الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى ثغور أقحوانها يرشفه، وظل يقطف من زهر خواطر هذا الكاتب وأفكاره العبقة، مسرّحا الطرف فيما يفوت الوصف. ويقول الحصرى من فصل مقذع فى الهجاء:
وذمّ هذا الأديب المتعالى الدّعىّ شديد الإيلام، إذ لم يترك فيه الحصرى شيئا من نفس أو حسّ أو طبع أو ذهن أو خلق إلا وجرّحه، وكأنما يريد أن يمزقه تمزيقا، ووصفه بالكبر والتعالى حتى ليخال أن كسرى ملك الفرس من حشمه الذين يحملون من ورائه غاشيته وأن قارون صاحب الكنوز المشهور وكيل على نفقته، وأن بلقيس ملكة اليمن من حواضنه. ومضى يذكر له أنه يخال شعراء الجاهلية الكبار امرأ القيس والنابغة وزهيرا ليسوا شيئا مذكورا بجانبه.
والرسالة طويلة ونظن طنا أن ابن زيدون استضاء بها فى رسالته الهزلية. ولعل فيما قدمت من هذه الفصول ما يشهد له بأنه كان كاتبا مبدعا إبداعا رائعا لا بما كان يزين به كتاباته من محسنات البديع فحسب، بل أيضا بما كان ينتخب من الألفاظ مسوّيا منها دررا متلاحقة.
ابن (3) خلدون
هو ولى الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمى التونسى، ولد بتونس سنة 732 هـ/1332 م حتى إذا أيفع قرأ القرآن العظيم على أبى عبد الله بن برّال، وبعد أن استظهره قرأه عليه بالقراءات السبع المشهورة وبقراءة يعقوب أحد العشرة، وعرض عليه الشاطبيتين فى القراءات وكتاب التقصّى لأحاديث الموطّأ لابن عبد البر وكتاب التسهيل فى النحو لابن مالك ومختصر ابن الحاجب فى الفقه، وفى خلال ذلك تعلّم صناعة العربية على والده
(1) جاس: غليظ.
(2)
رينا: دنسا. مينا: كذبا.
(3)
انظر فى ترجمة
ابن خلدون
كتابه: التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، وهو سيرته بقلمه (طبع القاهرة) والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوى 4/ 146 والحلل السندسية 3/ 665 وفلسفة ابن خلدون الاجتماعية لطه حسين ترجمة محمد عبد الله عنان وبرتشفيك 2/ 405 وما بعدها ودائرة المعارف الإسلامية فى ابن خلدون، وكتاب ابن خلدون: حياته وتراثه الفكرى (طبع القاهرة) وأعمال مهرجان ابن خلدون فى يناير سنة 1962 بالقاهرة ودراسات عن مقدمة ابن خلدون لساطع الحصرى (طبع القاهرة) وعبد الرحمن بن خلدون للدكتور على عبد الواحد وافى (طبع القاهرة) ومجمل تاريخ الأدب التونسى ص 218.
وعلى الشيخين الحصائرى والزرزالى، وعلى إمام العربية والأدب بتونس أبى عبد الله بن بحر وأشار عليه بحفظ الشعر فحفظ كتاب الأشعار الستة للأعلم وكتاب الحماسة وشعر أبى تمام وطائفة من أشعار المتنبى وسقط الزند للمعرى ولازم مجلس الحافظ ابن جابر الوادى آشىّ وسمع عليه صحيح مسلم، وكتاب الموطّأ، وأجازه إجازة عامة. وأخذ الفقه عن جماعة منهم أبو القاسم محمد بن القصير قرأ عليه كتاب التهذيب للبرادعى ومختصر المدوّنة وتفقه عليه، وفى خلال ذلك كان يحضر مجلس الإمام محمد بن عبد السلام، وعليه سمع كتاب الموطأ. ولما ملك السلطان أبو الحسن المرينى تونس سنة 748 هـ/1348 م أحضر معه جماعة كبيرة من علماء فاس، فاستمع إليهم وانتفع بهم، وبخاصة من الشيخ أبى عبد الله الأبلى التلمسانى تلميذ ابن البناء المراكشى، وعنه أخذ الأصلين والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية.
