الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكنت أهلها وموضعها: رعيت الحقّ في مسارحه وأوردته موارده فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك وعدلك ورأيك ومجلسك، حتّى كأنّك من كلّ أحد أو كأنّك لست من أحد.
فأعجبه قوله وأمر له بمال.
وقال له أبو العبّاس مرة: ما تقول في أخوالي بني الحرث بن كعب؟
فقال: هنالك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وعرش الجود. إنّ فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم: إنّهم لأطولهم أمما، وأكرمهم شيما، وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما. هم الجمرة في الحرب، والرّفد في الجدب، والرأس في كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب (1).
فقال: لقد وصفت، أبا صفوان، فأحسنت.
وقال البلاذري: حدّثني أبو دهمان بن أبي الأسوار قال: كان أبو العبّاس يسمع الغناء، فإذا قال للمغنّي:«أحسنت» لم ينصرف من عنده إلّا بجائزة وكسوة. فقيل له: «إنّ الخلافة جليلة. فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ؟ » فاحتجب عنهم، وكانت صلاته قائمة لهم.
ولمّا بلغ أبا جعفر عبد الله بن محمد استئذان أبي مسلم للحجّ، وهو يومئذ بالجزيرة واليها هي وأرمينيّة عن أخيه [80 ب] أبي العبّاس، كتب إلى أبي العبّاس يسأله توليته الموسم. فكتب إليه يأمره بالقدوم ليقلّده الموسم. ووافى أبو مسلم فدخل على أبي العبّاس، وأبو جعفر عنده، فسلّم على أبي العبّاس ولم يسلّم على أبي جعفر. فقال له أبو العبّاس: هذا أبو جعفر أخي.
فقال: إنّ مجلس أمير المؤمنين مجلس لا
تقضى فيه الحقوق.
[قتل سليمان بن كثير]
وكان سليمان بن كثير من النقباء. فلمّا قدم أبو جعفر أخو أبي العبّاس خراسان على أبي مسلم، قال له: إنّا كنّا نحبّ تمام أمركم، وقد تمّ بحمد الله ونعمته. فإذا شئتم قلبناها عليه. وكان محمد بن سليمان بن كثير خداشيّا (1*) فكره تسليم أبيه الأمر إلى أبي مسلم. فلما ظهر أبو مسلم وغلب على الأمر، قتل محمدا. ثم أتى سليمان الكفّيّة، وهم الذين بايعوا على أن لا يأخذوا مالا، وأن تؤخذ أموالهم إن احتيج إليها، ويدخلون الجنّة. ويقال إنّهم أعطوا كفّا من حنطة فسمّوا الكفّيّة. وقال لهم: حفرنا نهرا بأيدينا فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء- يعني أبا مسلم. فبلغ قوله أبا مسلم فاستوحش منه، وشهد عليه أبو تراب الداعية، ومحمد بن علوان المروزيّ وغيرهما في وجهه بأنّه أخذ عنقود عنب وقال:«اللهمّ سوّد وجه أبي مسلم كما سوّدت هذا العنقود، واسقني دمه! » ، وشهدوا أنّ ابنه كان خداشيّا، وأنه بال على كتاب الإمام. فقال أبو مسلم لبعضهم: خذ بيده «فألحقه بخوارزم! » وكذلك كان يقول لمن أراد قتله. فقتل سليمان بن كثير. وكتب إلى أبي العبّاس بخبره وقتله إيّاه، فلم يجبه عن كتابه.
وبلغ أبا مسلم عن زياد بن صالح تنقّص له وذمّ، وأنّه يقول:«إنّما بايعنا على إقامة العدل وإحياء السّنن، وهذا ظالم يسير سير الجبابرة» ، وأنّه مخالف له، قد أفسد عليه قلوب أهل خراسان. فدعا به فقتله. وكان عيسى بن ماهان مولى خزاعة صديقا لزياد ومطابقا على بعض أمره. فقال للناس: «إنّ أمير المؤمنين قد أعظم
(1) العجب: الذنب.
(1*) خداش الداعي العبّاسي: عمّار بن يزيد، مرق إلى الخرّميّة (الطبريّ، 7/ 109).
