمد مع مصعب
(1) الحرث بن مسكين: انظر الكندي 502 (ت 520)، وهو من قضاة مصر. وله ترجمة في المقفّى رقم 1114.
(2)
ثلاث ختمات في رياض النفوس 1/ 261.
(3)
كلمة غير مفهومة، وكأنها منحوتة من لا شيء.
(4)
الوافي، 18/ 220 (267) وقال: الأديب، الشاعر، وأكثر شعره في الهجو ووفاته فيه سنة 635.
يستنفر الناس لقتال المختار ويحرّض عليه ويقاتله بأصحابه وقومه.
وأمّا عبد الرحمن بن محمّد فإنّه ولد [
…
] (1).
ثمّ بعثه بشر بن مروان بكتاب مددا لخالد بن عبد الله بن أسيد القسريّ، وهو يقاتل الخوارج.
فسار في جيش كثيف إلى خالد وقاتل معه قطريّ بن الفجاءة وأبلى بلاء حسنا، وصرع يومئذ هو ويزيد بن المهلّب بن أبي صفرة فحامى عنهما أصحابهما حتى ركبا [26 ب].
فلمّا كانت سنة تسع وسبعين أغزى الحجّاج بن يوسف عبد الله بن أبي بكرة بلّاد رتبيل (2)، وكان على سجستان، فغنم، وهدم حصونا، وغلب على بعض أراضي الترك. ثم ألجئوه حتى صالحهم ونجا بمن بقي معه وكتب إلى الحجّاج فاستأذن عبد الملك بن مروان في تسيير العساكر فأذن له.
فأخرج من أهل الكوفة عشرين ألف فارس، ومن أهل البصرة عشرين ألف فارس، وأعطاهم عطاءهم كاملا، وأنفق فيهم ألفي درهم سوىأعطياتهم، وألزمهم أن يسيروا بالخيول الرائقة والسلاح الكامل، وقدّم عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع بغضه له. وقال:«ما رأيته قطّ إلّا أردت قتله» . فبلّغ عامر الشعبيّ ذلك له فقال: والله لأحاولنّ أن أزيل الحجّاج عن سلطانه.
فأتى إسماعيل بن الأشعث الحجّاج وقال له:
لا تبعث عبد الرحمن، فو الله ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه طاعة، وإنّي أخاف خلافه.
فقال: هو أهيب لي من أن يخالف أمري.
وسيّره في سنة ثمانين فمضى حتّى قدم سجستان. فجمع أهلها وقام خطيبا فقال: إنّ الحجّاج ولّاني أمركم، وأمرني بجهاد عدوّكم الذي استباح بلادكم. فإيّاكم أن يتخلّف منكم أحد فتمسّه العقوبة!
فعسكروا معه. وسار بهم، فبعث إليه رتبيل يعتذر ويبذل الخراج فلم يقبل منه ومضى، فلم يلقه رتبيل وترك بلاده. فاحتوى عليها عبد الرحمن، وملك حصونها وبثّ عمّاله في الأعمال وندب معهم الأعوان وأقام على العقاب والشعاب أرصادا ووضع في كلّ مكان مخوف مسلحة، فحوى أرضا عظيمة وامتلأت أيدي من معه على كثرتهم بالغنائم العظيمة.
ثمّ أمسك عن المسير ومنع الناس من التوغّل في أرض الترك وقال: نكتفي بما قد أصبناه العام من بلادهم حتّى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها. وفي العام المقبل نأخذ ما وراءها إن شاء الله تعالى حتّى نقاتلهم في آخر ذلك على كنوزهم في آخر بلادهم.
وكتب بما فتح الله عليه إلى الحجّاج وعرّفه ما عزم عليه. فكتب إليه: إنّ كتابك كتاب امرئ يحبّ الهدنة ويستريح إلى الموادعة، قد صانع [عدوّا] قليلا ذليلا قد أصابوا للمسلمين جندا كان بلاؤهم حسنا وغناؤهم عظيما. وإنّك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ بجندي وحدّي لتسخو نفسك بمن أصيب من المسلمين. فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم!