وواضح من ذلك أن ابن خلدون كان-منذ نشأ-يكب على تحصيل العلوم بل يلتهمها التهاما، وقد لفت إليه معاصريه منذ حداثته، مما جعل أبا محمد بن تافراكين المستبد بالدولة بعد رحيل السلطان أبى الحسن المرينى عن تونس يستدعيه سنة 749 هـ/1349 م لكتابة العلامة عن الخليفة الحفصى أبى إسحاق وهى وضع كلمة «الحمد لله والشكر لله» بقلم غليظ بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مكاتبة، وفى سنة 753 هـ/1353 م استدعاه السلطان المرينى أبو عنان فارس لينتظم فى سلك رجال دولته، ولبّاه، فأكرم وفادته عليه، وعهد إليه سنة 756 هـ/1356 م بالكتابة والتوقيع بين يديه، ونفس عليه بعض من حوله هذه المكانة عند السلطان وأخذوا يدسّون عليه فاعتقله السلطان سنة 758 هـ/1357 م وظل فى معتقله حتى توفى سنة 760 هـ/1359 م وردّت إليه حريته بعد وفاته، ولحق بالسلطان أبى سالم وولاه كتابة السر والإنشاء حتى توفى سنة 764 هـ/1363 م ودخل بعده إلى غرناطة بالأندلس واحتفى به سلطانها ابن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب، وتوثقت الصلة بينه وبين الوزير، وأرسله السلطان سنة 765 هـ/1364 م فى سفارة إلى ملك قشتالة، ونجح فى سفارته وسرعان ما أخذ أهل السعايات يفسدون ابن الخطيب عليه، وأحسّ منه شيئا من الانقباض لم يكن عهده فيه، وكانت قد وردت عليه كتب من الأمير أبى عبد الله صاحب بجاية يستدعيه، فصمم على مغادرة غرناطة وركب البحر سنة 766 هـ/1365 م إلى بجاية، واحتفل أميرها ورجال دولته به، وخلع عليه، وأخذ يستعين به فى تدبير حكمه، وأسند إليه خطابة الجامع، ودرّس للطلاب، وقتل وخلفه أخوه، وأحسّ بالسعايات تكثر ضده، وجاءه كتاب من السلطان أبى حمو صاحب تلمسان فى الجزائر سنة 769 هـ/1368 م يستدعيه-وهو بمدينة بسكرة-لحجابته، فلبّاه، وظل عنده حتى سنة 774 هـ/1373 م إذ استدعاه السلطان المرينى عبد العزيز ليعمل معه، وارتحل إليه، غير أنه توفى قيبل قدومه عليه، ولقيه الوزير أبو بكر بن غازى لقاء كريما، وأحسّ بدسائس تحاك ضده من
حوله، فرحل إلى غرناطة سنة 776 هـ/1375 م رحلته الثانية، وسرعان ما أخذ أهل الدولة بفاس يدسون ضده عند سلطانها ويحثونه على إعادته إلى تلمسان، وعاد إليها وأحسّ ريبة من أبى حمو سلطانها لتركه له وعمله مع الدولة المرينية، فخرج من تلمسان واتجه إلى أحياء أولاد عريف فى البادية فأكرموه، ومكث بينهم مع أسرته أربعة أعوام، نزل فيها مع أهله بقلعة ابن سلامة فى جبل بنى راشد وأسكنوه فيها قصرا، اختلى فيه لوضع أصول كتابه العبر ومقدمته، وأحسّ أنه محتاج إلى مطالعة أمهات الكتب فى مكتبات الدولة الحفصية فى تونس ليستعين بها فى تاريخه منقحا ومصححا وارتحل فى سنة 780 هـ/1379 م يريد تونس ولقى فى سوسة سلطانها.
