الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فغضب إسحاق وقال: والله لقد سمعته يقول فيكم مثل هذا القول.
فقال أبو جعفر المنصور: إنّما أنت يا أبا نخيلة مع كلّ ريح.
وأمر أبو العبّاس لأبي نخيلة بخمسين ألف درهم (1).
وجلس أبو العبّاس يوما للنّاس، فقام رجل فذمّ أهل الشام والجزيرة، فقال له إسحاق: كذبت يا ابن الزانية!
فقال زياد بن عبد الله: خذ للرجل بحقّه يا أمير المؤمنين.
فقال أبو العبّاس: أترى قيسا ترضى بأن يضرب شيخها وسيّدها حدّا؟ لو دعوته بالبيّنة لجاء مائة من قيس يشهدون أنّ قوله حقّ.
فترك الرجل مطالبته.
[أصل بردة الخلفاء العبّاسيّين]
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع بردا له إلى ناس من النصارى من أهل دومة الجندل وأهل مقنا أمانا لهم. فاشتراه أبو العبّاس من أولادهم بأربعمائة دينار. فهو [البرد الذي] يلبسه الخلفاء. وذكر الواقدي أنّ الذي [ن] دفع إليهم البرد أهل تبوك.
وقال الهيثم بن عديّ: أهل أيلة.
ويقال: دفن مروان بن محمد البرد والقعب والمخضب (2) لئلّا تصير إلى بني العبّاس فدلّهم عليها خصيّ لمروان.
ومن كلام أبي العبّاس: إذا عظمت القدرة قلّت الشهوة، وقلّ تبرّع إلّا ومعه حقّ مضاع.
وقال: إنّ من أدنياء الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما والحلم ذلّا.
وقال: إذا كان الحلم مفسدة، كان العفو معجزة، والصبر حسن إلّا على من أوتغ (1*) الدّين وأوهن السلطان. والأناة محمودة إلّا عند إمكان الفرصة.
ووجد على إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان من صحابته وسمّاره فحجبه. فذكر عنده وقيل إنّه لحسن العلم والحديث. فقال عيسى بن عليّ: إنّه لكذلك، أفلا تصفح عنه يا أمير المؤمنين وتعيده إلى مجلسك؟
فقال: [لا] يمنعني من ذلك إلّا أنّي لا أحبّ أن يتبيّن الناس أنّ رضاي قريب من سخطي، وسوف أدعو به.
وقالت أمّ سلمة امرأته: ما أحسن الملك لو كان يدوم!
فقال: لو كان يدوم دام لمن قبلنا فلم يصل إلينا.
وكان يقول: إن أردنا علم الحجاز وتهامة فعند سعيد بن عمرو بن الغسيل الأنصاريّ. وإن أردنا علم تميم وعلوم فارس والعجم فعند خالد بن صفوان. وإن أردنا علم الدنيا والآخرة، والجنّ والإنس، فعند أبي بكر الهذليّ.
وكان هؤلاء سمّاره وحدّاثه [78 ب].
وركب بالأنبار فمرّ بقوم من الفعلة، فقال لعيسى بن عليّ: يا أبا العبّاس، إنّ السعيد لمن سلم من الدنيا. ولوددت أنّي لم أتقلّد شيئا ممّا تقلّدت: أهؤلاء أحسن حالا وأخفّ ظهورا في معادهم أم أنا؟
- والقرقر: الأرض المطمئنّة الليّنة. والديدبان: حمار الوحش.
(1)
في الأغاني 20/ 387: ولم يعط أبا نخيلة شيئا.
(2)
في المروج 4/ 88:
…
والقضيب ومخصر
…
(1*) وتغ يوتغ وتغا (وزن فرح): هلك.
فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد أحسن الله إليك، وإلى الأمّة بك، وأنقذهم ببركتك من جور بني أميّة وجبروتهم.
ودخل عليه عبد الله بن عيّاش الهمداني بعد مقتل مروان بن محمّد الجعدي (1) فقال: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة (2) وابن أمة النخع ابن عمّ رسول الله وابن عبد المطّلب- يريد أنّ أمّ مروان كانت جارية إبراهيم بن الأشتر النخعيّ (3)، فأخذها أبوه محمد بن مروان بن الحكم حين حارب إبراهيم أيّام مصعب بن الزبير فولدت مروان بن محمد. وكان مروان عاتيا لا يبالي ما صنع، فكان يقال: مروان أكفر من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جبّارا قتّالا لا يبالي ما أقدم عليه فسمّي حمار الجزيرة (4).
