الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتوفيّ يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
وكان فاضلا مهابا، له حظّ من حسن العبارة ويد في الفقه. إلّا أنّه عيب عليه دعابة كانت فيه وهزل يتظاهر به وكثرة مخالطته للأمير علم الدين سنجر الشجاعي. ولم يكن له نظر (1) ولا هو متفرّغ للعلم.
وكان كثير الكتب متّسع الحال من الدنيا.
1561/ 30 - الملك المعظّم عيسى بن محمد الأيّوبيّ [576 - 624]
(2)
[181 - أ] عيسى بن محمد بن أيّوب بن شاذي ابن مروان، الملك المعظّم، شرف الدين، أبو الفتح وأبو المغوار، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر، ابن والد الملوك نجم الدين أبي الشكر، الأيّوبي، الكردي، الفقيه، الحنفيّ.
ولد بدمشق في خامس رجب سنة ستّ وسبعين وخمسمائة. وتفقّه على مذهب الإمام أبي حنيفة على الشيخ جمال الدين أبي المحامد محمود بن أحمد بن أحمد بن عبد السيّد الحصيري البخاريّ الحنفيّ. وأخذ العربيّة عن الشيخ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكنديّ، وكان يأتيهما للقراءة عليهما ماشيا على قدميه. ولم يكن في بني أيّوب من يذهب مذهب أبي حنيفة غيره، وإنّما كانوا بأسرهم على مذهب الإمام الشافعيّ. فقال له أبوه الملك العادل: يا بنيّ، كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلّهم شافعيّة؟ فقال: يا خوند، أما ترغبون أن يكون فيكم رجل واحد مسلم؟
وكان شديد التعصّب لمذهبه حتى إنّه عزل خطيب القدس من أجل أنّه شافعيّ المذهب وولّى الخطابة رجلا حنفيّ المذهب، وأمر المؤذّنين ألّا يرفعوا أصواتهم بتبليغ التكبير في مسجد القدس إلّا خلف الإمام الحنفيّ الذي رتّبه بالأقصى فقط.
وبنى بالقدس قبّة وجعل عليها وقفا جليلا على من يشتغل من الحنفيّة بعلم النحو واللغة والقراءات، وشرط أن لا يصرف منه لغير الحنفيّة شيء.
وصنّف كتابا سمّاه «السهم المصيب في الردّ على الخطيب» [البغدادي] أبي بكر بن ثابت، فيما أورده في تاريخه (1*) من الطعن في الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
وسمع الحديث من حنبل (2*)، وأبي حفص عمر بن طبرزد وغيرهما. وسمع بالوجه البحريّ من أرض مصر من القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن المجلّي، وحدّث. وحجّ فخرج من دمشق في حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستّمائة، وتصدّق على أهل الحرمين بصدقات جزيلة. وقدم إلى القاهرة ومعه الشريف سالم بن قاسم [بن مهنّا الحسينيّ](3*) أمير المدينة النبويّة وسأل الملك العادل فيه فأكرمه وجهّز معه عسكرا كبيرا، وسار المعظّم إلى دمشق على الهجن فسار على طريق تبوك وبنى البركة وعدّة مصانع.
واستنابه أبوه الملك العادل بدمشق في سنة ستّ وتسعين وخمسمائة عند ما ملك مصر. وخرج بعساكرها في سنة سبع وتسعين لمحاصرة الملك الأفضل عليّ ابن صلاح الدين يوسف بصرخد، ونزل على بصرى في جمادى الأولى منها، وكاتب فخر الدين جهاركس وميمون القصريّ، وهما
(1) في المخطوط: منظر.
(2)
الجواهر المضيئة، 2/ 682 (1089). وفيات الأعيان، 3/ 494 (515). المنذريّ، 3/ 212 (2171). درويش 380.
(1*) أي تاريخ بغداد. السلوك، 1/ 224.
(2*) حنبل بن عبد الله الرصافي (ت 604) درويش 2/ 340 هـ 2.
(3*) الزيادة من السلوك، 1/ 180 (سنة 611).