ثمّ [27 أ] أردفه بكتاب ثان وفيه: أمّا بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها فإنّها دارهم حتى يفتحها الله عليهم.
(1) انظر فصل دائرة المعارف الإسلامية 3/ 737 - الوافي، 18/ 225 (273) - ويأتي هنا بياض بقدر ستّة أسطر.
(2)
انظر: الكامل 4/ 454. وفي هذا الاسم اختلاف بسطه ش. بلّا في المروج، 6/ 358 تحت: زنبيل.
وكتب كتابا ثالثا بمعناهما وفيه: إن مضيت لما أمرتك، وإلّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس!
فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم: إنّي لكم ناصح، ولصلاحكم محبّ، ولكم في كلّ ما يحيط به نفعكم ناظر. وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوّكم ما رضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم. وكتبت بذلك إلى أميركم الحجّاج، فأتاني كتابه يعجّزني ويضعّفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم إلى أرض العدوّ، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس. وإنّما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم.
فثار إليه الناس وقالوا: بل نأبى على عدوّ الله ولا نسمع له ولا نطيع!
وكان أوّل من تكلّم أبو الطفيل عامر بن واثلة- وله صحبة- فقال بعد حمد الله: أمّا بعد، فإنّ الحجّاج يرى بكم ما رأى القائل الأوّل: أحمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك! (1) إنّ الحجّاج لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا كثيرة ويغشّي بكم اللهوب واللصوب (2)، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه. وإن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم. اخلعوا عدوّ الله الحجّاج وبايعوا الأمير عبد الرحمن، فإنّي أشهدكم أنّي أوّل خالع!
فنادى الناس من كلّ جانب: فعلنا! فعلنا! قد خلعنا عدوّ الله!
وقام عبد المؤمن بن شيث بن ربعي ثانيا فقال:
عباد الله، إنّكم إن أطعتم الحجّاج جعل هذه البلاد
بلادكم وجمّركم تجمير فرعون الجنود. فإنّه بلغني أنّه أوّل من جمّر البعوث (1*). ولن تعاينوا الأحبّة أو يموت أكثركم فيما أرى. فبايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوّ الله الحجّاج فانفوه عن بلادكم!
فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجّاج ونفيه من العراق وعلى النصرة له.
ولم يذكروا عبد الملك بن مروان.
فجعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشيباني، وعلى زرنج (2*) عبد الله بن عامر التميميّ، وصالح رتبيل على أنّه إن ظهر على الحجّاج أسقط عنه الخراج أبدا ما بقي، وإن هزم وصار إليه منعه.
فلمّا تمّ ذلك قفل عبد الرحمن إلى العراق، وسار وبين يديه أعشى همدان، وهو يقول [الرجز]:
شطت نوى من داره بالإيوان
…
إيوان كسرى ذي [القرى] والريحان
من [عاشق] أمسى بزابلسان
…
إنّ ثقيفا منهم الكذّابان [27 ب]
كذّابها الماضي وكذّاب ثان
…
أمكن ربّي من ثقيف همدان (3*)
يوما إلى الليل يسلّي ما كان
…
إنّا سمونا للكفور الفتّان
حين طغى في الكفر بعد الإيمان
…
بالسيّد الغطريف عبد الرحمن 5
سار بجمع كالدبى من قحطان
…
ومن معدّ قد أتى ابن عدنان
(1) مجمع الأمثال 152: يضرب لكلّ ما هان عليك أن تخاطر به.
(2)
اللصب واللهب بالكسر: مضيق الوادي والشقّ بين صخور الجبل واللصوب واللهوب هنا: المضايق والمصاعب.
(1*) تجمير العساكر: حبسهم في الثغور ومنعهم من العود إلى أهليهم. قال عمر (رضه): لا تجمّروا الجيش فتفتنوهم (اللسان: جمر) وفيه أنّ كسرى جمّر بعوث فارس.