فراجعه وذكر له أنه يريد الرجوع إلى تونس مسكن آبائه، فجهزه إليها، وعاد إلى عشّه الذى درج منه، وكان السلطان قد أمر نائبه فيها أن يهيئ له منزلا كريما مع راتب كاف. وعاد السلطان الحفصى إلى عاصمته، وأخذ يستشيره فى شئون الدولة، وطلب إليه الإكباب على تكملة تاريخه، وأكمله وأهدى الخزانة الحفصية الكبيرة منه نسخة، وأحسّ بسعايات ضده عند السلطان الحفصى فقرر مغادرة تونس متعللا بالحج وركب البحر إلى الإسكندرية سنة 784 هـ/1383 م ودخل القاهرة وانهال عليه طلابها يريدون الاستماع إليه، فانتصب للتدريس بالجامع الأزهر، يقرأ لهم كتاب الأصول للإمام المصرى المالكى ابن الحاجب، وأخذت شهرته تتتسع فى أروقة العلماء والأمراء، ولقى السلطان المملوكى برقوق فآنسه ووفّر راتبه، وولاّه التدريس فى المدرسة القمحية بجوار جامع عمرو أهم مدارس الفقهاء المالكية بمصر. والتمس منه ابن خلدون أن يرسل إلى الخليفة الحفصى بتونس رسالة يرجوه فيها أن يرسل إليه أسرته بحرا، وأرسلها، غير أنه لم يكتب له أن يرى أحدا من أهله، فقد غرقت السفينة بكل من كان فيها، وحزن حزنا شديدا. وكان برقوق قلّده قضاء القضاة المالكية سنة 786 هـ/1385 م بالإضافة إلى تدريسه فى المدرسة القمحية وكثر الشغب عليه وأظلم الجو بينه وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابه فى أهله وولده، وعظم جزعه، فاعتزم الخروج من منصب القضاء والخلوص للعبادة والتدريس، وظل مترددا، حتى إذا عرف برقوق رغبته أخلاه من هذا المنصب سنة 787 هـ/1386 م. ومكث بعد عزله منه نحو سنتين فى حال رفعة وعز من تردد الطلاب والعلماء ووجوه القاهرة إليه، وتوجه إلى أداء فريضة الحج سنة 789 هـ/1388 م فقضى النسك وعاد إلى القاهرة محفوفا بمحبة الناس وتجلّتهم له إلى أن رأى السلطان أن يقلّده القضاء ثانية فى سنة 801 هـ/1398 م وصرف عنه فى سنة 803. ولم يلبث أن خرج مع السلطان فرج للقاء تيمور لنك وإعصاره التتارى، وهزم فرج وجيشه بالقرب من دمشق وخرج ابن خلدون مع وفد للقاء تيمور لنك والتفاوض معه فى تسليم دمشق ووعظه وعظا طويلا استطاع به أن يفديها من النهب والسلب وما كان يأتى جيش تيمور لنك من الفظائع، وعقد صلح بين السلطان فرج وتيمور لنك. وعاد ابن خلدون إلى القاهرة واستقبل بحفاوة بالغة، وأعيد إلى القضاء فى نفس السنة، وصرف فى السنة التالية، وأعيد فيها،
وصرف سنة 806 هـ/1403 م وأعيد سنة 807 هـ/1404 م ولبّى نداء ربه-وهو قاض-فى السنة التالية.
وقد بهر ابن خلدون معاصريه ومن جاءوا بعدهم إلى اليوم بتاريخه الذى سماه: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر فى أيام العرب والعجم والبربر» وهو ثلاثة أقسام فى سبعة كتب، والكتاب الأول مقدمة فى الفلسفة الاجتماعية فى مجلد كبير، والكتاب الثانى فى أربعة مجلدات تتناول أخبار العرب فى المشرق، والكتاب الثالث فى مجلدين يتناولان تاريخ البربر، وهو حجة فى تاريخهم، وأيضا فيما كتبه عن تونس وصقلية والأندلس. والدافع الذى دفعه إلى كتابة مقدمة مسهبة لتاريخه ما لاحظه عند المؤرخين قبله من قبولهم كثيرا من الأخبار الزائفة او الخرافية وخضوعهم للأهواء وبعض النّحل دون تصور واضح للقوانين الاقتصادية التى تحكم المجتمعات الإنسانية، فأراد أن يقفهم على هذه القوانين ومدى سيطرتها على الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبذلك فسر التاريخ على أسس تطور الأوضاع الاقتصادية لا على أسس تطور الأوضاع السياسية كما تصوره اليونان. والمقدمة فى ستة أبواب، أولها يتحدث عن العمران البشرى وضرورة الاجتماع الإنسانى ومن قوله فى ذلك.
ويقول إنه إذا حصل للبشر هذا الاجتماع أو المجتمع وتم لهم العمران كان لا بد لهم من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما فى طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وهذا الوازع إما يكون بواحد منهم له عليهم الغلبة والسلطان، وإما بشرع مفروض من عند الله يأتى به واحد
منهم متميز بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه، حتى يتم له الحكم فيهم من غير إنكار. ويفيض فى الحديث عن العمران بالأرض وأقاليمها ومدى تأثير البيئة فى السكان سواء فى الألوان أو فى الأخلاق.