رأس الصلاحيّة، فلم يجيباه وتحيّزا بمن معهما إلى الملك الظاهر غازي صاحب حلب. فقدم ومعه أخوه الأفضل وحصرا المعظّم بدمشق من رابع عشر ذي القعدة منها إلى مستهلّ المحرّم سنة ثمان وتسعين، ثمّ رحلا بحيلة دبّرها العادل.
فلمّا كانت سنة أربع وستّمائة قسم العادل [180 ب] الممالك بين أولاده وأعطى المعظّم من العريش إلى حمص وأضاف إليه الساحل والغور وفلسطين والقدس والكرك والشوبك وصرخد.
وفي سنة ثمان وستّمائة تسلّم قلعة كوكب وعجلون من الأمير عزّ الدين أسامة [الصلّاحي](1) بعد القبض عليه فهدم قلعة الكوكب وعفّى أثرها. فلمّا مات الملك العادل في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستّمائة بعالقين وحمل إلى دمشق استولى المعظّم على سائر أمواله التي كانت معه وجميع ثقله. وركب وسكّن الناس وأمّنهم ونادى بدمشق: ترحّموا على السلطان الملك العادل وادعوا لسلطانكم الملك المعظّم أبقاه الله (2).
واستبدّ بسلطنة دمشق، وأعاد في شهر رجب منها ضمان القيان والخمور وغير ذلك من الفواحش التي أبطلها أبوه، بحيث إنّه لم ير أحد كانمتظاهرا بالخمر في دمشق، حتى أعاد ذلك المعظّم ففشت المنكرات في الناس. واعتذر عن فعله بقلّة المال عنده واحتياجه إلى النفقة في العساكر لقتال الفرنج.
ثم سار من دمشق نجدة لأخيه الملك الكامل محمد على قتال الفرنج حتى نزل بعساكره أشموم طناح من قرى القاهرة الغربيّة يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة بعد ما ملك الفرنج مدينة دمياط قبل قدومه بيومين، فقويت
شوكة الكامل وثبت ملكه، فإنّه كان قد همّ بمفارقة مصر من أجل قيام الأمير عماد الدين أحمد ابن المشطوب عليه واستمالته الأمراء إلى نصب الملك الفائز إبراهيم ابن العادل وخلع الملك الكامل، مع استيلاء الفرنج على دمياط وكثرة الفتن بديار مصر.
ثم ركب إلى خيمة ابن المشطوب كأنّه يزوره فخرج لخدمته وتلقّاه لينزل فدعاه للركوب والمسايرة للنزهة فبادر ولبس خفّيه وثيابه وركب عجلا، وقد أدهشه وقوف الملك المعظّم ببابه، وسار معه بمفرده حتى بعدا عن العسكر. فقال له المعظّم: يا عماد الدين، هذه البلاد لنا أو لك؟
فقال: أعوذ بالله يا مولانا من هذا الكلام، إنّما هي بلادكم.
قال: أشتهي أن تهبها لي وتخرج منها.
فتحيّر ولم يملك دفاعا. فوكّل به المعظّم عدّة من أصحابه ودفع إليه نفقة، فأخذوه وساروا به على حالته إلى دمشق. فنزل بحماه كما ذكر في ترجمته (1*). وعند ما توجّه ابن المشطوب عاد المعظّم إلى الملك الكامل وأعلمه بإخراج ابن المشطوب فكاد يطير من الفرح. ثم عاد المعظّم (2*) إلى دمشق عقيب ذلك.
وقدم ثانيا في ثالث جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة فيمن قدم من الملوك لمحاربة الفرنج بعد ما خرّب مدينة القدس وهدم أسوارها خوفا من الفرنج أن تملكها، في سادس المحرّم، وأخرج الناس منها حتى لم يبق بها إلّا يسير من الضعفاء، ونقل ما كان بها من الأسلحة وآلات الجهاد.
(1) السلوك، 1/ 174.
(2)
السلوك، 1/ 191.
(1*) ترجمة ابن المشطوب مفقودة. وهو أحمد بن علي الهكاري (ت 619): درويش 343 هـ 1.
(2*) في المخطوط، الأفضل.