ودخل عليه مشيخة من أهل الشام فقالوا: «والله ما علمنا أنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة يرثونه إلّا بني أميّة، حتّى وليتم» . فقال إبراهيمبن مهاجر (الرمل):
أيّها الناس اسمعوا أخبركم
…
عجبا زاد على كلّ عجب
عجبا من عبد شمس إنّهم
…
فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا
…
دون عبّاس بن عبد المطّلب
كذبوا والله ما نعلمه
…
يحرز الميراث إلّا من قرب
وكتب أبو العبّاس إلى زياد بن عبد الله
الحارثيّ، وهو عامله على المدينة، أن يخرج المخنّثين عنها، فأمر بإخراجهم فقال له صاحب شرطته: إنّ في دارنا مخنّثا، فإن رأى الأمير أن يدعه؟
فقال: دع في كلّ دار مخنّثا.
فقال: إذن نحتاج إلى أن نجلبهم من الآفاق!
وكانت أمّ سلمة بنت يعقوب المخزوميّة عند [
…
] مسلمة بن هشام بن عبد الملك فطلّقها فصارت إلى فلسطين فتزوّجها أبو العبّاس قبل الخلافة، وثبت عليها بعد ما صارت إليه الخلافة فكلّمته في سليمان بن هشام بن عبد الملك وقالت إنّه كان مباينا لمروان بن محمد، فلم يعرض له.
وكان يدخل عليه، فبينا هو ذات يوم عنده إذ دخل عليه سديف بن ميمون مولى بني هاشم فأنشد (الخفيف):
أصبح الدين ثابت الأساس
…
بالبهاليل من بني العبّاس [79 أ]
يا كريم المطهّرين من الرّج
…
س ويا رأس كلّ قرم وراس
أنت مهديّ هاشم ورضاها
…
كم أناس رجوك بعد أناس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا
…
واقطعوا كلّ رقلة وغراس (1*)
أنزلوها بحيث أنزلها الل
…
هـ بدار الهوان والإتعاس 5
فلقد غاظني وأوجع قلبي
…
قربهم من نمارق وكراسي
اذكروا مصرع الحسين وزيد
…
وقتيلا بجانب المهراس (2*)
(1) الجعديّ نسبة إلى الجعد بن درهم القائل برأي القدريّة.
وعبد الله بن عيّاش هو المعروف بالمنتوف.
(2)
الكامل 321 هامش 3: وكان مروان يلقّب بالحمار.
(3)
في المروج (2273): كانت لمصعب.
(4)
أكفر من حمار: مجمع الأمثال، رقم 9203، وزهر الأكم لليوسيّ، 1/ 316.
(1*) الرقلة: النخلة الباسقة.
(2*) المهراس: جبل قرب أحد، به دفن حمزة بن عبد-
والإمام الذي بحرّان أضحى
…
رهن قبر مجاور الأرماس
وأنشد [الخفيف]:
أظمأتنا بنو أميّة حتى
…
ما غبطنا مسوّغا للحياة
كيف بالعفو عنهم، وقديما
…
قتّلونا وهتكوا الحرمات (1)
قتلوا سبط أحمد، لا عفا الرح
…
مان عنهم مكفّر السيّئات
أين زيد، وأين يحيى بن زيد
…
يا لها من مصيبة وترات!
والإمام الذي أصيب بحرّا
…
ن إمام الهدى ورأس الثقات
لا تزال الصدور آلمة ما
…
لم تنل من أميّة الثارات
وأنشد [الخفيف]:
لا يغرّنك ما ترى من رجال
…
إنّ تحت الضلوع داء دويّا
فضع السيف في ذوي الغدر حتّى
…
لا ترى فوق ظهرها أمويّا
وأنشد [الوافر]:
علام وفيم نترك عبد شمس
…
لها في كلّ ناحية ثغاء
فما بالرمس من حرّان فيها
…
ولو قتلت بأجمعها وفاء
فلمّا أنشد سديف الشعر قام سليمان فقال:
إنّ هذا يشحذك عليّ، وقد بلغني أنّك تريد اغتيالي.
فقال: يا جاهل، ومن يمنعني منك حتّى أقتلك اغتيالا؟ خذوه!
فأخذ فقتل.
وكان أبو مسلم كتب إلى أبي العبّاس في أمر سليمان: إذا كان عدوّك ووليّك عندك سواء، فمتى يرجوك المطيع لك المائل إليك، ومتى يخافك عدوّك المتجانف عنك؟
ويقال: لمّا أنشد سديف شعره خرج سليمان فقال له: قتلتني قتلك الله!
ثم دعا أبو العبّاس أبا الجهم بن عطية فقال له:
بلغني عن سليمان بن هشام أمر أكرهه فاقتله!
فأخرجه وقتله وابنا له، وصلبهما. وحضر غلام له أسود فجعل يبكي عليه ويقول: هكذا الدّنيا تصبح عليك مقبلة وتمسي عنك مدبرة.
وقيل: دفع سليمان إلى عبد الجبّار صاحب الشرطة، فأمر المسيّب بن زهير فقتله.