والباب الثانى يتناول العمران البدوى مع مقارنات بالعمران الحضارى وبيان أن الأمم الوحشية تتغلب على ما لا يبلغها فى الوحشية من الأمم، ويقول إن الانغماس فى الترف من عوائق الملك، وإن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب، وإن تغلب العرب على الأوطان يسرع إليها بالخراب وإنهم أبعد الناس عن سياسة الملك. وظن بعض الباحثين أنه يريد العرب عامة، وهو إنما يريد الأعراب المتبدين الجفاة من أمثال بنى هلال وبنى سليم الذين سبق أن تحدثنا عنهم وعن سيولهم التى قدمت إلى إفريقية وخرّبت القيروان وغيرها من المدن فى القرن الخامس الهجرى.
والباب الثالث عن الملك وأصنافه وأنه يحصل بالعصبية وحين يسود فيه الترف يفضى إلى الهرم، ويقول إن الدول تنتقل من البداوة إلى الحضارة وإن لها أعمارا مثل الأشخاص، ويتحدث عن الخلافة وانتقالها إلى الملك كما يتحدث عمن تستعين بهم الدول من الوزراء والحجاب والعمال والكتاب ورجال الشرطة وقواد الجيش، وعن الحروب والجباية والمكوس، ويقول إن التجارة من السلطان مفسدة للرعية، وبالمثل تفرده هو وحاشيته بأكبر نصيب من دخل الدولة.
وليس شئ يؤذن بخراب العمران مثل الظلم، ولا بد للعمران البشرى من سياسة عادلة ينتظم بها أمره. والباب الرابع عن البلدان والأمصار وما يجب مراعاته فى أوضاع المدن، ويقول إن الحضارة غاية العمران غير أنها تعدّ لفساده. والباب الخامس عن المعاش (الاقتصاد) ووجوهه من الكسب ويقول إنه:«إما أن يكون بالاستيلاء عليه من يد الغير على قانون متعارف ويسمى مغرما وجباية وإما أن يكون باقتناص الحيوان الوحشى وأخذه برمّته ويسمى ذلك اصطيادا، وإما أن يكون من نتاج الحيوان الداجن كاللبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحله، وإما أن يكون من الزّرع نباتا أو شجرا ويسمى ذلك فلاحة أو فلحا، وإما أن يكون من الأعمال الإنسانية فى مواد معينة وتسمى الصنائع من كتابة ونجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك، وإما أن يكون من البضائع وأعدادها للأعواض (1)، ويسمّى ذلك تجارة» . ويفصّل القول عن الفلاحة وعن التجارة وأصنافها وما يحدث فيها من الاحتكار، ويقول إنه يعود على صاحبه بالتلف والخسران، وإنه هو الذى اعتبره الشارع أخذ أموال الناس بالباطل، ويفيض فى الحديث عن أمهات الصنائع ويذكر من بينها صناعة التوليد وصناعة الطب ويفصّل القول فيهما كما يفصله فى صناعة الغناء وأنغامه وآلاته وتطوره من الجاهلية إلى زمنه.
(1) الأعواض جمع عوض: البدل فى التجارة.
والباب السادس مقصور على العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه، ويتحدث عن العقل التجريبى وعلوم الأنبياء وأن الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب وأن العلم والتعليم طبيعيان فى العمران البشرى وأن العلوم إنما تكثر حين يكثر العمران وتعظم الحضارة، ويفيض فى الحديث عن أصناف العلوم بادئا بالعلوم الإسلامية: علوم القرآن من التفسير والقراءات وعلوم الحديث وعلوم الفقه وأصوله وعلم الكلام وعلم التصوف ومذاهب الوحدة والحلول فيه، ويتسع بالحديث فى علوم الأوائل من الحساب والهيئة والمنطق والطبيعيات والطب والفلاحة وعلم الإلهيات وعلم الكيمياء والفلسفة عارضا فى كل علم تاريخه وأشهر أعلامه. وينتقل إلى علوم اللسان العربى:
علم النحو وعلم اللغة وعلم البيان وعلم الأدب ويقول «إنه لا موضوع له ينظر فى إثبات عوارضه أو نفيها وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهى الإجادة فى فنى المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، ويقول إن لغة العرب من أهل الحضر والأمصار لزمنه مغايرة أو مخالفة للغة مضر الفصحى، إذ اتخذ كل مصر وكل بلد لنفسه لغة عامية عربية مستقلة به، ويتحدث عن صناعة الشعر والنثر وأشعار العرب والأمصار لزمنه والموشحات والأزجال وغيرهما من فنون الشعر المستحدثة كالمواليا. وبذلك كله وضع ابن خلدون فى مقدمة تاريخه لأول مرة فى تاريخ الفكر الإنسانى علم الاجتماع بأركانه وقواعده وقوانينه أو كما يسميه علم العمران البشرى سابقا بذلك علماء الغرب الذين لم يعنوا به بعده إلا بنحو أربعة قرون، وهو بحق عبقرىّ فذّ لا لتونس وحدها بل للعرب جميعا فى كل مكان وزمان.