فعظمت رزيّة المسلمين بتخريب القدس واستيلاء [180 أ] الفرنج على مدينة دمياط. وكان الشروع في هدم سور القدس أوّل يوم من المحرّم فقال [
…
] يهجو المعظّم [المخلّع]:
في رجب حلّل المحرّم
…
وخرّب القدس في المحرّم
وهدم أيضا قلعة الطور ومحا أثرها خوفا من استيلاء الفرنج أهل عكّا عليها. وما برح بالمنصورة قريبا من دمياط حتى أخذ الملك الكامل مدينة دمياط من الفرنج وعاد إلى قلعة الجبل فرجع المعظّم إلى دمشق في شهر رجب سنة ثماني عشرة.
وفي سنة عشرين وستّمائة ملك المعرّة وسلميّة. ونازل حماة ثم أفرج عنها. وفي سنة إحدى وعشرين خرج من دمشق يريد محاربة أخيه الملك الأشرف موسى، نصرة للملك المظفّر غازي صاحب إربل فبعث إليه الملك الكامل من مصر يقول له: والله لئن تحرّكت من دمشق لأسيرنّ وآخذها منك!
فخاف وعاد إلى دمشق وفسد ما بينه وبين الكامل. واتّهم الكامل كثيرا من أمرائه بالميل إليه وقبض عليهم وبعث إلى الأشرف بموافقته فإنّه لم يغاضب المعظّم إلّا بسببه، ويأمر من معه ألّا يخالفوه. فتأكّدت الوحشة بينهما، وكثر توهّم الملك الكامل من عسكره، فإنّ المعظّم بعث إليه في سنة ثلاث وعشرين يقول له: إن قصدتني لا آخذك إلّا بعسكرك- وصار يريد التوجّه إلى دمشق فيقعده الوهم.
وخرج المعظّم إلى حمص ونازلها وخرّب قراها ثمّ رحل عنها ولم يقدر على المدينة، وكثر الموت في عساكره ودوابّه. فقدم عليه أخوه الأشرف وحلف له على معاونته على الكامل فسرّ بذلك سرورا كثيرا. فاشتدّ خوف الكامل وبعث إلى الإمبراطور ملك الفرنج في سنة أربع وعشرين يسأله أن يقدم إلى عكّا، ووعده أن يعطيه بعض ما بيد المسلمين من البلاد الساحليّة. وأراد بذلك أن يشغل سرّ المعظّم. فتجهّز الإمبراطور لقصد عكّا.
وبلغ المعظّم ذلك فكتب إلى السلطان جلال الدين [
…
] خوارزم شاه يسأله النجدة على الملك الكامل ويعده أنّه يخطب له في مملكة الشام ويضرب السكّة باسمه. فبعث إليه السلطان جلال الدين خلعة لبسها وشقّ بها مدينة دمشق. وقطع اسم الكامل من الخطبة وخطب باسم السلطان جلال الدين في شهر رمضان سنة أربع وعشرين.
فخرج الكامل من القاهرة بعساكر مصر لمحاربته ونزل بلبيس. فبعث إليه ملطّفا يقرأ سرّا: إنّي نذرت لله تعالى أنّ كلّ مرحلة ترحلها لقصدي أتصدّق بألف دينار فإنّ جميع عسكرك معي وكتبهم عندي. وأنا [179 ب] آخذك بعسكرك- وكتب مكاتبة تقرأ ظاهرا بأنّي مملوكك، وما خرجت عن محبّتك وطاعتك. وحاشاك أن تخرج وتقاتلني وأنا أوّل من أنجدك وحضر إلى خدمتك من دون جميع ملوك الشام والشرق- فأظهر الكامل هذا بين الأمراء وعاد إلى قلعة الجبل من العبّاسة، وقد تخوّف من أمرائه وقبض على كثير منهم ومن غيرهم وشرع في التجهيز إلى دمشق (1*).
وقويت الأخبار بمسير ملك الفرنج (2*) فخرج المعظّم من دمشق وخرّب قلاعا وأفسد عدّة صهاريج بالقدس وعاد إلى دمشق فمرض بها ومات يوم الجمعة آخر ذي القعدة سنة أربع
(1*) السلوك، 1/ 223.
(2*) انظر الحاشية المستفيضة عن حملة الأمبراطور الألمانيّ فريدريك الثاني، وهي الصليبيّة السادسة، في السلوك، 1/ 221 هامش 3.