(2*) بست: من أعمال كابل، وزرنج: قصبة سجسجتان (ياقوت).
(3*) في ثقيف كذّاب ومبير: قولة منسوبة إلى أسماء بنت أبي بكر. انظر أنساب الأشراف 7/ 2 في ترجمة الحجّاج.
بجحفل جمّ شديد الأركان
…
فقل لحجّاج وليّ الشيطان
يثبت لجمع مذحج وهمدان
…
فإنّهم ساقوه كأس الذيفان (1)
وملحقوه بقرى ابن مروان
وجعل عبد الرحمن على مقدّمته عطيّة بن عمرو العنبريّ، وبعث على كرمان خرشة (2) بن عمرو التميميّ.
فلمّا بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: إذا خلعنا الحجّاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك.
فثار أبجر (3) بن تيم الله بن ثعلبة وقال: أيّها الناس إنّي خلعت أبا الذبّان (4) كخلعي قميصي.
فخلعه الناس إلّا قليلا منهم، وبايعوا عبد الرحمن على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم، وجهاد المحلّين.
فلمّا بلغ الخبر إلى الحجّاج كتب إلى عبد الملك يعلمه، وسأله تعجيل إنفاذ الجيوش إليه.
وسار إلى البصرة، وجيوش عبد الملك تصل إليه شيئا بعد شيء حتّى تكاملت عنده. فسار إلى تستر وقدّم خيلا فلقوا طليعة عبد الرحمن وقاتلوهم قتالا شديدا. فانهزم أصحاب الحجّاج في يوم الأضحى سنة إحدى وثمانين وقتل منهم جمع كبير. فعاد الحجّاج إلى البصرة، وتبعه أصحاب عبد الرحمن فقتلوا منه وأصابوا بعض أثقاله، فلم
ينزل بالبصرة وتركها وعسكر بالزاوية. وفرّق في أصحابه مائة وخمسين ألف ألف درهم.
فأقبل عبد الرحمن إلى البصرة واستولى عليها بغير مدافع، وبايعه جميع أهلها من القرّاء والكهول وغيرهم على حرب الحجّاج وخلع عبد الملك في آخر ذي الحجّة [سنة 82]. وخندق عبد الرّحمن على نفسه كما خندق الحجّاج.
والتقى الجمعان في المحرّم سنة اثنتين وثمانين فاقتتلوا قتالا شديدا تزاحفوا فيه عدّة دفعات.
واشتدّ قتالهم في آخر المحرّم، فانهزم أصحاب الحجّاج حتى انتهوا إليه وقاتلوا على خنادقهم. ثمّ تزاحفوا آخر يوم من المحرّم فتقوّضت صفوف الحجّاج، وجثا على ركبتيه وعزم على أن لا يفرّ.
فحمل سفيان بن الأبرد [الكلبي] على ميمنة عبد الرحمن فهزمها، فانهزم الجميع وأقبلوا مع عبد الرحمن نحو الكوفة، وقد قتل منهم خلق كثير، فيهم جماعة من القرّاء- ثمّ قتل الحجّاج منهم غدرا أحد عشر ألف رجل- فسمّيت هذه الوقعة [28 أ] وقعة الزاوية.
فأقاموا صفر، وعبد الرحمن بالكوفة، وقد استولى على القصر، واستمرّ الحال إلى شعبان من هذه السنة [سنة 82]- وقيل: من سنة ثلاث وثمانين.
فسار الحجّاج من البصرة ونزل دير قرّة قريبا من الكوفة. فبرز إليه عبد الرحمن من الكوفة وعسكر بدير الجماجم فتطيّر الحجّاج على عبد الرحمن.
واجتمع على عبد الرحمن أهل الكوفة والبصرة والقرّاء وأهل الثغور. واجتمع مع الحجّاج أمداده من أهل الشام، وخندق كلّ منها على نفسه، واقتتلوا كلّ يوم.
فبعث عبد الملك بابنه عبد الله وبأخيه محمد،
(1) الأبيات عند الطبريّ، 4/ 463، وفي الأغاني 6/ 58، وفي الكامل 4/ 463. والذيفان: السمّ.