قتل زياد، وذمّ أبا مسلم وأنكر فعله وقال: إنّه قتل رجلا ذا قدم وبلاء حسن في دولتنا، وبرئ منه، وقد بعث بعهدي على خراسان». ودعا قوما إلى حرب أبي مسلم فأجابه قوم منهم سرّا. وخالفه قوم فقتلهم. وكان يومئذ بإزاء قرية وجّهه أبو مسلم إليها ليحارب أهلها. فقدم أبو حميد رسول أبي العبّاس إلى أبي مسلم [81 أ] بخلع وبزّ وبكتاب يلعن فيه زياد بن صالح وأشياعه، ويصوّب رأي أبي مسلم في قتله. فأمر أبو مسلم أبا داود بقتل عيسى بن ماهان. فكتب إليه: إنّ رسول أمير المؤمنين قدم على الأمير بخلع وبزّ له وللأولياء، وذكرناك له. فصر إلينا لتشركنا في أمرنا فنعرّفه حالك. فقدم على أبي داود، فقال:«خذوا ابن الفاعلة! » وأمر به فأدخل في جوالق (1)، ثمّ ضرب بالخشب حتّى قتل.
فكتب أبو العبّاس إلى أبي مسلم يعظّم قتل عيسى ويأمره بقتل أبي داود به. فكتب في جواب ذلك يعذر أبا خالد بن إبراهيم، ويذكر أنّ ابن ماهان لو ترك لكان منه مثل الذي كان من زياد بن صالح من إفساد الناس وحملهم على المعصية والخلاف.
وخرج أبو الورد مجزأة بن الهذيل بن زفر الكلابيّ ودعا الناس فأجابه من قيس وغيرهم زهاء سبعة آلاف. وبلغ أبا محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فطمع وقال: «أنا السفيانيّ الذي يروى أنّه يردّ دولة بني أميّة! » ونزل دير حنينا فبايعه أبو الورد والناس. فبعث عبد الله بن علي بأخيه عبد الصمد بن عليّ إلى السفيانيّ وأصحابه، وهم بقنّسرين فاقتتلوا فانهزم أصحاب عبد الصمد. وأقبل إليه عبد الله بن علي فاقتتلوا في آخر ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين، فانهزم أصحاب السفيانيّ وتوارى هو.
وكان بسّام بن إبراهيم مع نصر بن سيّار. فلمّا ظهر أبو مسلم صار إليه، وقدم مع قحطبة وتوجّه مع عبد الله بن عليّ لقتال مروان. فلمّا خلع أبوالورد (1*) وبايع أبا محمد السفيانيّ، ثم هرب السفياني واختفى، صار بسّام إلى تدمر وعزم على الخلاف لأشياء أنكرها من سيرة عبد الله بن عليّ.
فمنعه أهل تدمر من دخولها فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم جماعة بعث برءوسهم إلى عبد الله بن علي ليوهمه أنّه على طاعته. ثم أظهر الخلاف فانصرف عنه عامّة جنده، فأتى قرقيسيا. فكتب عبد الله بن علي بخبره إلى أمير المؤمنين أبي العبّاس. فسار بسّام إلى المدائن في جمع، فوجّه إليه أبو العبّاس خازم بن خزيمة فقاتله فانهزم بسّام وصار إلى السوس، وقد تفرّق عنه أصحابه، ثم مضى إلى ماه البصرة (2*) وخازم يتبعه فتوارى وكتب إلى جعفر بن محمد الصادق:«إن [81 ب] جئتني ضرّبت بين أهل خراسان وبايعت لك» . فخاف جعفر أن يكون أبو العبّاس السفّاح دسّ إليه الكتاب، فأتى أبا العبّاس بكتاب بسّام فقال له:
أحسن الله جزاءك يا ابن عمّ. اكتب إليه فواعده مكانا يلقاك فيه.
فواعده الحيرة، ووجّه بذلك ابنه إسماعيل بن جعفر. وأمر أبو العبّاس أبا غسّان مولاه وحاجبه بتفقّده ومراعاته. فلمّا رآه أبو غسّان مع إسماعيل بن جعفر، وقد لبس سوادا، وليس معه سيف، قال له: من أنت؟
قال: رجل من أهل الحيرة من العبّاد.
فرفع أبو غسّان عليه العمود فشتمه بسّام وقال:
(1) الجوالق والجولق: الكيس.
(1*) خبر انتقاض أبي الورد مجزأة بن كوثر على عبد الله بن عليّ مفصّل عند الطبريّ، 7/ 443. والخلع منه لعبد الله ابن عليّ
(2*) ماه البصرة: قصبتها (ياقوت).