وعشرين وستّمائة فدفن بقلعتها وكان موته وقت العصر وعمل عزاؤه عند باب الخطابة بجامع دمشق وحضر ولده الناصر داود. ثم نقل إلى صالحيّة دمشق.
فسرّ الكامل بموته. وكان عمره يوم مات ثماني وأربعين سنة وستّة أشهر تنقص تسعة أيّام، ملك منها ثماني سنين وسبعة أشهر تنقص ثمانية أيّام.
وأمر عند وفاته أن لا يكفّن إلّا في البياض وأن [لا] يلحد له ويدفن في الصحراء ولا يبنى عليه. وكان يقول: واقعة دمياط ذخري عند الله تعالى، وأرجو أن يرحمني بها.
وكان ملكا شجاعا كريما أديبا ليّنا فقيها فاضلا في عدّة علوم من نحو وأدب، مع الإقدام وترك النظر في العواقب، والتجبّر، واطّراح الكلفة في الملابس. وبلغ عسكره ثلاثة آلاف فارس، وعسكر الكامل اثني عشر ألفا، ومع ذلك يخيفه ويخفق على رأسه بالتهديد في كلّ وقت. ويخافه أيضا أخوه الأشرف صاحب بلاد الشرق. فإنّه كان يعتني بعساكره ويبالغ في تجمّلهم وكثرة عبر إقطاعاتهم فعظمت رغبتهم في خدمته وازدادت محبّتهم له طمعا في عطائه وكثرة سخائه. وكان مع ذلك حازما مهابا يحبّ العدل.
وشرح الجامع الكبير في الفقه. ورؤي بخطّه على كتاب سيبويه: إنّي قطعته حفظا من خاطري.
ووجد بخطّه أيضا على كتاب النكت في الفقه على مذهب أبي حنيفة أنّه قطعه حفظا، وهو في مجلّدين. وأمر أن يجمع له كتاب في اللغة يحتوي على صحاح الجوهريّ وجمهرة ابن دريد وتهذيب الأزهريّ وغير ذلك، وأن يرتّب له مسند الإمام أحمد. وكان يقول: أنا على عقيدة الطحاويّ.
ورؤي بخطّه على عدّة مواضع من كتاب سيبويه حواش وفوائد ومؤاخذات في غاية الجودة وفي آخره: أتممته مطالعة وأنا بنابلس. وشرط في أيّامه لمن حفظ كتاب المفصّل في النحو للزمخشريّ مائة دينار فحفظه أهل الشام واعتنوا به، ومات والناس في حفظه. وشرط لمن يحفظ الجامع الكبير مائة دينار. وكان محبّا لأهل العلم لا يزال عنده طائفة من الفضلاء في إقامته وسفره لا يفارقونه أبدا، منهم فخر القضاة نصر الله ابن بصاقة، وأبو المحاسن [محمد بن نصر الله] بن عنين (1*) كاتب إنشائه. وأهدى مرّة طبقا فيه أترجّ وليمون قدم إليه من مدينة قيسارية إحد [ى] مدن الساحل إلى بهاء الدين ابن القيسرانيّ، واتّفق أنّه كان قد قدم عليه الأمير سعد الدين الأسدي ابن خالته وسرّ به سرورا زائدا، فكتب إليه ابن القيسراني [الكامل]:
يا أيّها الملك المعظّم والذي
…
أضحت له الدنيا تزفّ عروسا
أوليتني نعما إذا أظهرتها
…
للناس أظهر حاسدوها بوسا
[179 أ] فليهنك اليوم الذي قد أطلعت
…
فيه الكؤوس كواكبا وشموسا
قدوم سعد الدين سعد ذابح
…
للكفر يمنحهم أذى ونحوسا
فكتب إليه الملك المعظّم:
يا من تفرّد بالفضائل دائبا
…
[
…
] يؤسّس مجدها تأسيسا
لا زلت في درج المكارم راقيا
…
تعلو وربعك بالثنا مأنوسا
فكتب إليه ابن القيسرانيّ:
مدح بمدح يستطاب، ولا أرى
…
ما بين ذين دراهما وفلوسا
(1*) لابن عنين الشاعر ترجمة في المقفّى رقم 3420.