(2)
في الكامل حريثة. وعند الطبريّ، 6/ 337: خرشة كما في المخطوط.
(3)
في الكامل: تيجان من أبحر.
(4)
في المعارف، 355: يكنّى أبا الذبّان لبخره ورشح الحجر لبخله.
فعرضا على أهل العراق عزل الحجّاج، وأن تجرى عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن أيّ بلد شاء من العراق فيكون واليا عليه ما دام حيّا، وعبد الملك خليفة.
فاجتمعوا عند عبد الرحمن فقال لهم: قد أعطيتم أمرا انتهازكم اليوم إيّاه فرصة. فإنّكم اليوم على النّصف. فإن كانوا اعتدّوا عليكم بيوم الزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر. فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزّاء أقوياء، فالقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون، فو الله لا زلتم عليهم أجرياء وعندهم أعزّاء أبدا ما بقيتم إن أنتم قبلتم.
فوثب الناس من كلّ جانب فقالوا: إنّ الله قد أهلكهم فأصبحوا في المجاعة والضنك والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرخيص والمادّة القريبة. لا والله، لا نقبل!
وأعادوا خلعه مرّة ثانية، فكان هذا الخلع أكثر جمعا من خلعهم بفارس. وقال عبد الرحمن: ألا إنّ بني مروان يعيّرون بالزرقاء. والله ما لهم نسب أصحّ منه! ألا إنّ بني أبي العاص أعلاج من أهل صفوريّة (1). فإن يكن هذا الأمر في قريش فعنّي [تقشّرت] بيضة قريش، وإن يكن في العرب، فأنا ابن الأشعث! - ومدّ بها صوته ليسمع الناس.
وبرزوا للقتال وعلى ميمنة عبد الرحمن الحجّاج بن حارثة الخثعميّ، وعلى ميسرته الأبرد بن قرّة التميميّ، وعلى خيله عبد الرحمن بن العبّاس بن ربيعة الهاشميّ، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقّاص، وعلى القرّاء جبلة بن زحر بن قيس الجعفيّ، وفيهم سعيد بن جبير، وعامر الشعبيّ، وأبو البختريّ الطائيّ،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وتزاحفوا كلّ يوم، وعبد الرّحمن يأتيه مدده وموادّه من الكوفة وسوادها فهو وأصحابه في خصب، والحجّاج ومن معه في ضيق شديد قد غلت عندهم [28 ب] الأسعار وفقد اللحم.
وأبلى القرّاء في القتال بلاء عظيما. ونادى جبلة ابن زحر: يا عبد الرحمن بن أبي ليلى، يا معشر القرّاء، إنّ الفرار ليس بأحد أقبح به منكم. إنّي سمعت عليّ بن أبي طالب، رفع الله درجته في الصالحين وأثابه ثواب الصدّيقين والشهداء، يقول يوم لقينا أهل الشام: أيّها المؤمنون، إنّه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ. ومن أنكره بلسانه فقد أجر (1*)، وهو أفضل من صاحبه. ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوّر قلبه باليقين.
فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفو [ن] هـ، وعلموا بالعدوان فلا ينكرو [ن] هـ.
وقال أبو البختري: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم!
وقال الشعبيّ: أيّها الناس، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فو الله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم!
وقال سعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال جبلة: احملوا عليهم حملة صادقة ولا تردّوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفّهم.
فحملوا حملة صادقة وضربوا الكتائب حتى أزالوها وفرّقوها. وتقدّموا إلى أن واقعوا صفّهم
(1) صفوريّة: قرب طبريّة بالأردنّ (ياقوت). والزرقاء لقب أمّ مروان بن الحكم والسمسا أرنب. وانظر أسفله ص 201 هـ 1. ولم يشرح ابن الأثير 4/ 472 حقيقة النبز.
(1*) في الكامل: 4/ 85: أجسر.
فأزالوه عن مكانه. فقتل جبلة ولم يعرف قاتله، وحملت رأسه إلى الحجّاج فبشّر أصحابه بذلك.