ومدح أبو العطاء السندي بني العبّاس في أوّل خلافة أبي العبّاس فقال [79 ب][الكامل]:
إنّ الخيار من البريّة هاشم
…
وبنو أميّة أرذل الأشرار
وبنو أميّة عودهم من خروع
…
ولهاشم في المجد عود نضار
أمّا الدعاة إلى الجنان فهاشم
…
وبنو أميّة من دعاة النار
فلم يصله بشيء، فقال [بسيط]:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا
…
وأنّ عدل بني العبّاس في النار!
وقال أيضا [الطويل]:
- المطّلب (ياقوت) وإبراهيم الإمام أخو السفّاح (العقد، 5/ 90).
(1)
في هامش المخطوط قراءة أخرى للشطر:
…
قتّلونا بالضرب والمثلاث.
وأخبار سديف بن ميمون ومقتله في العقد، 5/ 88.
بني هاشم، عودوا إلى نخلاتكم
…
فقد عاد سعر التمر صاعا بدرهم
فإن قلتم: رهط النبيّ محمد
…
فإنّ النصارى رهط عيسى بن مريم
فطلب فهرب ولم يظهر حتى مات.
ورفع عبد الله بن عيّاش المنتوف إلى أبي العبّاس حوائج، وكان فيها أن يجزّ لحية علي بن صفوان ليشوّه به، وكان طويل اللحية. فلمّا دخل أبوالعبّاس المقصورة وصعد المنبر رأى ابن عيّاش وابن صفوان قبالته ورأى طول لحية ابن صفوان، فاستضحك فوضع كمّه على وجهه. فلمّا انصرف قال لابن عيّاش: ويلك! كدت تفضحني.
فقال: والله ما أردت إلّا أن تذكر حاجتي!
وقال الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش: ابتدأ أبو العبّاس آل أبي طالب بالبرّ والكرامة، فكان ذلك لا يزيدهم إلّا التواء عليه. وكان عبد الله بن حسن بن حسن أشدّهم له حسدا وأقلّهم له شكرا. فقال أبو العبّاس يوما: لقد صدق معاوية حين قال: «ما أحد من الناس إلّا وأنا أستطيع إرضاءه إلّا حاسد نعمة لا يرضيه عنّي إلّا زوال نعمتي، فلا أرضاه الله عنّي أبدا» . وهؤلاء بنو أبي طالب قد وصلت أرحامهم فأحسنت برّهم يأبون بحسدهم وسوء نيّاتهم إلّا القطيعة. وإنّي أتخوّف أن يعود حلمي عليهم بما يكرهون في عواقب الأمور. والله المستعان.
ويقال: أقدم أبو العبّاس عبد الله بن حسن عليه فبرّه وأكرمه وأعطاه ألف ألف درهم. فلمّا انصرف إلى المدينة أتاه أهلها مسلّمين عليه، وجعلوا يدعون لأبي العبّاس لبرّه وإجزاله صلته فقال عبد الله: يا قوم، ما رأيت أحمق منكم! تشكرون رجلا أعطانا بعض حقّنا، وترك أكثره!
فبلغ ذلك أبا العبّاس فدعا إخوته وأهل بيته، وجعل يعجّبهم من قول عبد الله. فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّما تتمّ إحسانك إليه وإنعامك عليه بالصفح عنه- إلّا أخوه أبو جعفر فإنّه تكلّم فيه بكلام شديد [80 أ] وقال: إنّ الحديد بالحديد يفلج!
فقال أبو العبّاس: يا أبا جعفر، من تشدّد انفرد، ومن لان تألّف، والجاهل تكفيكه مساوئه.
وقال الهيثم عن ابن عيّاش: كان أبو العبّاس أسخى الناس، ما وعد عدة قطّ فأخّرها عن وقتها، أو قام من مجلسه حتّى يقضيها. ولقد سمعناه يقول: إنّ المقدرة تصغّر الأمنية. ولقد كنّا نستكثر أمورا أصبحنا نستقلّها لأخسّ من صحبناه ثم نسجد لله شكرا.
وقال المدائني: سمر خالد بن صفوان عند أبي العبّاس، ففخر قوم من بني الحرث بن كعب، وخالد ساكت. فقال له أبو العبّاس: تكلّم يا خالد!
فقال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين.
قال: وأنت من أعمامه، وليس الأعمام بدون الأخوال.
قال: وما أكلّم من قوم إنّما هم على افتخارهم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد وفرّقتهم فأرة!
فجعل أبو العبّاس يضحك.
وقال أبو العبّاس لخالد بن صفوان حين أخذ سليمان بن حبيب: أشعرت أنّ سليمان أخذ من بئر؟
فقال: هذا الذي خرج رقصا ودخل قفصا (1*).
ودخل عليه خالد مرّة فقال: لقد وليت الخلافة
(1*) رقصا: مشكولة بفتحتين، ولم نفهمها.