فأمر له بقماش كثير وذهب وغلّة وشمع، وخلع عليه، فبلغ ما أجازه به ألف دينار، وقال لرسوله:
قل لبهاء الدين: فلوس ما بيننا؟
وبنى بدمشق المدرسة العادليّة ودفن فيها أباه الملك العادل فعرفت به، وهي وقف على الفقهاء الشافعيّة. وبنى بظاهر دمشق مدرسة للحنفيّة.
وكان ينشد كثيرا [الكامل]:
ومورّد الوجنات أغيد خاله
…
بالحسن من فرط الملاحة عمّه
كحل الجفون، وكان في ألحاظه
…
كحل فقلت سقى الحسام وسمّه
ودخل عليه الحاجب يوما فقال: أحمد اليمنيّ المجاور العامل على الأوقاف يستأذن في الحضور- وكان معتنيا به- ولا ينصرف.
فقال المعظّم: أضفه واصرفه!
ومن شهامته أنّه دخل عكّا وهي يومئذ بيد الفرنج لكشف أحوالها وهو في زيّ زيّات، وأقام بها أيّاما ورهن خاتمه عند بيّاع بها، وعاد إلى دمشق، وكتب إلى ملك الفرنج بعكّا يعلمه بما شاهد ويسأله أن يفتكّ خاتمه وينفذه إليه. فقامت قيامة ملك عكّا وكاد يموت غيظا وأسفا.
وخرج يوما من داره بقلعة دمشق فوجد رجلا في الدهليز البرّاني، من أعوان القاضي، فقال له:
ما شغلك؟
فقال- ولم يعرف المعظّم: راجل (1) القاضي.
فقال: ما تريد؟
فنظر إليه وقد ازدرى حاله، وقال: بالله اسكت! الأمراء والكبراء ما نجح قولهم، ينجح عندك؟
فقال له المعظّم: ما عليك. قل ما شئت فإنّي ضامن النجاح- وغمزه بعض الحاضرين بأن يقول- فقال: إنّ مملوك المعظّم فلان الفلانيّ، لفلان التاجر عنده حقّ، ولي منذ شهر متردّد من قبل القاضي فلا يلتفت إليّ وكلّما رجعت إلى القاضي لا مني. وقد حرت في أمري.
فقال المعظّم: لا تبرح من مكانك- فلم يمض غير قليل حتّى عاد، وإذا بالمملوك قد جيء به وعمامته في رقبته- وكان عند المعظّم بمنزلة رفيعة وله [178 ب] حرمة عظيمة، وقال: هذا صاحبك؟
قال: نعم.
قال: احمله على هذه الحالة إلى القاضي. وإن سمعت أنّك أزلت عمامته من عنقه شنقتك بها.
فخاف عون القاضي الموت وأخذ المملوك على تلك الحالة إلى القاضي. فارتجّت مدينة دمشق بالدعاء للمعظّم. وقضى القاضي على المملوك للتاجر بحقّه. فلمّا انفصلت الحكومة أمر المعظّم بإخراج المملوك من القلعة وأسكنه المدينة وقطع خبزه وأعرض عنه وقال: ذلك أدب الشرع، وهذا أدبي. فمن يكون في خدمتي لا يرتكب ما يسيء القالة في دولتي ويشهّر اسمي بالظلم- واستمرّ المملوك على تلك الحالة مدّة، إلى أن شفع فيه.
وقال فخر القضاة ابن بصاقة- وكان ينادم المعظّم: كنت كأنّي أنادم بعض أصحابي، بل أحد غلماني. ما رأيت أنصف منه ولا أحبّ في راحة نديمه، وكأنّ مجلسه الجنّة ليس فيها إلّا الراحة بلا كلفة. ولقد ارتفعت المناقشة والمحاسبة بيننا وبينه. وكان يشرب معنا ويحضر مجلسنا عنده جنديّ كبير من حلقته له خبز يصلح لعشرة من
(1) الراجل: الحارس والساعي بالأوامر (دوزي).