وجزع القرّاء لموته فقال أبو البختريّ: لا يظهرنّ عليكم الجزع، فإنّما كان كرجل منكم أتته منيّته فلم يكن ليتقدّم ولا يتأخّر.
فظهر الفشل فيهم، وناداهم أصحاب الحجّاج:
يا أعداء الله، قد هلكتم وقد قتل طاغيتكم!
فقدّم القرّاء عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان شجاعا. فدخل عسكر الحجّاج فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهنّ فقال الحجّاج: منعوا نساءهم، لو لم يردّوهنّ لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم.
واستمرّت الحرب مائة يوم وثلاثة أيّام من حين نزولهم بدير الجماجم لليلة من ربيع الأوّل إلى أن كانت الهزيمة لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة.
فلمّا كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشدّ قتال، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجّاج، فحمل سفيان بن الأبرد من ميمنة الحجّاج على الأبرد بن قرّة صاحب ميسرة عبد الرحمن فانهزم الأبرد من غير قتال، فظنّ الناس أنّه قد بيّت معه أن ينهزم. وتقوّضت الصفوف من نحوه [29 أ] فصعد عبد الرحمن المنبر فنادى الناس: إليّ عباد الله، فأتاه جماعة، وقد ثبت حتى دنا منه أصحاب الحجّاج فقاتلهم وقد دخل عليه أصحاب الحجّاج في عسكره فقال له عبد الله بن يزيد [بن المفضّل الأزدي]: انزل فإنّي أخاف عليك أن تؤسر، ولعلّك إن انصرفت أن يجتمع إليك جمع يهلكهم الله به.
فنزل وانهزم بمن معه لا يلوي على شيء حتى أتى البصرة. فاجتمع إليه المنهزمون وبايعه الناس على الموت، وقد صار في جميع كبير. فعسكر بمسكن (1*) وخندق عليه وعلى أصحابه. فأتاه الحجّاج بعد ما ملك الكوفة. واقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال. فانهزم عبد الرحمن، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبو البختري في أربعة آلاف من الشجعان. ومرّ عبد الرحمن بن الأشعث نحو سجسجتان، فأتبعه الحجّاج بابنه محمد بن الحجّاج على جيش فقاتلوه بالسوس ساعة فانهزم إلى سابور. واجتمع إليه الأكراد فقاتله جيش الحجّاج قتالا شديدا فهزمهم ومضى إلى كرمان فلقيه عامله بالإنزال.
ثمّ رحل إلى زرنج (2*) فلم يمكّن منها، فسار إلى بست وعليها من قبله عياض بن هميان فاستقبله وأنزله: فلمّا تفرّق أصحابه قبضه وأوثقه ليبعث به إلى الحجّاج. وقد كان رتبيل ملك الترك قد سمع بمقدمه، فسار إليه ونزل على بست، وبعث إلى عياض: والله لئن آذيته بما يقذي عينه أو أخذت منه ولو حبلا لا أبرح حتّى استنزلك وأقتلك وجميع من معك وأسبي ذراريكم وأغنم أموالكم!
فخلّى عنه. وخرج إلى رتبيل فسار به إلى بلاده وأكرمه وعظّمه ولحق به جماعة من أصحابه وأشاروا عليه أن يسير عن سجستان إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلّب. فسار إلى هراة، فتركه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة في ألفين ومضى عنه. فعزم على العود إلى رتبيل، فتفرّق عنه معظم أصحابه وبقي في طائفة. فمضى إلى رتبيل، فقال له علقمة بن عمرو الأودي: ما أريد أن أدخل معك إلى رتبيل لأنّي أتخوّف عليك وعلى من معك.
والله لكأنّي بالحجّاج وقد كتب إلى رتبيل يرغّبه ويرهّبه. فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلك.
(1*) زاد الطبريّ، 6/ 366: على دجيل.
(2*) السوس وسابور وزرنج بخوزستان (ياقوت).