وواضح من حياة ابن خلدون أنه عمل بدواوين حكام مختلفين، وهو بذلك يعدّ من كتّاب الدواوين، وكان السجع قد شاع فى كتاباتهم بحيث لا يكتبون رسالة ديوانية إلا مسجوعة سجعا تاما، وليس ذلك فحسب، بل كانوا يضيفون إلى السجع المحسنات البديعية، ورأى أن ينحى هذه الطريقة عن كتابته الديوانية، وأن يكتب بالأسلوب المرسل محاكيا عبد الحميد الكاتب والجاحظ وأضرابهما من قدماء الكتاب البلغاء، ويصرح بذلك فى كتابه:«التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، إذ يقول فيه: «لما استعملنى السلطان أبو سالم [المرينى] فى كتابة سرّه والترسيل عنه والإنشاء لمخاطباته كان أكثرها يصدر عنى بالكلام المرسل دون الأسجاع لضعف انتحالها وخفاء العالى منها على أكثر الناس بخلاف الكلام المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغربا بين أهل الصناعة» . ونراه فى المقدمة يهاجم الكتابة الديوانية المسجوعة بعنف فى الفصل الذى عقده لانقسام الكلام إلى فنى النظم والنثر، ويقول: «استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه فى المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية. . واستمروا على هذه الطريقة واستعملوها فى المخاطبات السلطانية. . وهجروا المرسل وتناسوه. . ووجب أن تنزّه المخاطبات السلطانية عنه. . والمحمود فيها الترسل، وأما إجراؤها على هذا النحو المقفى فمذموم، وما حملهم عليه إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطائهم الكلام حقّه فى
مطابقته لمقتضى الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل، وجبروه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع والألقاب (المحسنات) البديعية». وهو يضم إلى مهاجمة الأسجاع فى المكاتبات السلطانية مهاجمة المحسنات البديعية التى أكثر منها المتأخرون، وعاد إلى هذه المهاجمة فى الفصل الذى عقده فى المقدمة بعد ذلك للمطبوع والمصنوع من الكلام، وقال إن تلك المحسنات تغلب اليوم على أهل العصر، وأصحاب الأذواق فى البلاغة يسخرون من كلفهم بهذه الفنون ويعدون ذلك من القصور عن سواه وليس بين أيدينا رسائل ديوانية لابن خلدون إلا ما ذكره فى كتابه:
«التعريف» من فصل فى رسالة أرسل بها إلى ملك المغرب أبى سعيد عثمان بن أحمد المرينى يخبره فيه بأحوال تيمور والتتار منذ جنكيزخان وفيه يقول:
والفصل-على هذه الشاكلة-مكتوب بأسلوب مرسل دون أى تكلف لسجع أو لمحسن بديعى. وكان يستخدم هذا الأسلوب فى رسائله الشخصية على نحو ما يتضح فى رسالة أرسل بها إلى لسان الدين بن الخطيب ردا على رسائله الموشاة بالسجع والبديع، وقد دون الرسالة ورسائل ابن الخطيب فى كتابه:«التعريف» ويقول ابن خلدون إنه تفادى فى رسالته السجع خشية القصور عن مساجلة ابن الخطيب فى رسالاته المسجوعة، وهى مجاملة لابن الخطيب، والحقيقة أنه نحىّ السجع عن كتاباته فى الرسائل الشخصية والديوانية جميعا، ودعا الكتّاب- إلى ذلك-كما أسلفنا-فى مقدمته غير أنهم ظلوا لا يستمعون إليه فى جميع البلدان العربية، إلى أن تحررت الكتابات ديوانية وغير ديوانية من السجع والمحسنات البديعية بمصر فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتبعتها البلدان العربية.