الجند. وكان شجاعا لكنّه كان ثقيل الطلعة بغيض المراجعة والمحاققة وإذا سكر عربد بالكلام على المعظّم ويقول: إنّ خبزي لا يصلح لغلام من غلماني، فإنّي دخلت وصنعت في اليوم الفلاني وفي الوقعة الفلانيّة- ويعدّد ما يفطر بها أكباد الحاضرين- والسلطان يضاحكه ويباسطه ويجاوبه بلطافة. فطال ذلك وصار يقول: أريد دستورا (1).
فقلت له يوما: أنت ملك عظيم وليس على يدك يد، ولا لك عدوّ تخافه، وجرايتك وافرة، وجندك كثر وبلادك واسعة، فعلام تحتمل من هذا ما نشاهد منه في كلّ ليلة؟
قال: اعلم أنّنا في مجلس المنادمة، وأنّه يحسن الحرب، وقد عاينت مواقفه فأحببت أن أعطيه خبزا يصلح لعشرة أمثاله، وعلمت أنّه ما له غاية ولا قناعة في الطلب، فنفسه طمّاعة على قدر شجاعته وتهوّره في الحرب. وإنّما يصدر هذا منه في حال السكر فإذا صحا تراجع وظهرت في وجهه الندامة والحياء. فأنا أحتمل منه ذلك ضنّا بالأجناد ولا أتسامح بإبعاد أصحابي عنّي، وفي الأخباز سعة تحتمل أن يزاد أكثر ممّا في يده، وإنّما أتوقّى أن تنفتح [178 - أ] عيون الأجناد لمثل طلبه فينفتح علينا باب ليس عندنا ما يغلقه. والأيّام تحكم وتعمل.
فلم يزل على ذلك إلى أن حضر مصافّ الفرنج فقال له المعظّم: إلى كم تصدع رأسي بطلب الزيادة؟
اليوم أرى فعلك ويظهر إن كنت مستحقّا أم لا.
فحمي واغتاظ وجعل يقتل الفارس بعد الفارس من المشهورين ولم يرجع عن فعله إلى أن اجتمع عليه داربة (2) الفرنج فقتلوه. فقال المعظّم: صبرنا
عليه في الدنيا وحملناه على الفوز بالشهادة في الآخرة- وقسم خبزه بعد ذلك على عشرة من الأجناد، وكان حالهم فيه طيّبا.
ولو لم يكن له فيما يؤثر عن الملوك إلّا عنايته بطريق الحاجّ، فإنّها صارت في أيّامه وبعده سابلة ذات منازل آهلة يوجد فيها العلف وغيره، وأنف أن يتكلّم أحد في خفارة وحسم موادّ ذلك.
وكانت عادته أن يقسم الليل أثلاثا، فيشرب في الثلث الأوّل ويخلو بلذّاته، وينام الثلث الثاني، ويدخل الحمّام في الثلث الثالث ويصلّي ويطالع.
ومن مليح ما يحكى عنه أنّه رفع إليه أنّ عامله بالكرك بنى دارا استعان فيها بجاه الدولة، فقال:
نعم ما فعل: أظهر النعمة وأحسن الظنّ بنا!
ومن مختار شعره قوله عند ما مات أبوه الملك العادل [الطويل]:
يقول أناس يعلمون فضائلي
…
وعظم ارتياحي للمكارم والمجد
ألا تحضر المرحوم في حال دفنه
…
فقلت، ولي قلب يفتّت بالوجد
خشيت أرى الملك والإسلام والعلى
…
وبذل النّدى والحلم يودع في اللّحد
وقوله [الكامل]:
يا درّة الغوّاص بل يا ظبية ال
…
قنّاص بل يا دمية المحراب
عاديت فيك عصابة كانوا على
…
قرب الديار وبعدها أحبابي
(1) عند دوزي: الدستور هو العطلة أي الاستراحة من الخدمة العسكريّة.
(2)
قراءة ظنّية. وفي اللسان: التدريب: الصبر في الحرب-
- وقت الفرار. وقال دوزي: الدارب: الجنديّ المقاتل للروم (ولعلّها من الدرب وهو الطريق إلى بلاد الروم).
وقرأ الدكتور درويش: داويّة (ج 2/ 354 هـ 1) وشرحها ب «فرسان المعبد Les Templiers «أو Les Chevaliers du Temple.